اقرأ من علماء ومؤرخين أنهم يعدون المأمون العباسي من بين "أذكى" الحكام الأمويين والعباسيين لاتباعه سياسة الاحتواء والانفتاح الثقافي لتعزيز دعائم حكمه، فقد أدرك أن أسلافه فشلوا في سياسة التجهيل والتضليل لقيادة الناس بسهولة، فقد ارتدت عليهم سياساتهم ثورات وانتفاضات جماهيرية، والسبب يعود الى جهود وتضحيات الأئمة المعصومين، عليهم السلام، فقد بلغ الوعي مستويات يعتد بها كشفت عن حقيقة الحكام ممن تقمّصوا رداء "الخلافة" فيما كانوا غارقين في الفساد والانحلال، وموغلين في الدماء، ولعل آخر منعطف في تلك الفترة؛ ما حصل للإمام الكاظم، عليه السلام، من اعتقال، وتعذيب في سجون بغداد لفترة طويلة، ثم استشهاده على يد هارون العباسي، وقراره بترك الجثمان الشريف على الجسر، ليثبت للجميع موته، مما ترك الانطباع العميق لدى الامة بهشاشة النظام الحاكم وخوف هارون من شخص الامام الكاظم، حتى بعد استشهاده.

وعندما آل الأمر الى المأمون اراد معالجة هذه المشكلة او الداء في هيكلية النظام الحاكم، فقد أدرك أن القمع والتنكيل بالأئمة الاطهار، وباتباعهم، ليس فقط لا يوقفهم عن نشاطهم ودورهم الحضاري، وإنما أثمر عن تعميق الوعي ونشر الثقافة الرسالية الاصيلة المتصلة بمنهج النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، فعمد الى مصادر أخرى للفكر والثقافة علّها تكون ندّاً لما عند أهل بيت رسول الله، فكان أن فتح الابواب على مصراعيها أمام المؤلفات الفلسفية اليونانية لأن تدخل البلاد الاسلامية، ثم شجّع على ترجمتها، وحسب المصادر التاريخية فقد افتتح المأمون عدة دور ترجمة في البلاد الاسلامية لترجمة الكتب الفلسفية والافكار اليونانية والفارسية والهندية، وأنفق أموالاً طائلة على المترجمين، و تبنى بشكل واضح المذهب العقلي الذي انتعش واستعاد بريقه في عهده، متمثلاً بالمعتزلة، وهو المذهب الذي ظهر في نهايات العهد الأموي، وبدأ ينشر افكاره ورؤاه العقدية في بدايات الحكم العباسي، ولم يلق استجابة و رضىً وتفاعلاً بالشكل الذي تلقاه من المأمون العباسي.

العقل في مقابل وحي السماء

إنها المشكلة الفكرية القديمة لدى الانسان بواكير إدراكه العقلي، فهل يستند كليةً على عقله في التوصل الى حقائق الحياة والكون الذي يعيش فيه، أم هناك وسيلة أخرى أكثر رشداً توصله الى ما يريد بشكل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟

ومنذ بذرتها الاولى، واجه أهل بيت رسول الله، محاولات الابتعاد عن وحي السماء والمنهج الفكري الذي اختطه النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، للأمة بأن يهتدوا بالقرآن الكريم، وايضاً بالعترة الطاهرة، وحسب المصادر فان فكرة الاعتزال ولدت من رحم الهزيمة النفسية والتخاذل لدى بعض من معاصري أمير المؤمنين، عليه السلام، ومنهم؛ سعد بن أبي وقاص، الشخصية العسكرية والسياسية المعروفة في الامة، بدعوى اعتزال ما يطلقون عليه "بالفتنة في الامة"، وهي حرب الجمل التي فرضت على الامام، عليه السلام، كما يؤكد التاريخ برمته.

وفي فترة لاحقة شهدت الامة ظهور الهيكلية الفكرية لهذا المذهب على يد جماعة من البصريين، وفي مقدمتهم؛ واصل بن عطاء(80-131هـ)، وقد عرفوا باصحاب المدرسة البصرية التي وضعت الأسس الاولى للمنهج الكلامي (الفلسفي)، وأطلقوا لأول مرة آراؤهم في نفي الصفات عن الله –تعالى- ونفي القدر، بدعوى الارادة والحرية الكاملة للانسان في صنع قدره ومصيره، والأخطر من كل ذلك؛ القول بخلق القرآن، وانه لم ينزل كآيات على النبي، وأنه لا يعد دليلاً إعجازياً للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، سوى أنه أبلغ عن الغيب من الاقوام السابقة، وبالامكان أن يأتي أي شخص آخر بمثل كلماته! وجاء في "ثورة العقل، دراسة فلسفية في فكر معتزلة بغداد"، أن "اصل بن عطاء أول من افتتح وسيلة المناظرات إزاء الخصوم قبل أن يفعل أي معتزلي آخر".

واذا أعددنا الحراك الفلسفي للمعتزلة الذين افتتحوا لهم مدرسة في بغداد على يد بشر بن المعتمر (توفي سنة210هـ)، بمنزلة التمرّد على مدرسة الوحي وتراث أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، فمن المؤكد أن يكون هذا مورد استحسان حاكم يُتقن الانتهازية السياسية مثل المأمون، ليتخلص برفق من تأثيرات الاشعاعات التي يبثها بقوة أهل البيت، عليهم السلام، وتحديداً؛ الامام الرضا، عليه السلام، الذي وجده الجدار العالي والكبير امامه، وجاء في الكتاب الآنف الذكر: "وكان هذا التحول في اتجاه الدولة –العباسية- العقائدي، قد عزز الموقف الفكري لمعتزلة بغداد، فانتقلت من عهد تنظيماتها السرية، الى ممارسة نشاطها؛ دعوة وتنظيماً علنياً، واصبح للمعتزلة حجم في التأثير على مشاعر المأمون وسياسة الدولة".

واذا نسمع بالمناظرة التي عقدها المأمون للإمام الرضا، عليه السلام، مع اصحاب الديانات والمذاهب الفلسفية، فانه أطلق العنان لمناظرات عديدة لرجال المعتزلة لأن يواجهوا خصومهم وينشروا افكارهم في البلاد الاسلامية.

مولد عالم آل محمد

ولد الإمام الرضا، عليه السلام، في الحادي عشر من شهر ذي القعدة، من عام مئة وثمانية وأربعين للهجرة، وذلك بعد وفاة الإمام الصادق، عليه السلام، بأيامٍ قليلة، وكان الإمام الصادق يتمنّى رؤيته، ويُنقل الإمام الكاظم، عن أبيه الإمام الصادق، عليهما السلام، أنه كان يقول له غير مرة: "إن لفي صلبك عالم آل محمد وليتني أدركته فرأيته".

وكان المأمون العباسي يتصور أنه باحضار الامام الرضا الى خراسان، ومن خلال منصب ولاية العهد، يدفع الامام في خضم المناظرات الجدلية لاصحاب المذاهب الفلسفية فتعييه الحجة ويذوب فكرياً وثقافياً، كون تلك الفترة قد شهدت بروز طبقة واسعة من المتكلمين بالعقل والفلسفة والجدل بما لا يدانيهم أحد، بل كان الناس يتجنبون نقاشهم لئلا يفسدون عليهم عقائدهم، فكانوا يجوبون البلاد وتحت أنظار المأمون، ويبشرون بأفكارهم الإلحادية والشركية والتشكيكية بأسس العقيدة الاسلامية، ومن هؤلاء؛ عمران الصابئي، المعروف بقوة محاججته وجدليته.

وجاء في المصادر أن شخصاً كان الى جنب الامام الرضا، عليه السلام، عندما جاءه المبعوث من المأمون يدعوه لتلك المناظرة المعروفة مع اصحاب الديانات والمذاهب الكلامية، وكان اسمه "نوفل" فاراد ان ينصح الامام بعدم الخوض في هكذا مجالس، ولاسيما مع شخص مثل عمران، كونه جدلياً اكثر مما هو شخصية عملية –كما جاء في نص كلامه للإمام- فجاءه الرد المطمئن والحازم منه، عليه السلام، بأن "أتخاف ان يقطعوا عليّ حجتي"؟! كما لو أن هذا الشخص لم يكن يعرف شخصية الامام الرضا، بشكل متكامل وحقيقي، ثم اردف، عليه السلام: "أتعلم متى يندم المأمون؟ إذا احتججت على أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل كل ملة بلغتهم"، ويقصد باللغة، ليست الكلمات المنطوقة، وإنما منطق الحديث الذي يختلف كليةً عن نمط الحديث وطريقة الخطاب الجدلي بعد مرور قرنين من الهجرة النبوية، حيث راحوا يتعكزون على العقل والتصورات الذهنية لإنكار الحقائق الناصعة التي بشّر بها النبي الأكرم من خلال كلمات الوحي المنزل.

وجاء في المصادر التاريخية نصّاً كاملاً للمناظرة الشهيرة التي أعدّ لها المأمون العباسي، وأبرزها ما دار بين الامام الرضا، وبين عمران الصابئي الجدلي، وهو نصّ طويل، نقتطف منه أكثر ما يفيد القارئ الكريم لنفق على المنهج العلمي الباهر الذي اتخذه الامام الرضا، كما سائر الأئمة الاطهار في إحقاق الحق، وإزالة الغموض وقطع التشك باليقين.

فقد تقدم عمران الذي كان يعرفه الإمام مسبقاً، فطلب منه أن ينصف ولا يجور في الحديث، فمما سأله:

يا سيدي: ألا تخبرني عن الخالق، إذا كان واحدا لا شئ غيره ولا شئ معه؟ أليس قد تغير بخلقه الخلق؟

قال له الرضا، عليه السلام: قديمٌ لم يتغير -عز وجل- بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغيره.

قال عمران: يا سيدي فبأي شيء عرفناه؟

قال: بغيره. قال: فأي شيء غيره؟

قال الرضا، عليه السلام: مشيئته، واسمه، وصفته، وما أشبه ذلك، وكل ذلك مُحدث مخلوق مدبر. قال عمران: يا سيدي فأي شيء هو؟

قال: هو نور بمعنى انه هادٍ خلقه من أهل السماء وأهل الأرض، وليس لك على أكثر من توحيدي إياه.

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟

قال الرضا عليه السلام: لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله، والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إن السراج ليضئ فيما يريد ان يفعل بنا لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه، ولا كون، وإنما هو ليس شيء غيره، فلما استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتى استضاءنا به فبهذا تستبصر أمرك.

قال عمران: يا سيدي فإن الذي كان عندي ان الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق. قال الرضا، عليه السلام: أحلت يا عمران في قولك: إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره. يا عمران هل تجد النار تغيرها تغير نفسها؟ وهل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قط رأى بصره؟

قال عمران: لم أر هذا إلا أن تخبرني يا سيدي أ هو في الخلق؟ أم الخلق فيه؟

قال الرضا، عليه السلام: أجلّ يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه –تعالى- عن ذلك، وساء علمك ما تعرفه، ولا قوه إلا بالله. اخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شئ استدللت بها على نفسك يا عمران قال: بضوء بيني وبينها.

قال الرضا عليه السلام: هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟ قال: نعم.

قال الرضا، عليه السلام : فأرناه! فلم يحر جوابا. قال: فلا أرى النور إلا وقد دلك ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالاً، ولله المثل الاعلى. ثم التفت إلى المأمون فقال : الصلاة قد حضرت.

وطلب عمران من الإمام الاستمرار لأن "رقّ قلبي"، فأبى الامام الرضا، إلا ان يؤدي فريضة الصلاة، ثم عاد و واصل المناظرة التي حولت عمران الصابئي والجدلي المعروف الى أحد المؤمنين والموالين لأهل البيت، ومن الداعين الى التوحيد والعقائد الحقّة.

بهذه الطريقة العقلية كان الامام الرضا، عليه السلام، يرد على من يستند الى العقل لاثبات تشكيكه بحقائق الخلق والخالق، او بكون القرآن مخلوق، ولم ينزل كآيات على لسان جبرائيل الى النبي الاكرم، كونه "شيء، وأن الشيء لابد ان يكون مخلوقاً". وهذا المنهج ما يزال ممتداً حتى يومنا هذا، وربما الى زمن غير معلوم، مع وجود جهات كبرى في العالم تقف خلفه وتدفع به في الساحة الثقافية والفكرية الامر الذي يتطلب المزيد من الإطلاع والإلمام بهذا الفن، او على الأقل التعمّق في العقائد ليكون على أهبة الاستعداد للرد والتوضيح على أي سؤال او تشكيك يسمع به، وما أكثره في الوقت الحاضر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1