يتصور بعض الساسة – إن لم نقل كلهم- أنهم بمجرد وصولهم الى منصب رفيع في الدولة، كأن يكون نائباً في البرلمان او وزيراً او زعيماً للبلاد، فانه قد بلغ مرحلة من النضج العقلي والتكاملية الذهنية، مما يخوله الهيمنة على العقول المشاعر، تضاف الى هيمنته على الابدان والمصائر. بدعوى أن الوصول الى المناصب السياسية في بلادنا ليس بالأمر الهيّن، إنما يتطلب الكثير من الدهاء والفطنة والكياسة، بغض النظر علن المعايير الاخلاقية او الدينية او حتى الانسانية!

وعلى الرغم من أن هذا العمل –بالأساس- يعد عملاً لا أخلاقياً، ينافي النبل والشرف والانسانية، بيد أنه ينجح في معظم بلادنا الاسلامية، ليس اليوم، وإنما القضية تعود الى عقود طويلة من الزمن، جرّب فيها حكام ضمن انظمة سياسية مختلفة، فجاءت النتيجة واحدة، عندما يكون الامر في تقييم العلاقة بين القائد والجماهير، وهي أن العقل الجماهيري وذوقه واختياره، مرهون بميول الحاكم، فكيف يكون ذلك؟

الشعوب التي تعيش الضغوطات الاقتصادية والسياسية، تجد في البديل القادم دائماً، صورة المنقذ الذي يخلصها من واقعها المرير. لذا فهي تمنح هذا الوزير وذاك النائب وذلك الرئيس، ثقتها وأن يكون هو من يمثلها ويمثل طموحاتها، وعليه فانها تذهب الى حال سبيلها، وتواصل حياتها العادية، بين البحث عن لقمة العيش او طلب العلم، وبين البيت وتوفير مستلزمات الاسرة وهكذا دورة الحياة التي نلاحظ أن معظم الساسة يسعون دائماً الى تكريس هذه الثقافة "الأفيونية" في النفوس، وبث روح الاطئمنان بأن "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"، فكل شيء سيكون كما يريد الناس، ولا داعي للقلق!

ولاشك أن هنالك أمورا هامة وأخرى مقدسة لدى الناس منها ما يتعلق بمعاش الناس واحتياجاتهم العامة، مثل التعليم والصحة والامن وسائر انواع الخدمات العامة. ومنها ما يتعلق بالجانب الوجداني، مثل قضايا الارض والسيادة والوطن والدين. ولكل مكانته في النفوس، تمثل أوتار حساسة تهزّ كيان الانسان.

ولطالما تحدث بعض الحكام عن "الوطن" وضرورة الدفاع عنه حتى الموت، أمام محاولات استلاب الارض وانتهاك السيادة و... غيرها كثير من الشعارات التعبوية، ومثالنا الأقرب؛ "العراق" الذي امتلأ بهذه الشعارات خلال سني الثمانيات، التي زجّت بالآلاف من الشباب العراقي الى محرقة الحرب العراقية – الايرانية، وكانت النتيجة أن تنتهي الحرب بـ "لا غالب ولا مغلوب"، ثم يجلس الجانبان في مفاوضات برعاية الأمم المتحدة لإعادة ترتيب أوراق العلاقات الثنائية وإزالة ما خلفته الحرب من أجساد وحطام.

وما يتعلق بالجانب الوجداني، فهناك الكثير من الأمثلة، نفضل الاستشهاد بمثل واحد، والقارئ الحصيف بإمكانه إسقاط النموذج الى مصاديق عديدة في هذا البلد او ذاك، فكلنا يتذكر كيف أن أحد نواب حزب النور السلفي في مصر، نهض من مقعده وسط البرلمان المصري ورفع صوته بالأذان، بدعوى أن الوقت حان لأداء فريضة الصلاة!

وبإزاء هذا التصرف وأمثاله، ليس بوسع أحد الاعتراض او المنع، كما هو حال من يطالب بالدفاع عن الوطن وغيرها من المدعيات ذات الحساسية في النفوس، وربما يكون مصير المعترض او المشكك، هو السجن ثم التعذيب والموت، وهذا ما حصل فعلاً في العراق في عهد الطاغية البائد، كما حصل في أماكن اخرى.

وفي العراق الديمقراطي، تتواصل عملية الاستخفاف بشكل عجيب ومثير عبر وسائل الاعلام، والوسيلة هذه المرة هي الضرب على وتر المال الذي يعد الأشد حساسية في العراق، بسبب شدة النزف الذي يعاني بسببه العراق والعراقيون. فمن اجل تصفية بعض الحسابات مع جهة سياسية، نلاحظ البعض يثير مسألة الامتيازات المالية التي يحصل عليها اقليم كردستان، ولما لم تجد هذه الاثارة آذاناً صاغية لا من الشعب ولا من المسؤولين، ولن تؤثر بشيء، جاء استخدام ألفاظ مثيرة لمن يواكب هذه الامتيازات ووصفه بـ "الانبطاحي"...! وهو مصطلح يثير مشاعر الرجولة في العراق، ويجعلها على المحك، فهو مرادف للخنوع والذل والاستسلام.

ان وقع هكذا مصطلح في النفوس، يسبق التفكير بخلفيات هذا الموضوع، ومن كان حول طاولة واحدة عندما تم تقسيم الكعكة العراقية منذ البداية؟ وهل كان أحدٌ غائباً؟!

كذلك؛ نجد هكذا محاولات تجري على قدم وساق، بل نلاحظ التسابق في هذا الشأن بين السياسيين من هذه الكتلة النيابية او تلك، وبين هذه الشخصية او تلك، وهذا بحد ذاته أمر يدعو للتوقف مليّاً حول حقيقة الاهداف التي يرمي اليها هؤلاء الساسة من وراء وجودهم في السلطة، عندما يكون همهم الحديث عن الموازنة، عندما تتأخر وتتجه اليها عيون العراقيين، او الحديث عن مفردات البطاقة التموينية، والحلول المقترحة، عندما تتراجع وتشتد حاجة الناس اليها.

ان الصبر والتجلّد الذي تتصف به عديد شعوبنا الاسلامية، مثل الشعب العراقي والشعب البحريني والشعب اليمني والشعب المصري، لن يكون دون حدود، فالشعوب اذا كانت تحمل المشاعر والاحاسيس فانها تمتلك ايضاً الذكاء من منطلق الفطرة الانسانية، حيث لم يخلق الانسان غبياً بليداً، وهذا ما يشير اليه سماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في كتابه "السبيل الى إنهاض المسلمين". فالناس "أذكياء، فاذا أحسن اليهم الحاكم أيام شدته، لا يطيعون أمره في قبال إحسانه، فهم يعلمون أن إحسانه لهم عبارة شراء لرضاهم، وإنما يتفانون للحاكم اذا رأوا منه الاحسان أيام شدته وأيام الرخاء على حد سواء".

ويؤكد الحقيقة التاريخية بسقوط كل من توسّل بالاستخفاف بالعقول والمشاعر، وانهيار حكمه دون أن ينصره أحد، والامثلة كثيرة أمامنا اضافة الى ما يورده الامام الراحل نفسه. وهو بالحقيقة تحذير شديد، او لتكن دعوة الى من يهمه الأمر بأن الاسترسال بالاستخفاف وعدم احترام مشاعر الناس له عواقب وخيمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2