ما يرويه أهالي الرمادي هذه الايام في وسائل الاعلام، من الفرار بأرواحهم من عناصر داعش، وكيف أنهم يختبئون في بيوتهم حتى لا يجدونهم ويجعلونهم دروعاً بشرية لصد تقدم القوات العراقية، أعادني بالذاكرة الى مشاهد مماثلة لكن ليس لنساء وأطفال ومدنيين، إنما لأفراد الجيش العراقي خلال الحرب العراقية – الايرانية، عندما كانت القوات الايرانية تقوم بتمشيط مناطق القتال صبيحة يوم الهجوم البري، وتظهر الكاميرا جنود عراقيين يخرجون الواحد تلو الآخر من الخنادق، وعندما يسألون عن سبب عدم انسحابهم مع الاخرين، يجيبون بأن الحياة في ظل الأسر، أفضل بكثير من الموت بنيرانكم أو برصاص فرق الاعدام التي تنتظرنا في الخطوط الخلفية، بدعوى "معاقبة المنهزمين"!.

إن حيرة ذلك الجندي في خندقه أمام القوات الايرانية، وفي تلك الظروف العصيبة والاستثنائية، جزء من حيرة المجتمع العراقي أمام نظام صدام الذي بدأ سلسلة إجراءات غير مفهومة لعسكرة المجتمع، ففتح أبواب التطوع الى الجيش على مصراعيه برواتب مغرية، ليكون الخيار المفضّل للعامل البسيطة والكاسب على قارعة الطريق وغيرهم، ثم جاء دور الشباب ويعرض عليهم التطوّع الى "الجيش الشعبي"، ولم يكتف بذلك، بل جاء الى الاطفال التلاميذ في صفوف الابتدائية، ليعرض عليهم الانخراط في صفوف "الطلائع" و"الفتوة" لصفوف المتوسطة. كل ذلك والناس حينها لا تعرف كيف تتصرف وما هو الموقف الصحيح والمطلوب، فهي أمام نظام حكم ورث "الطفرة النفطية" أواسط السبعينات من القرن الماضي، وكل شيء – من حيث الظاهر- على خير ما يُرام. نفس الشعور اعترا العراقيين من سكان المحافظات السنية عندما استضافت التنظيمات المسلحة بمختلف مسمياتها وتوجهاتها، سواءً ذات التنظيم البعثي – المخابراتي داخلياً، أو ذات التنظيم الايديولوجي – التكفيري خارجياً، فقد كانوا ينظرون الى هؤلاء الذين نعدهم جميعاً؛ إرهابيون ودمويون، بمنظار واحد كسفن نجاة وخلاص مما يعتقدونه مخاطر ناجمة من النظام السياسي الجديد. لكن على حين غرّة، فوجئوا بسلسلة من الاغتيالات والتصفيات بتهمة "التعاون مع الحكومة" أو "التخاذل"، الى جانب منظومة من السلوك والثقافة لم يعهدوها، حيث ليس فقط تمت مصادرة كلمة رئيس العشيرة ومكانته وهيبته، وايضاً املاكه واراضيه لخدمة تلك التنظيمات، بل حتى وصل الامر الى اختراق نظامهم الاجتماعي وتقديم الفتيات العراقيات الى رجال قادمون من وراء الحدود، على أنهم "مجاهدون جاؤوا للدفاع عن كرامتكم وعرضكم...."!.

قراءة التاريخ ضرورة حضارية

لا يماري أحد في كون العبرة مفهوماً انسانياً يضمن السلامة والنجاح في الحياة، فهو محبب الى النفوس وملاصق للفطرة، بيد أن المشكلة تبدأ نفسية في تمرّد البعض على هذه الفطرة السليمة، ويحاول المكابرة وخوض التجربة بنفسه ليكون له قصب السبق او يكون أول الناجحين وفوق الجميع و... والحقيقة؛ هذا بحد ذاته يعد ظلماً عظيماً يرتكبه الانسان بحق نفسه، لانه يتجاهل أعظم نعمة وقدرة لديه، وهي "العقل" موهبة الله – تعالى – الى الانسان، يتصرف بها كيف يشاء.

أما الشعوب التي نشهد اليوم تقدمها العلمي والتقني، فانها اهتمت بالدرجة الاولى بالتجارب والعبر، وما الاكتشافات العلمية الباهرة في الغرب خلال القرون الماضية، إلا مثالاً بسيطاً على ما نذهب اليه، فالعلماء في الطب والهندسة والجيولوجيا والاحياء وغيرها، لم يتوصلوا الى مكتشفاتهم إلا عندما بدأوا من حيث انتهى قبلهم من العلماء في مسيرة التجارب والاختبارات. ولعل المقولة الشائعة في بعض أدبياتنا بأن "العرب لا يقرأون التاريخ" لها بعض المصداقية في ظل التداعيات التي تشهدها بلادنا على اكثر من صعيد.

والقضية اليوم؛ أننا ابتعدنا عن فائدة قراءة التاريخ بتجاربه بغية الحصول على عناصر التقدم والتطور، لنتشبث اليوم بالعِبر والدروس بغية الحصول على منجيات الحياة و استحصال العيش في ظروف آمنة مع تلبية بعض الاحتياجات الاساسية من قبيل الماء والكهرباء والمرتب الشهري المجزي و....! مع ذلك، لا نجد السبيل الى هذه العبر والدروس.

تدوين العِبر ونشرها مسؤولية من؟

اعتقد أننا صنعنا صورة ذهنية كبيرة جداً مبالغ فيها عن اهتمام العالم الغربي بالعلوم الطبيعية مثل الهندسة والطب والاحياء وغيرها، وربما يكون السبب في ملء العالم الثالث، وتحديداً بعض البلاد المتخلفة، بمظاهر التقدم التقني في مجالات عدّة، بيد أن الذي غاب عن الاذهان، اهتمام الغرب بالعلوم الانسانية، وفي مقدمتها التاريخ، فاذا كان الواحد منّا يحفظ اسم "اديسون" لانه اكتشف لنا المصباح، او "نيوتن" الذي اكتشف قانون الجاذبية، و"باستور" الذي اكتشف دور الجراثيم والبكتريا في حياتنا، فان الكثير منّا يجهل اسماء مثل "وليام ديورانت" صاحب كتاب "قصة الحضارة"، او "ارنولد توينبي" صاحب نظرية "التحدي والاستجابة"، و"فلهاوزن" صاحب "تاريخ الدولة العربية" وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الذين كتبوا في تاريخ الحضارة، كما كتبوا في التاريخ الاسلامي وعلاقة الحكام بالشعوب في البلاد الاسلامية، واستخلصوا الدروس والعبر والتجارب، وتوصلوا الى استنتاجات عديدة، كانت جزءاً من التخطيط على طاولة قادة الاستعمار الذين ابحروا صوب العالم الاسلامي وسيطروا ثم عملوا بالطريقة التي حققت لهم الفوائد الجمّة وما تزال هذه الفوائد والمكاسب مستمرة.

وأولئك كتاب من بلاد الغرب، كتبوا وبحثوا في تاريخنا، ففهموا طبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت وراء صنع الاحداث، وهذه مهمة أخالها غير صعبة ومستحيلة على الشريحة المثقفة لدينا، ممن يعرفون بغزارة العطاء وعمق التفكير، فهل هنالك كتابات وبحوث موضوعية موثقة عن العوامل المؤدية لكل هذه التداعيات التي يشهدها العراق منذ حوالي اربعين عاماً؟ قطعاً؛ هنالك عوامل اجتماعية ونفسية الى جانب العوامل السياسية ينبغي درسها بتجرّد وموضوعية متناهية لتكون ضمن المنظومة الثقافية للشعب العراقي ليختار الطريق الصحيح بنفسه بعيداً عن المصالح الشخصية والفئوية التي وقفت خلف معظم الكوارث التي حلّت بهذا الشعب. فاذا كان هذه المصالح في السابق متجسدة في شخص الحاكم (صدام) فانها اليوم تتجسد في أطراف أقليمية ودولية الى جانب اشخاص وجماعات ضمن هذه الاطراف. ففي العهد الماضي، تم تفضيل الحاكم وقوته ومكانته على كرامة الانسان ووحدة المجتمع والانتماء والهوية، فاذا كان هنالك صمت إزاء تهجير شريحة من المجتمع وتجريدهم من الجنسية العراقية ومصادرة أموالهم وقتل ابنائهم، فمن المؤكد ان يكون هنالك صمت وطاعة إزاء قرار خطير مثل خوض الحرب على مدى ثمان سنوات، وهكذا حصل مع المجتمع السنّي الذي فضّل المتبقين من النظام السابق والمتحالفين معهم من الجماعات الارهابية مع "صبغة دينية" تلون الراية التي يرفعونها في حربهم الجديدة، بعد اضمحلال الصبغة القومية.

هذه العِبرة وغيرها يفترض ان تكون ضمن التراث السياسي والاجتماعي في طيات الكتب، تُقرأ ويتعلم منها الاجيال، لا أن تتكرر في حياة الناس، فيشهد ظهور "رجل قوي" وسقوطه، ثم ظهور رجل آخر مشابه وسقوطه ايضاً وهكذا....! فيما هو يواصل دفع الثمن بدماء ابنائه وبأمنه وثرواته وقدراته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6