يدعو أئمة أهل البيت، عليهم السلام، منذ أيام حياتهم في القرون الماضية، وحتى اليوم، والى يوم القيامة، الى حياة الاعتدال وتحكيم العقل في ضوء الكتاب والسنة التي أوصى بهما رسول الله، صلى الله عليه وآله، وما تزال كلماتهم تضيئ لنا طريق العيش الكريم، وسبيل الرقي والتقدم في الحياة الاجتماعية والسياسية، فهم يبتهجون عندما يرون الانسان سعيداً مع زوجته وافراد أسرته، وناجحاً في مسيرته العلمية والمهنية، ومستقيماً في علاقاته الاجتماعية. وكان الامام علي بن محمد الهادي، عليه السلام، الذي نعيش هذه الايام ذكرى مولده السعيد، من الأئمة الداعين الى الحياة الطيبة، بعيداً عن التوتر والازمات والانحرافات.

و أول من دعا الى هذا المنهج السماوي، و نَبَذ التطرّف، والقسوة؛ رسول الله، صلى الله عليه وآله، ثم واصل الطريق؛ أمير المؤمنين، عليه السلام، ثم الأئمة من بعده، كلٌ حسب محيطه الاجتماعي، وحجم التقويم في سلوك وثقافة المجتمعات الاسلامية المتعاقبة، وفي عهد الامام الهادي الذي تسلّم زمام الولاية من والده الامام الجواد، سنة 220هـ، كان الامة قد بلغت درجة كبيرة من الانحراف عن المنهج الاسلامي الأصيل، بسبب ظهور مذاهب وطرق في العقيدة والتفكير ارادت صياغة منهج جديد بعيداً عما جاء به النبي الاكرم والأئمة من بعده، علماً أن بذرة هذا الانحراف كانت صغيرة في عهد الامام علي، عليه السلام، حينما ظهرت بوادر "الاعتزال"، والتهرب من المسؤولية الاجتماعية والسياسية، ثم ظهرت فيما بعد مذاهب فكرية وعقدية مثل؛ الخوارج، والغلاة، والواقفية، والصوفية، وتحت هذه المذاهب ظهرت أسماء فرق عديدة، كلها تنشد الازمات للناس، وتدعوهم للتطرف في الدين، مما يجعل حياتهم عبارة عن دوامة مشاكل وإحباط مستمر، وتشكيك بكل شيء.

ومن أبرز من تصدّى لهم الامام الهادي؛ الغلاة والمتصوفة، هؤلاء كانوا يدّعون أنهم الافضل والأنزه بين المسلمين، لذا كانوا يجمعون من حولهم الاتباع والانصار في شتى البلاد، فالغلاة يدّعون انهم الأكثر حبّاً و ولاءاً لأهل البيت، وهذا الحب يبرر لهم – حسب زعمهم- القول بتأليههم ورفعهم عن مقام العبودية لله –تعالى- ، وحسب المصادر فان هذا التوجه استفحل بشدّة في عهد الامام الهادي، بعد انحساره في عهد الامام الصادق، عليه السلام.

الغلو، الحب الكاذب

كان الغلاة يتصورون أنهم بإظهار الحب والمودّة المفرطة لأئمة أهل البيت، يكسبون ودّ الناس المحبين لأهل البيت، نظراً للمكانة الاجتماعية المرموقة لهم، ولعل تنامي هذه المكانة رغم جور الحكام وقمعهم العنيف، هو الذي دفعهم لركوب الموجة والاستفادة من هذه السمعة لغاياتهم الخاصة، فكانوا يدسّون الاحاديث وينسبونها الى الأئمة، للوصول الى غاية نهاية ذكرتها بعض المصادر لان "يدّعوا لأنفسهم النبوة بعد إدعاء الألوهية للأئمة"، فهم بدلاً من الانصات الى اقوال الأئمة، والالتزام بما يدعون اليه، كانوا يرسمون لانفسهم عقيدة وفكراً، ثم يتخذون من الأئمة –بظنهم- وسيلة لتثبيت هذا الخط في المجتمع والامة.

ولم تكن هذه الغاية بعيدة عن أهل البيت، وتحديداً الامام الهادي، فكان يسبقهم باللعن والبراءة والتأكيد على الشيعة بالابتعاد عن هؤلاء، مهما أظهروا الحب والولاء، لان مآل هذا التوجه كان الى الكفر والتخلّي عن الالتزامات الدينية والشرعية، فقد جاء عن أمير المؤمنين، عليه السلام: "بُني الكفر على أربع دعائم: الفسق، والغلو، والشك، والشبهة".

ومما يروى عن الامام الهادي في لعنه أحد أقطاب الغلو في زمانه، وهو؛ القاسم اليقطيني، بان "لعن الله القاسم اليقطيني، إن شيطاناً تراءى للقاسم فيوحي اليه زخرف القول غروراً"، وبذلك كان يبين الامام لشيعته وللأجيال المحب الحقيقي عن المحب الكاذب الذي يبغي من حبه مصالحاً خاصة بعيداً عن الدين واحكامه التي ضحى الأئمة بأرواحهم من اجلها.

إماطة اللثام عن الزهد المزيّف

عُرف عن أهل البيت، عليهم السلام، حياتهم المتوازنة بدقة متناهية، فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، ويلبسون أحسن الثياب، ويسكنون الدور الفسيحة، هذا في النهار، وفي الليل؛ فصافّوا أرجلهم و أيديهم، يبتهلون الى الله –تعالى- يبتغون علو الدرجات؛ وهكذا علموا المسلمون، وتحديداً المؤمنين من شيعتهم، ولم يرضوا لأحد الرهبانية والابتعاد عن نسق الحياة العامة، وأول من حذّر؛ رسول الله، في القصة المشهورة عندما جاءت زوجة أحد الاصحاب تشكوه هجرها ولجوئه الى الكهوف بدعوى التعبّد والتخلّي عن ملذات الحياة، فقال، صلى الله عليه وآله –مضمون الرواية- انا آكل وأشرب وأنكح، وأعيش بصورة طبيعية، مع أني نبي متصل بوحي السماء، وهذه سنتي "فمن رغب عن سنتي فليس منّي".

و رب سائل عن فلسفة زهد أمير المؤمنين، عليه السلام، وإصراره على جشوبة العيش والتخلّي عن أي نوع من الرفاهية في المأكل والملبس، والجواب نأخذه من سيرة دعاة صحبة رسول الله طيلة الخمسة والعشرين عاماً، أي ربع قرن قبل توليه –عليه السلام- مقاليد الحكم، عندما استغلوا "رصيدهم الجهادي" للإثراء على حساب آلاف الجياع والمهمشين من المسلمين في الجزيرة العربية، وفي بقاع اسلامية أخرى، ولذا نجد موقف النبي الاكرم يتكرر في شخص وصيّه أمير المؤمنين في واقعة تاريخية حيث كان، عليه السلام، في عيادة أحد اصحابه وهو؛ العلاء بن زياد الحارثي، فلما رأي سعة داره قال له: "مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الْآخِرَةِ أَحْوَجَ. فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَشْكُو إِلَيْكَ أَخِي عَاصِمَ بْنَ زِيَادٍ قَالَ وَمَا لَهُ قَالَ لَبِسَ الْعَبَاءَةَ وَتَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا قَالَ عَلَيَّ بِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ يَا عُدَيَّ نَفْسِهِ لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ أَ مَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ! أَ تَرَى اللَّهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ، قَالَ وَيْحَكَ إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ كَيْلَا يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ".

هذه هي فلسفة الزهد و مقاصدها السامية، وعلى هذا مضى الأئمة من بعده، حتى بلغ الأمر الامام الهادي، عليه السلام، فواجه ظاهرة التصوّف في المجتمع وهي تستفحل بشكل غريب، وفي كتابه: "سيرة الامام الهادي، دراسة تحليلية" للشيخ عبد الله اليوسف، ان انتشار هذا التوجه جاء "بتشجيع من الحكام الأمويين والعباسيين ثم العثمانيين"، فهذا اكثر ما ينفعهم لتكريس حكمهم وتمرير سياساتهم، بوجود شريحة من المجتمع في الكهوف والمغارات يلبسون الخشن ويبتعدون عن المجتمع والحياة برمتها، حتى بلغ بهم الأمر –كما توقع الحكام- أن يصطدموا بالأئمة المعصومين، ويعترضوا عليهم علانية –كما جاء في المصدر نفسه- بان لماذا تلبسون الجديد او الثمين، كما فعل سفيان الثوري المدعي للزهد أمام الامام الصادق، واعتراضهم على منهج الامام الرضا، و لم يكتف الأئمة بالرد عليهم و إرشادهم، بل كانوا يحضون المسلمين للتبرؤ منهم ولعنهم.

وذات مرة كان الامام الهادي، عليه السلام في مسجد رسول الله، مع جماعة من اصحابه، ثم دخلت جماعة من الصوفية وجلسوا في جانبه على شكل حلقة مستديرة ثم أخذوا بالتهليل، فقال الامام لاصحابه: لا تلتفتوا الى هؤلاء الخداعين، فانهم خلفاء الشياطين، ومخربوا قواعد الدين، يتزهدون لراحة الاجسام، ويتهجدون لتقييد الأنام، ويتجوعون عمراً حتى يذبحوا اللأيكاف حمراً، لا يهللون إلا لغرور الناس، ولا يقللون الغذاء إلا للإلتباس والاختلاف، أورادهم الرقص والتصدية، وأذكارهم الترنّم والتغنية، فلا يتبعهم إلا السفهاء، ولا يعتقد بهم إلا الحمقاء". وقد اشار بعض اصحاب الامام الى إظهار هؤلاء المودّة لأهل البيت، فنفى، عليه السلام، ذلك وبشدّة محذراً من الانزلاق صوب هكذا مشاعر كاذبة.

إن الامام الهادي وسائر الأئمة الهداة ينشدون للناس جميعاً، العيش الكريم وحياة الاعتدال ونبذ التطرّف مهما كانت الاسباب، وفي نفس الوقت، يدعون الى تحمّل المسؤولية الجماعية والتحلّي بالاخلاق والخصال الحميدة، وتنمية الملكات الروحية مثل الزهد والتقوى ونكران الذات، ليس بما يبعدهم عن واقعهم الاجتماعي، وإنما يقربهم الى التكامل الانساني المؤدي الى صناعة المجتمع الاسلامي السعيد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0