استطاع العراق امتصاص زخم الانتكاسة الكبيرة التي تعرض لها بعد التاسع من حزيران عام 2014، وإعادة ترتيب أوراقه الأمنية والسياسية بشكل إيجابي، على الرغم من الارتدادات السلبية التي يتعرض لها غالبا من محيطة الإقليمي والعالمي.

وعلى سبيل المثال... ما زالت الازمة السورية أحد اهم المشاكل التي يعاني منها صاحب القرار السياسي في الحكومة العراقية، نتيجة لترابط الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية مع عدد كبير من اللاعبين الإقليميين والدوليين، في وقت تتقاطع فيه مصالحهم عندما يتم طرح أي حل سياسي لإنهاء هذه الازمة، وبالتالي يبقى تهديد التنظيمات المتطرفة، وبالأخص تنظيم داعش، تجاه سيادة العراق ووحدة أراضيه وتحقيق الامن والاستقرار، مستمرا ما دام هناك ملاذ امن يمكن ان يستوعب الإرهابيين في سوريا جارة العراق.

أضف على ذلك، الصراع المحموم بين الأطراف الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الاوسط لإثبات الهيمنة وتنفيذ الاجندة الخاصة به، بغض النظر عن حجم الخطر المحيط بهذه المنطقة، بعد تمدد هذه التنظيمات الإرهابية الى خارج حدود الازمة في سوريا والعراق، سيما بعد ان تركت هذه الأطراف الإقليمية والدولية المهمة "أصل" الازمة لتختلف على "الجزئيات" والتي كانت السبب في افشال اغلب المباحثات والمفاوضات الاممية التي عقدت سابقا.

كما ان هذا الصراع المحموم انسحب على بعض الدول لتكشف "أوراق اللعب" بصورة واضحة بعيدا عن كواليس السياسية الخفية... والا كيف يتم تفسير اسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا على مقربة من الأراضي السورية؟، وكيف يتم تفسير دخول القوات التركية بعدة وعدد كبيرين، ومن دون موافقة او تنسيق مسبق مع الحكومة العراقية، الى شمال العراق والتمركز قرب محافظة الموصل؟، وكيف يتم تفسير استقبال السعودية لعشرات المسلحين من (المعارضة السورية) بما فيهم أعضاء في تنظيمات إرهابية للتنسيق حول رؤية واحدة بشأن مستقبل سوريا؟.

ربما تطول قائمة الاستفسارات والاسئلة لكن يمكن الإجابة عنها بان من يمارسون اللعب في سوريا لم يعودوا بحاجة الى استخدام "الكناية" وانما "الواقع" وبصراحة ربما لم تشهدها الصراعات السابقة في المنطقة، وهو تطور مهم في أسلوب الصراعات ربما يحتاج الى أكثر من دراسة لمعرفة أسبابه.

بالعودة الى العراق، الذي قدم خلال الأشهر الماضية عروض عسكرية وامنية مميزة في ساحات القتال ضد تنظيم داعش، وحاول قدر الإمكان الابتعاد عن ربط القضية العراقية بالأزمة السورية رغم المشاكل انفة الذكر، وقد استطاع فعلا تحرير مناطق مهمة وتامين مناطق أخرى، إضافة الى احكام الطوق الأمني وتعزيز الحماية بالنسبة للعاصمة بغداد.

كما ان محاصرة مركز محافظة الانبار وتحرير احياء رئيسية فيها، مثل منطقة التأميم، يشير الى ان مسألة تحرير محافظة الانبار أصبحت على مقربة من مرمى حجر، ما يعني المقدمة الرئيسية لتعزيز ثقة الجيش العراقي بقدراته الهجومية، إضافة الى الوصول الى النقطة الأخيرة في طرد المتشددين من العراق من خلال التوجه نحو محافظة الموصل المعقل الرئيسي لهم في العراق.

وحتى يتم المحافظة على تحقيق الانتصارات العسكرية الرئيسية، والابتعاد عن الدخول في صراعات جانبية، كما فعل اللاعبين الكبار في الشأن السوري، ينبغي على الحكومة العراقية التركيز على الأهداف الرئيسية، وعدم الانجرار الى مزالق الازمة السورية وتداعياتها الجانبية، وهي مسألة في غاية الأهمية، على الأقل في الوقت الراهن، حتى لا يخسر البلد ما كسبه طوال أكثر من عام من القتال والاشتباك المباشر مع العدو في ساحات المعركة.

كما ان توحيد الصفوف السياسية والعسكرية داخل العراق، مطلب رئيسي اخر، مهم وحيوي لمواصلة طريق النجاح، فالأزمات السياسية والعسكرية التي تفرق الأطراف المحلية والخارجية التي تقاتل تنظيم داعش الى جانب العراق، لا تقدم سوى المتاعب للعراق وهي تصب في مصلحة العدو في الجهة المقابلة، وقد تتحمل وزارة الدفاع ووزارة الخارجية في العراق اكبر الأعباء في هذه المعركة المصيرية من اجل الموازنة بين المصالح العسكرية والسياسية وعدم ضياع أي جهد او صوت يمكن ان يحتاج اليه البلد في هذه المرحلة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0