المتابع للثقافة الحسينية بدقة، سوف يلاحظ سعي ومحاولات القائمين عليها لمواكبة مستجدات العصر، ويمكن ملاحظة ذلك في العديد من المؤلَّفات التي تتصدى للمبادئ الحسينية، فضلا عن أداء الشعائر والطقوس الاخرى، ومثالنا على سبيل المثال (الرادود الحسيني المجدد باسم الكربلائي)، الذي أبدع في إدخال ألحان جديدة على القصيدة الملقاة في مواكب العزاء الحسيني، بالاضافة الى التطور الحاصل في تقديم المحاضرات عبر خطباء متميزين، لهم شخصية مؤثرة، ولديهم معلومات موسوعية يقتنع بها المستمع.

إن التأثير الثقافي وقدرته على تغيير الشخصية من السلب الى الإيجاب، ليس محط نقاش احد، فهو أمر بديهي، فقد بدأ الانسان حياته متوحشا، مشردا، حاله حال الكائنات الاخرى، التي كانت تتصارع حد الموت، من اجل لقمة العيش، من دون أن تنظم ذلك الصراع، والتنافس، تعاليم دينية، او قيم، او اعراف، او اخلاق، او قوانين وضعية، لأن الانسان كان جاهلا، الى الحد الذي جعله يعيش في المغاور، والكهوف، والغابات، حاله حال الحيوانات والكائنات الاخرى، بعدها بدأ الثقافة تهذب النفوس والعقول وتضاعف من مستوى الرشاد.

واشتركت في هذا الأمر أفكار التنوير، والتجديد وخلق التحولات الكبيرة، ثم بدأت مراحل التشذيب، والتهذيب، على يد الاديان، والافكار، والفلسفة، والمبادئ، والسنن، والاعراف، والقوانين الوضعية وغيرها، فانتظمت حياة الانسان، وصار سيدا على الكائنات الاخرى، بذكائه وسلوكه، الذي انتقل للصراع بينه وبين بني صنفه، بعد أن بدأ صراعه مع الكائنات الاخرى، واليوم بات الانسان مسؤولا عن مخلوقات الارض كلها فضلا عن مسؤوليته عن نفسه.

لتأتي حقبة ثقافية جديدة، تجدد معها الوعي الانساني بعد كبوة، ونعني بهذه الحقبة، اعلان الثورة المبدئية على الحكم الأموي، عندما أعلن الامام الحسين (ع) رفضه لتحريف الاسلام، ولم تكن هذه الثورة (الثقافية) في جوهرها، خاصة بالمسلمين فحسب، إنما هي انسانية الجوهر، ويؤكد المعنيون المنصفون، الذين لم يتنكروا للنتائج الكبرى التي تحققت على اثر انبثاق الفكر الحسيني وتصديه لكل اوجه الانحراف السياسي والثقافي الأموي، يؤكد أثر النهضة الحسينية على الثقافة الاسلامية والانسانية عموما.

ملامح الثقافة العاشورائية

الأمر الذي يستدعي تجديد البنية الثقافية للفكر الحسيني بما يوازي تطور الأفكار، فالحياة البشرية ما كانت تصل الى ما وصلت إليه، في جانبها الايجابي، لو لا التهذيب الذي طرأ رويدا، على تفكير الانسان، وثقافاته، ومن ثم سلوكه، وهكذا صارت الثقافات، هي التي تتحكم بطبيعة سلوك الفرد والجماعة، وصارت هي المعيار، الذي يُقاس به مدى التحضر، لذا نحن في حاجة دائمة لتطوير الملامح العاشورائية في الجانب الثقافي من اجل ضمان المستوى العالي للوعي لكل فرد من افراد المجتمع الاسلامي عموما.

وربما يعترض بعضهم على مثل هذه الآراء، وقد يرى بعضهم مبالغة فيها، ولكنهم في الحقيقة لم يطلعو على الفكر الحسيني كما يجب، كما أنهم لم يواكبوا موجات التجديد التي تنبث يوما بعد آخر في هذه الثقافة، ولو تحدثنا عن الفكر الحسيني، سيسأل من لم يطلع عليها، ما هي توجهاتها وحيثياتها وتفاصيلها.. وما الذي تدعو اليه هذه الثقافة؟ واخيرا ما هي ملامحها العاشورائية؟.

إن إظهار ملامح الثقافة الحسينية، وتسليط الضوء على بنيتها، والسعي الجاد لتجديدها، كل هذه الأمور تصبّ في الإجابة عن جملة التساؤلات التي وردت في أعلاه، لذلك فإن الإجابة عن الشطر الاول للسؤال، سيقودنا الى الامام الحسين (ع)، فهو مصدر الثقافة العاشورائية، كونه صاحب الوقفة، التي هدفت الى اعادة امور المسلمين، ومسيرتهم، وحياتهم، الى نصابها، بعد الانحراف الخطير، الذي تعرضت له، على أيدي حكام دنيويين، كان همهم الثراء، واللهو، والسلطان.

ونحن على معرفة تامة بأن الاسلام الحنيف، الذي بدأته الرسالة المحمدية، ظهر في مجمتع بدوي بالغ الجهل، لكنه تحرر من جهله، وتكونت بقوة الاسلام المبدئية، دولة الاسلام التي صارت في حينها اقوى الدول في العالم آنذاك، وكانت الموازنة، بين المادي الحياتي، والحقوق الاخروية، دقيقة جدا، لكن الامور في ظل السلطة الاموية، بدأت تنحرف بالاسلام، وبحياة المسلمين الى جادة اخرى، هي جادة التسلط المادي فقط، وهو ما افقدها حالة التوازن، وقادها الى الانحراف عن المسار الاسلامي المعروف.

من هنا كان حضور الثقافة الحسينية أمرا حاسما، ولعل السمة الأهم لها أنها تمتلك قدرة التجدد مع مرور الوقت، مع احتفاظها بملامحها الخاصة، وهي ملامح عاشورائية غير قابلة للنسيان او التحريف، لذلك جاءت وقفة الامام الحسين (ع)، كنتيجة لانحراف المسار الاسلامي، وصارت هذه الثورة الثقافية في جوهرها أمر بالغ الأهمية، تستوجبه الاحداث السياسية، والاجتماعية، والاخلاقية، المستجدة في حياة المسلمين، فأطلق الحسين (ع)، مبادئه لتصحيح الامور، واعادتها الى سابق عهدها، مع احتفاظها بميزة قبول التجديد والتغيير نحو الأفضل دائما.

تساؤلات متواترة

ومع ذلك لم يكف المشككون عن تساؤلاتهم، ولو أنها كانت تساؤلات في السياق الطبيعي، لما أثر ذلك على أحد، ولكن كل الأدلة تشير الى وجود إجحاف وعدم إنصاف يلحق بالبنية الثقافية للثورة الحسينية، وتنطوي على محاولات للإساءة للبنية الثقافية الحسينية، مع أنها تنطوي على جملة من الثوابت عدّها كثيرون مبادئ انسانية لا يختلف عليها اثنان.

لذلك هناك ملامح واضحة لبنية الثقافة العاشورائية، فهي تهدف أولا الى إحقاق الحق، ونبذ الظلم، ومقارعة الطغيان، ضد الحاكم الفرد المتسلط، وضد المسارات التي لا تتسق مع الصواب، ونشر ثقافة الايثار، من اجل الآخر، وهو الانسان أينما كان، فهي اذن ملامح واضحة ذات طابع انساني تسعى لتكريس وخلق بنية ثقافية حسينية، تهدف لسعادة الانسان وتطويره.

ولعل أهم ما تتميز به البنية الثقافية للفكر الحسيني، تتمثل بجانبها التطبيقي الموازي للجانب التنظيري، ولعل من أهم ما تدعو إليه الثقافة الحسينية العاشورائية، هو وضع جميع الحيثيات، التي تتكون منها هذه الثقافة موضع التنفيذ، بمعنى أوضح، أن الانسان لا يكفي أن يقول بأنه يحب الامام الحسين (ع)، وأنه متألم على مصابه، وأنه يقدّر، ويثمّن وقفته وتضحياته، وانه يؤيد ويسير على نهجه وثقافته، بل لابد أن يكون هناك تطبيق يحمل معه بذور التجديد الدائم.

لذلك من أهم ما تتميز به البنية الثقافية للفكر الحسيني أنها، هي قضية التجديد، والتطبيق العملي للفكر الحسيني، وهذا يعني عدم الخنوع للمتسلط الظالم، وعدم السكوت على الظلم، ومقارعة الانحراف، وفي الوقت نفسه، العمل على نشر الفضيلة، والتسامح، واشاعة حب الخير للغير، وتفضيل الآخر قبل النفس، والتكافل في الملمات، والتشارك في صنع الحياة عموما، في ظل العدل، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وقبول الرأي الآخر، والتنوع، والتعايش، وما الى ذلك من قيم انسانية تواكب ما يستجد في عالم الانسان اليوم.

هذه هي ملامح البنية الثقافية للفكر الحسيني، وهي عبارة عن القيم والطروحات التي أفرزتها وقفة الامام الحسين (ع) العملاقة، ضد الطغيان، ولابد لنا ونحن نؤمن بها، أن نعمل بها أيضا، بما يجعل منها منهج حياة، قائم على الترابط بين ثقافة عاشوراء وسلوك الانسان، لاسيما أولئك الذين يعلنون ولاءهم للامام الحسين (ع)، فهؤلاء تقع عليهم مسؤولية مضاعفة لتجديد البنية الثقافية للفكر الحسيني، وإثبات تميزه، من خلال الربط الحتمي بين النظري والتطبيقي في هذا الفكر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0