يطيب للبعض من المؤمنين والمحبين للإمام علي بن موسى الرضا، عليه السلام، وصفهم إياه بـ "السلطان" توسلاً بأحد أهم عوامل القوة والمنعة –لدى هذا البعض- للخروج من حالة الاستضعاف المفروضة من قبل الحكام الظلمة، وما يعيشه الموالون لأهل البيت منذ أن رحل النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، عن دار الدنيا، من اضطهاد، وتهميش، وتسقيط، ثم التصفيات الدموية المريعة طوال القرون الماضية. وهم في ذلك يستذكرون الواقعة التاريخية بتنصيب المأمون العباسي الإمام ولياً للعهد في قصة معروفة.

معايير الأفضلية للقائد

بالنسبة للمأمون العباسي فان همّه الأول والاخير التشبث بالانتساب الى رسول الله، صلى الله عليه وآله، بل هو مسعى جميع الحكام العباسيين، منذ ابو العباس السفاح الذي افتتح الملك للعباسيين على أنهم أولاد عمّ النبي، ولهم الأحقية في الحكم والخلافة على غيرهم، إلا خشيتهم الوحيدة من افتضاح هذه الأكذوبة، هم الأئمة المعصومون، عليهم السلام، منذ أول إمام واكب حكمهم؛ الإمام الصادق، ثم الأئمة من بعده، فكانوا يشكلون الحقيقة الناصعة والكاشفة للأمة عمن يكون صاحب الحق في الخلافة والحكم بعد رسول الله.

بيد أن الأئمة المعصومين لم يكن ليتوسلوا بهذه القرابة اللصيقة ليثبتوا للناس أحقيتهم على بني العباس، وإلا لسبقهم فيها أمير المؤمنين منذ البداية، ولم يدع أناس ليسوا من بني هاشم أصلاً بتولي الخلافة، بل وحتى في عهد خلافته وحكمه يتأوه ممن يتخذ المنصب سلماً للحصول على الامتيازات، والشهرة، فينبّه عثمان بن حنيف واليه على البصرة في رسالة طويلة يلومها على تلبيته دعوة أحد وجهاء البصرة على مائدة عامرة يحضرها الاغنياء والوجهاء فقط: "إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر....أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش"؟!

ولعل أحد أسباب رفض الامام الرضا عرض المأمون بولاية العهد، نسف هذا المفهوم الجاهلي الذي أحياه الأمويون بدعوى "القرشية"، والعباسيون بدعوى "الهاشمية"، بينما مدرسة أهل البيت في الحكم؛ التقوى والشخصية القيمية والمبدأية، وهو ما سعى الإمام نشره بين المسلمين، لاسيما أهالي خراسان وهو متوجه اليها مع معرفته بما يضمره المأمون.

وبعد وصول قافلة الإمام الرضا القادمة من المدينة الى خراسان، وقد كان المأمون قد طلب من واليه على المدينة مرافقة الإمام، فسأله عن أحواله فی الطریق، "ففصّل الحدیث عن درجات عبادته وذکره وتبتله، فلما قصَّ علیه ذلك أمره بأن يكتم عن الناس ذلك". (الامام الرضا قدوة وأسوة- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).

ومن الطبيعي أن تهفو قلوب المؤمنين نحو الإمام الرضا وهم يعربون عن جميل مشاعرهم وعواطفهم إزاءه، وهم يعدونه الخيمة الكبرى مع وجود ادعاءات اخرى فكرية وعقدية تدّعي الصواب، بيد أن العواطف شيء والمعرفة شيء آخر، فقد روي عن رجل جاء الإمام الرضا وقال له: "والله ما على وجه الارض أشرف منك أباً، فقال: التقوى شرفتهم وطاعة الله أحظتهم". وقال له آخر: "أنت وألله خير الناس، فقال له الإمام: لا تحلف يا هذا! خيرٌ منّي من كان أتقى لله عزّ وجلّ وأطوع له. والله ما نسخت هذه الآية: {وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ}".

المُلك ذليل عند الامام الرضا

من يشرّعون ويبررون الملك لأنفسهم، وأنهم الأحق في الحكم يسقطون في فخ الخطأ القاتل عندما ينظرون الى الحكم كهدف أسمى وقمة عظيمة تسمو على كل شيء، من خلالها تتحقق كل الاهداف والتطلعات، ولكنهم يتصاغرون أمامه دون إرادة منهم، لذا نجد طلاب الحكم يفعلون كل شيء ليحصل الواحد منهم على كرسي الوزارة، او الرئاسة، او حتى كرسي البرلمان رغم أنه منصب استشاري ونيابي مصدره الجمهور وصناديق الاقتراع، مع ذلك؛ في بلدان لا تجيد قراءة مفاهيم سياسية مثل الديمقراطية، فان كرسي النيابة عن الشعب في البرلمان يُعد حلماً وردياً –وربما سهلاً- لمن يريد الإثراء والنفوذ وتحقيق المصالح السياسية.

المأمون العباسي، وكان يعد نفسه الحاكم القاهر، والخليفة الأكفأ للخلافة على أخيه الأمين، وسائر العباسيين في بغداد، عرض على الامام الرضا ولاية العهد، وكان الجواب المعروف؛ الرفض القاطع من الإمام، وجاء في الروايات التاريخية أن الفضل بن سهل كان شاهداً على الحوار بين المأمون والامام لإقناعة بالفكرة فقال فيما بعد: "ما رأيت الملك ذليلاً مثل ذلك اليوم"!

ما السبب في ذلك؟ المأمون العباسي نفسه يفسّر جانباً من القضية بأني "جَهَدت الجُهد كله وأطمعته في الخلافة وما سواها فما أطمَعَنى في نفسه"، فحالة الإباء يجب ان تسبق النفس الى تخيّر المناصب والامتيازات، ولهذه حكمة بالغة يعلمنا إياها الإمام الرضا، بل وجميع الأئمة المعصومين، عليهم السلام، ليعطوا مصداقية عملية للحديث الشريف: "من طلب الرئاسة هلك"، فالذي يطلب الرئاسة والحكم بناءً على رغبة نفسية، او طموح قائم على نزعة الهيمنة والتسيّد، فان العقل سيكون بعيداً عن ملاحظة المخاطر في هذا الطريق المزحوم بالمتقالتين على السلطة، فكما يصل هو الى منصب معين بإزاحة المنافس له، سيأتي يوم يظهر فيه من هو أقوى ويزيحه من موقعه بما لا يتوقعه من العنف والدموية، كما حصل لوزير المأمون نفسه؛ الفضل بن سهل، عندما أحسّ منه الاول الخطر فدبّر له عملية اغتيال وتخلّص منه، بيد أن تدبير الاغتيال للإمام الرضا لم يكن باستشعاره الخطر منه على حكمه، ولو لم يدبّر له عملية الاغتيال بالسمّ لما كان يشكل الامام أي خطر عليه مهما طال الزمن، إنما الخطر يأتي من الوعي والثقافة التي كان ينشرها الإمام الرضا بين أفراد الأمة والكفيلة بأن تنتزع بساط الشرعية من تحت قدميه.

كما كاد أن يحصل هذا في صلاة العيد عندما هبّت جموع المسلمين في خراسان عندما علموا بأن الإمام الرضا سيؤمّ المصلين، فجاءت التقارير تترى على المأمون بأن هذه الصلاة لن تنتهي إلا بنهاية حكمه وانقلاب الناس عليه بسبب الحشود المليونية التي ستعلن الولاء للإمام الرضا لكل ما تراه من إشعاع الولاية والرسالة السماوية وصفات القائد الحقيقي للأمة، فكان القرار العاجل من المأمون باستدعاء الإمام وإلغاء الصلاة فوراً!

اضف تعليق