لمن يصل الى مدينة سامراء، ويتوجه لزيارة الإمام الهادي، وابنه الامام العسكري، عليهما السلام، يعتريه شعور متضارب بين الفخر والاعتزاز بهذين الإمامين، وحجم الزائرين من كل انحاء العالم، وحال هذه المدينة التي تحتضن المرقدين الشريفين.

الطريق الى المرقدين الشريفين عبارة عن شارع واحد تحيط به أسوار كونكريتية تفصلهما عن سائر شوارع وطرقات المدينة القديمة لدواعي أمنية وفق تقييمات المعنيين منذ حادثة الاعتداء الآثم على الروضة العسكرية ونسف القبة والمأذنتين عام 2006.

وفي ذكرى استشهاد الامام الهادي، عليه السلام، يتوجه المؤمنون الى هذه المدينة لإحياء ذكراه الأليمة وزيارته طلباً للقربة الى الله –تعالى- لقضاء حوائجهم، واستلهام الدروس والعبر من سيرة حياته الشريفة، كما يفعلون في زيارتهم لسائر مراقد الأئمة الاطهار والأولياء الصالحين.

فهل نعِد نحن الامام الهادي، وهو خليفة رسول الله في الأمة، إماماً للشيعة فقط، أم للمسلمين كافة؟ وبينا نبحث عن الاجابة، علينا التفكير ايضاً بالآلية والطرق الموصلة الى إمامة أهل البيت، عليهم السلام، للأمة جمعاء، في وقت يعاني المسلمون، ومنهم ابناء الشعب العراقي أزمة مريرة وخانقة في القيادة الحكيمة والصالحة، تخرجهم من الضياع والتشضّي.

الإمام الهادي بين الناس

على مسيرة جدّه المصطفى، وأبيه أمير المؤمنين، كان الامام الهادي، عليه السلام، بين الناس، فهو منهم كما هي سيرة الانبياء والمرسلين، يحاكي آلامهم، وينظر في قضاياهم وتطلعاتهم، فهو إمام لكل المسلمين المصلين باتجاه قبلة واحدة، ويقرأون الكتاب السماوي الواحد.

ومن المعروف أن الامام الهادي كان في سامراء بأمر من المتوكل العباسي الذي استدعاه بالقوة من مدينة جدّه رسول الله، وهي بدعة المأمون باستدعائه الامام الرضا من قبل، في محاولة لتسكين مخاوفهم الداخلية، وتصوراتهم الواهية بأن الأئمة المعصومون يفكرون بالانقلاب العسكري عليهم كما يفعل الآخرون، بمعنى أنه، عليه السلام، لم يكن بين محبيه ومواليه –على الأغلب- مع ذلك "كان يتمتع بشخصية قوية ومؤثرة، ويتميز بهيبة عالية جعلته شديد التأثير على الناس، ومما يروى تاريخياً أن البعض من غير المحبين اتفقوا على أن يترجلوا من خيولهم لدى وصول الامام الى مجلس المتوكل، وبينا كان الناس بين طالبي وعباسي واقفون، واذا بالامام الهادي يطلّ عليهم فهرع الجميع من حيث لا يشعرون وقد ترجلوا من خيولهم صاغرين، فسألوهم عن هذا التحول السريع، قالوا: والله ما ملكنا انفسنا حتى ترجلنا".

وفي نفس الكتاب يشير المؤلف الشيخ اليوسف الى قوة جاذبية الامام الهادي وتأثيره العميق في نفوس الناس بمدينة سامراء، لاسيما من هم لا غير مذهب أهل البيت، عليهم السلام، مثل ابو عبد الله الجنيدي، الذي شديد البعض والعداوة للامام الهادي، لكنه عندما تعرف عليه، وجالسه وتأثر بأخلاقه وسيرته تحوّل من معادٍ لأهل البيت، وللإمام الهادي، الى مبلغ لإمامته وعارفاً بحقه وفضله.

العطاء متواصل في سامراء

قُدر لهذه المدينة أن لا تسكنها الغالبية الشيعية، ولكن؛ لم يكن الشيعة بعيدون عنها طيلة العهود والقرون الماضية، وحتى تاريخنا المعاصر، من خلال الزيارة المستمرة بين فترة وأخرى، او لإحياء المناسبات المتعلقة بالإمامين العسكريين، من اجل توثيق العلاقات الاجتماعية، ثم إضفاء البعد الحضاري والثقافي لأهل البيت، عليهم السلام، في حياة الأمة، والأمر الأهم؛ لإحياء تلك الجهود المباركة للإمام الهادي، الذي نعيش هذه الايام ذكرى استشهاده، في رعاية شؤون الأمة، والعمل على نشر رسالة الإسلام وتكريس الثقافة الاسلامية المستقاة من القرآن الكريم، ومن سنّة النبي الأكرم.

ومن أبرز من تصدّى لهذه المسؤولية الحضارية؛ أسرة آل الشيرازي، يتقدمهم المرجع الديني الأعلى في زمانه؛ السيد محمد حسن الشيرازي صاحب المبادرة التاريخية الفريدة بنقل محل إقامته كمرجع دين أعلى من النجف الأشرف الى سامراء في عام 1290هـ، والتحق به كبار العلماء والفقهاء مع عوائلهم للسكنى في هذه المدينة المقدسة.

المصادر التاريخية تشير الى مبادرات إعمار رائعة قام بها الميرزا الشيرازي لخدمة مدينة سامراء، فهو لم يعكف على تشييد الحوزة العلمية وما يتعلق به وبالشيعة وحسب، وإنما شمل برعايته أوضاع المدينة وأهلها، فقد تحولت في تلك الايام من قرية نائية ومهمّشة في العهد العثماني، الى مدينة مزدهرة، وحاضرة علمية مرموقة، فعمل زعيم الحوزة العلمية على إنشاء الأسواق والمدارس، فتحولت المدينة الى مركز تجاري يؤمه رجال الأعمال للبناء والاستثمار في هذه المدينة.

ومن أبرز المشاريع الرائدة لزعيم الحوزة العلمية في هذه المدينة المقدسة، إنشائه جسراً على نهر دجلة لينقذ الناس من معاناة التنقل بين ضفتي المدينة حيث كانت الوسيلة الوحيدة آنذاك ما يُسمى "الكُفة"، تنقل الناس مع امتعتهم ومواشيهم، "وبلغت تكلفة إنشاء هذا الجسر حوالي ألف ليرة عثمانية ذهب"، (أسرة المجدد الشيرازي- نور الدين الشيرازي).

إن التميّز لأي مدينة في العالم، علمياً، او ثقافياً، او تجارياً لا يتحقق إلا بتفاعل من أهلها، فهم الذين يجدون في هذا التميّز عنواناً لهويتهم وتاريخهم، وقدسية مدينة سامراء تتعلق بجميع المسلمين في العالم، فضلاً عن العراقيين والساكنين في هذه المدينة، فهي لا ينقصها شيء من أن تكون مجمعاً لاستقطابات عدّة؛ العلمية، والثقافية، والتجارية كما هو الحال في سائر المدن المقدسة ذات الحيوية والشهرة العالمية، فعندما يجد أهل سامراء أنهم معنيون بإعادة الروح الى مدينتهم، بعد عودة الروح الى المرقدين الشريفين من خلال توافد الزائرين، فاننا سنكون أمام تطور هائل في مجال نشر الوعي والثقافة الأصيلة بإضافة إشعاع فكري وثقافي جديد تغذيه المكتبات والمعارض والحسينيات وسائر المراكز الثقافية والتنموية بما يرتقي بسمعة ومكانة أهل المدينة في العراق وفي العالم بأسره.

اضف تعليق