ما اسفرت عنه التظاهرات والاعتصام الذي لحق بها، ظرف مختوم فيه مرشحين للمناصب الوزارية التي يفترض ان تعالج الخلل الذي رافق العملية السياسية منذ العام 2003.. واقول العملية السياسية، وليس في وارد اطلاق تسمية اخرى عليها، من قبيل الاداء الحكومي، او الخلل الاداري في عمل الحكومة.

وحين اقول العملية السياسية، فاني اتحدث عن خلل بنيوي رافق هذه العملية منذ بداياتها وحتى اللحظة، فهي قامت على أس راكز فيها هو المحاصصة الطائفية والقومية، اختار له الامريكان رعاة تلك العملية تسمية المكونات، مع دستور توصلت احدى اللجان السابقة التي شكلت لتعديله الى المطالبة بتعديل 42 مادة دستورية فيه، ولم يكتب لعمل هذه اللجنة النجاح لتغير البرلمان والحكومة بعد العام 2014، رغم بقاء نفس المبدأ السابق وهو المحاصصة.. مع نظام انتخابي مشوه لا يسمح الا بصعود الفاشلين الى سدة البرلمان، والى قمة الهرم الحكومي.

المهم عملت قائمة الوزراء المقترحة على التخفيف من الضغط الشعبي، وهو ما ارادته الكتل السياسية المتنفذة في الحكومة، فهي سمحت لها بالتقاط انفاسها، ورفعت الضغط عن رئيس الوزراء حين القى الكرة في ملعب النواب، الذين كانت لهم مواقف مزدوجة امام المظاهرات.. فهم امام الاعلام معها ومع الاصلاح والتغيير، وهم خلف تلك الوسائل في الغرف المغلقة ضدها، لانها ستأكل الكثير من مراكزهم وهوامشهم.

وهذا يجرنا الى معضلة اخرى، واقصد به النظام البرلماني الفريد من نوعه في العالم، فليس هناك من نظام يشبهه، لغياب بند رئيسي وهو بند الولاء للعراق، وتعدد ولاءات تلك الكتل في هذا البرلمان على اساس طائفي.

فالحكومات البرلمانية في جميع التجارب العالمية، اما ان تكون حكومة الحزب الفائز في الانتخابات هي التي تشكل الحكومة وبقية الاحزاب تكون في خانة المعارضة تراقب وتحاسب تلك الحكومة، او حكومة ائتلاف الاكثرية حيث تتحد بعض الكيانات السياسية الفائزة لتشكل تحالفا يمتلك اغلبية في البرلمان وتبقى بقية الاحزاب والكتل الاخرى في صفوف المعارضة او النمط الثالث وهو الحكومة الائتلافية الشاملة وهو النموذج الذي سارت عليه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005 ولحد الان.

ولا اعتراض على هذا الشكل الاخير من الحكومة اذا تحقق البند الرئيسي في عملها وهو بند الولاء للعراق، وتشريع القوانين التي تخدمه ومواطنيه، وتقديم الخدمات لهم.. فهي ستكون في الموقعين البرلمان والحكومة، أي جهتي التشريع والتنفيذ.

ماذا عن الظرف المختوم؟، انها لحظة الحقيقة.. مواجهة الجزء التنفيذي من الحكومة ومواجهة الجمهور الذي رفع خيام اعتصامه وابقى على التظاهرات، لكنها تظاهرات فقدت زخمها الذي شكل رافعا لها طيلة الشهور السابقة.

الردود على القائمة اخذت تظهر ما أخفته الكتل السياسية في الغرف المظلمة، فالاكراد يصرون على النسبة القومية في التوزير، والسنة رأوا في القائمة مزيدا من التهميش الطائفي، والشيعة لم يتوحدوا خلف رئيس للوزراء لحسابات قيادة الجمهور الشيعي والتحدث باسمه.

وهم لم يكتفوا بذلك، بل سلطوا عليه سيف سحب الثقة اذا فشل هذا الاصلاح المزعوم الذي تصدى له من خلال قائمته المختومة. ورئيس الوزراء استبق مثل هذا التهديد، حين خيّر الكتل السياسية والبرلمان بين رفض وقبول كابينته الجديدة.

العملية السياسية العراقية وما رافقها هي التي تحتاج الى عملية اصلاح شاقة وطويلة، ولا يتحقق ذلك الا بتغيير العقلية السياسية العراقية التي تفكر وتخطط وتدير وتنفذ، وهذا يحتاج الى سنوات طويلة لا يكفي فيها تغيير وزراء تكنوقراط وغيرهم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0