أدرك الحكام العباسيين أن انتصارهم في ميدان السياسة، وتسلقهم قمة الحكم لم يضمن لهم القيادة الحقيقية للأمة، فهم يحكمون بالحديد والنار، ويشترون الولاء بالمال، حتى غطاء الشرعية الذي تلفعوا به، بات مليئاً بالثغرات المفضوحة بفعل الاحاديث الموضوعة لأنصاف العلماء ووعاظ السلاطين مما سعوا لشرعنة الفسق والفجور والتلاعب بأموال المسلمين من خلال الكذب على رسول الله، صلى الله عليه وآله، فكان الحكام –كما حصل مع المنصور الدوانيقي وذاك "العالم" الذي شرّع له اللعب بالطيور على سطح داره- يناولون أكياس الدنانير والدراهم لأولئك المتزلفين مع معرفتهم بكذبهم على رسول الله من اجل المال.

هذا الوضع كان يرضيهم لتضليل الرأي العام لفترة محددة، ولكن كان يقلقهم بشدة على المدى البعيد عندما كانوا يرون المسلمين ينهلون العقيدة الحقّة، والثقافة القرآنية من منبعها، متمثلة بالأئمة المعصومين، عليهم السلام، لذا وجدوا الانتقال من الحرب على جبهة السياسة الى الحرب الى جبهة العقيدة في ظنهم النيل من قامات شامخة من العلم الإلهي والخلق الرفيع، ولو تحجيم دورهم العلمي والاجتماعي من خلال إطلاق الحرية للبدع والتشكيك واستيراد الافكار والعقائد من خارج الكيان الاسلامي، لغايات عدّة أهمها؛ إبعاد الناس عن مسؤولية التغيير الاجتماعي والسياسي، وإفراغ الدين من محتواه و روحه، ليكون مجرد طقوس ومظاهر، ومن الأئمة الاطهار الذين وقفوا بحزم وقوة في هذا الميدان؛ الامام علي بن محمد الهادي، عليه السلام، الذي تمر هذه الأيام ذكرى مولده المبارك -على رواية- ففي فترة إمامته الطويلة التي استمرت اربعاً وثلاثين سنة، ركّز، عليه السلام، جهده على نشر الثقافة والعقيدة التي خلّفها رسول الله للأمة.

إنقاذ الناس من فتنة "التمذّهب"

حتى صعود المأمون العباسي الى قمة الحكم لم يكن المسلمون يعرفون شيئاً عن المذهبية او الطائفية بشكل رسمي خارج إطار الدين، ونظامه الفكري وأحكامه وشرائعه، إلا بعض الافكار من اشخاص معدودين ظهروا في خضم المواجهة بين أمير المؤمنين، ومعاوية، فظهر التشكيك، كما ظهرت القدرية في عهد معاوية، والقول أن الانسان هو الذي يصنع قدره بحريته وإرادته، وليست ثمة إرادة إلهية، وقد تركت هذه التوجهات أثرها في أفراد الامة فانتشرت فكرة "الاشاعرة"، وفكرة "الاعتزال"، وصار لكل مذهب جماعة ومؤيدين.

بيد أن المأمون العباسي قرّب رموز الاعتزال الى البلاط بعد ان وجد في فكرهم ما يخدم شرعيته السياسية، فتبنى الاعتزال مذهباً رسمياً للدولة، وحذا حذوه المعتصم والواثق، ومن أبرز معالم هذا الفكر ما يُسمى بـ "التعقّل" وهو الاحتكام الى العقل دون النقل (الأحاديث والروايات) في الايمان بالله وبالآخرة وبكل الاحكام وما جاء به النبي الاكرم من عند الله، وما لا يتطابق مع عقل فهو غير ملزم عقدياً بالنسبة اليهم.

وقد فصلنا الحديث حول علاقة المأمون بهذا المذهب في مقال سابق في ذكرى استشهاد الامام الجواد، عليه السلام، وكيف أن المأمون كان يعرض الناس على السيف؛ إما القبول بفكرة خلق القرآن، وأنه مخلوق كسائر المخلوقات، وليس كلام الله، وآياته التي نزلت في مناسبات عدّة، وإما الموت! فتدحرجت رؤوس المئات من المسلمين بسبب هذه الآراء العجيبة في العقيدة، مثل؛ نفي الصفات عن الله تعالى، وأنه ليس الرزاق، ولا المصور، ولا السميع، كما نفهمه ونؤمن به من خلال مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، التي تحكم الربط في العلاقة بين العبد وربه.

أما في عهد المتوكل العباسي فقد تبدل الأمر تماماً عندما اتخذ الأخير مذهب الاشاعرة وتنكّر تماماً للاعتزال، وفعل ما فعله أسلافه بالمعارضين، فقتل الكثير من العلماء المؤمنين بالاعتزال، وممن يقولون بخلق القرآن، علماً أنهم اشتركوا مع المعتزلة في اعتماد العقل دون النقل، ونفي الصفات عن الله عزّوجل، واستثنوا منها؛ الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، كما انهم حصروا الايمان على أنه فعل قلبي فقط، ولا يستوجب الايمان النطق بالشهادتين او القيام بأي عمل صالح.

هذه الآراء الغريبة على العقيدة الحقّة أحدثت شرخاً بين المسلمين وشوشت على الاذهان، ودفعت المسلمين نحو نفق مظلم لا يهتدون السبيل الى الفهم الصحيح للدين، لاسيما وأن الحكام العباسيين عملوا ما بوسعهم لتطويق الأئمة المعصومين وإبعاد الناس عنهم، بيد أن الامام الهادي، عليه السلام، كان بالمرصاد لمثل هذه التصورات والاعتقادات مثل؛ الجبر والتفويض، والقضاء والقدر، وإمكانية رؤية الله من عدمها، وغيرها من الآراء العقدية، علماً أنها لم تكن وليدة عهد الامام الهادي، بل كانت منذ عهد الامام الصادق، عليه السلام.

بيد أن خطورة الوضع في تسييس هذه الافكار العقدية ما من شأنه التأثير المباشر على عقائد وقناعات وثقافة الامة، فكان الانسان المسلم ربما يقتل في الجيش الاسلامي ليس دفاعاً عن الإسلام الذي جاء بها رسول الله، وضحى من أجله الأئمة والصالحون، وإنما إسلام الحكام. فجاءت خطوات الامام الهادي ضمن المسيرة الرسالية للأئمة من قبله، فتحدث بقوة عن التوحيد في معناه، وفي معرفة الله، وفي صفات الخالق وأن "الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وأنّى يوصف الذي تعجز الحواس أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدّه، والأبصار عن الاحاطة به..."، كما جاء في إحدى رسائل الامام لاصحابه.

وعمل الإمام الهادي على تكريس دعائم نظرية "الأمر بين أمرين" البديلة للجبرية والمفوّضة منذ عهد الامام الصادق، وقد جاء الامام "ليتوسع في تأصيل هذه النظرية في ضوء آيات القرآن الكريم، وما ورد عن أمير المؤمنين، عليه السلام، وما دلّ عليه العقل، ثم ربط الإمام الهادي ذلك باستطاعة الانسان وقدرته على اتباع ما أمر الله، واجتناب ما نهى عنه من دون جبر ولا تفويض، وإنما أعطى الله سبحانه وتعالى الانسان القدرة على الفعل والترك، واتباع طريق الحق او الباطل، وهو يعبر عن الامتحان والاختبار بالاستطاعة التي أعطاها الله لنا، وبحسب اختياره يُثاب او يعاقب، ينال رضا الله –عزّوجل- اذا أطاعه واتبع أوامره، او سخطه وعضبه اذا ما خالف أوامره وارتكب المحرمات، وهذا من أبرز مظاهر العدل"، (سيرة الإمام الهادي- الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف).

وللإمام أجوبة على مسائل كثيرة وردت في هذا الكتاب القيّم بالامكان مراجعته لمزيد من التعرف على العطاء العلمي الزاخر للإمام الهادي في مجال العقيدة تحديداً، الى جانب الفقه والحديث والتفسير.

جنود العقيدة

عندما يكثر المتكلمون في العقيدة الخاطئة، ويجلسون في الحواضر الاسلامية، مثل المدينة والكوفة والشام والبصرة وبغداد وهم ينشرون الافكار البعيدة عن بوصلة القرآن الكريم، وعن أهل البيت، عليهم السلام، فمن الطبيعي أن تكون للإمام الهادي جبهة عريضة ومحصنة يقف خلفها رجال ممتحنون بالايمان، والعلم، والصدق والأمانة، والإخلاص، ومما ابتكره الإمام الهادي في عهده، ليس فقط تربية طلاب علم ليكونوا فقهاء في درجة الإفتاء كلٌ حسب تخصصه كما هو في عهد الامام الصادق، عليه السلام، مثل؛ محمد بن مسلم، وهشام بن الحكم، وزرارة بن أعين، وغيرهم، وإنما تربية ثلّة من الوكلاء الخاصين ينتشروا في البلاد الاسلامية ويحملوا علوم أهل البيت، عليهم السلام، الى جماهير الأمة، وقد لفت الباحثين في سيرة الأئمة المعصومين، الريادة في هذا المجال للإمام الهادي، فقد زاد على تربية العلماء والفقهاء، تربية الوكلاء ايضاً الذين مهدوا الأرضية لظهور الوكلاء عن الامام العسكري، ومن بعده ولده الإمام الحجة المنتظر، عجل الله فرجه، في غيبته الصغرى، وكان من بين وكلاء الإمام الهادي؛ عثمان بن سعيد العمري (السمّان) الذي اصبح فيما بعد سفيراً للإمام الحجة المنتظر، الى جانب و ابنه؛ محمد، والحسين بن روح، وعلي بن محمد السمري، "وقد ساهم هؤلاء الوكلاء بأدوار ساعدت الامام الهادي على تحقيق بعض أهدافه، كنشر فكر وثقافة أهل البيت، عليهم السلام، وتقوية الوضع الاقتصادي للمؤمنين، وقضاء حوائجهم المادية، والتعريف بفقه وعقائد أهل البيت للناس جميعاً".

ولم يذكر التاريخ أحوال هذه الصفوة من الطليعة الرسالية، بيد أن تراجع العقائد المنحرفة من الساحة الاجتماعية والثقافية طيلة القرون المتمادية والى يومنا هذا، وتكريس ثقافة أهل البيت، عليهم السلام، من خلال ما وصلنا من رسائل، وأجوبة، وروايات عن المعصومين، عليهم السلام، حتى الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، وفي جميع نواحي الحياة، يدل على الجهد الكبير المبذول من الوكلاء المنتشرين في البلاد الاسلامية، الى جانب جهود تلاميذ الامام الهادي والامام العسكري ممن تحولوا الى مصادر موثوقة للحديث والرواية لمراجع الدين والحوزات العلمية.

وبذلك نعرف فضل الإمام الهادي، عليه السلام، على الامة في إبعادها عن أجواء الفتن العقدية والخلافات المصطنعة التي من شأنها إشغالها عن الهم الأكبر وهو التصدّي للمخاطر الخارجية، وايضاً البناء الداخلي، وهو ما كان يسعى اليه الحكام العباسيون.

وقد تنبه العلماء والباحثين الى أحد اسباب التقهقر والتخلف في الامة في فقدانها المعايير الصحيحة المؤدية الى صياغة الافكار والاحكام إزاء مختلف الاشياء، والنتيجة ما نراه اليوم من تشضّي في الافكار، وضبابية في الرؤية، وتنوّع في الآراء الى حدّ التعارض والتقاطع، ويبدو أن المسيحيين سقطوا في هذا المنزلق بفقدانهم القسطنطينية بعد محاصرة المسلمين لها بينما كانوا هم "داخل الأسوار مشغولين في التفكير والاختلاف في في الناسوت و اللاهوت –الناسوت الجسم المادي، واللاهوت يرمز الى جنس الملائكة،وهي كلمة الرب، ويزعم المسيحيون أن الاثنين تجسدت في السيد المسيح- وهذه الخلافات تدخل الأمة في خلافات ومتاهات فكرية لا طائل من ورائها سوى تضييع جهود الأمة، وهنا يأتي الأئمة المعصومين، عليهم السلام، كما جاء الانبياء من قبلهم لفض خلافات الناس وتوجيههم الى الطريق القويم المتمثل باتباع القرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى دستوراً للحياة"، (التاريخ الاسلامي- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

فاذا ارادت الأمة اليوم، وفي أية بقعة كانت، النهوض وإعلان حالة التحوّل الحقيقي ثم التغيير والبناء فما عليها إلا العودة الى تلك الآلية التي أعدها الإمام الهادي، وسائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام، في معالجة المشاكل الفكرية والعقدية بالعودة الى الجذور والأصول ليكون الحراك مثمراً ومضمون النتائج مع أقل التضحيات.

اضف تعليق