كلما سمعت حديثاً عن المطالبة بحقوق المرأة في أمور محدودة في حياتها، ينتابني شعور غير حسن بان هذه المطالبات أشبه ما تكون بقفص كبير يراد للمرأة ان تحوم فيه لا أن تنطلق في رحاب الحياة وتشارك الرجل في التنمية والتطور والنجاح، فهل ان طموحات عالية بهذا المستوى يتوقف على أن تقود المرأة السيارة؟ او ان ترتدي من الملابس، وتظهر بالشكل الذي ترغب؟ أو ان تكون حرة في علاقاتها مع الرجال؟

ثم لماذا يسلطون الضوء على المرأة كفرد، وليست المرأة الأم، او المرأة كأسرة وربة بيت؟ فكيف تكون نصف المجتمع اذا كان لدينا رغبات وحاجات متنوعة لجماعة كبيرة من بنات حواء في سنين عمرية مختلفة؟

الزهراء الجريحة والصابرة

لو راجعنا مشهد خروج الصديقة الزهراء من دارها لتطارد الانقلابيين على الشرعية وهم يصطحبون الامام علي مسجد رسول الله لاجباره على البيعة، ثم تساءلنا عن دوافع هذا الخروج التاريخي، وبعد ما حصل في واقعة باب الدار، وهل كان خوفاً منها على زوجها ومعيلها وحسب؟

وكذلك الحال في حضورها في المسجد النبوي، وبحضور حشد من الاصحاب وجمهرة من المسلمين، الى جانب حضور الانقلابيين، وإلقائها لخطبتها المدوية المعروفة بالخطبة الفدكية، فهل كان دافعها استرجاع أرض فدك، والتنعّم بخيراتها، رغم انه حق شرعي وقانوني؟

في هذه الخطبة أعادت الزهراء، عليها السلام، صياغة الشخصية الانسانية وفق مقاسات الرسالة والاخلاق المحمدية، وإلا كان بامكانها الاقتصار على المحاججة بالأدلة والبراهين، وهي عديدة وقاطعة، بان أرض فدك تعود اليها، وليس كما يدعون بأنها لعامة المسلمين.

لنقرأ شذرات مما جاء في الخطبة الفدكية، وهي طويلة: "...فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ". هذا وغيره قبسٌ مما أضاء به رسول الله، صلى الله عليه وآله، وضحى من أجل نشره وتعميقه في النفوس.

صحيح إن الصديقة الزهراء وجهت لوماً وتقريعاً شديدين لعامة المسلمين لتخاذلهم عن حقّها المشروع، وعدم تضامنهم معها لاستعادة هذا الحق، بيد أنها في الوقت ذاته كانت تمتد بخطابها المجلجل الى أبعاد واسعة في أمر الدولة الاسلامية ومصير الامة من نواحي شتّى، في مقدمتها؛ الولاية والقيادة من بعد النبي، فكانت تدور على بيوت المهاجرين والانصار وتذكرهم ببيعتهم يوم الغدير، وايضاً بمنزلة الامام علي، عليه السلام، فكان الجواب منهم: أن "يا بنت رسول؛ لو جاءنا ابن عملك قبل هذا لما عدوناه"، أي أنهم يريدون من أمير المؤمنين ان يترك النبي مسجّى على الارض ويهرول نحوهم ليأخذ البيعة منهم ويضمن القيادة السياسية كما فعل غيره في السقيفة.

وعندما عادت الى دارها من تلك الخطبة المجلجلة، وكان أمير المؤمنين بانتظارها، وقالت: "يا ابْنَ أبِي طالِب! اشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الجَنِينِ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنينِ..."، ثم قالت وهي تهدر غيضاً وغضباً مما حصل: "لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ هَنِيَّتِي وَدُونَ زَلَّتِي. عَذيريَ اللهُ مِنْكَ عادِياً وَمِنْكَ حامِياً. وَيْلايَ في كُلِّ شارِقٍ، ماتَ الْعَمَدُ، وَوَهَتِ الْعَضُدُ"، فاجابها، عليه السلام: "لاوَيْلَ عَلَيْكِ، الْوَيْلُ لِشانِئِكِ، نَهْنِهي عَنْ وَجْدِكِ يَا ابْنَةَ الصَّفْوَةِ وَبَقِيَّةَ النُّبُوَّةِ، فَما وَنَيْتُ عَنْ ديِني، وَلا أَخْطَأْتُ مَقْدُوري، فَإنْ كُنْتِ تُريدينَ الْبُلْغَةَ فَرِزْقُكِ مَضْمُونٌ، وَكَفيلُكِ مَأمُونٌ، وَما أعَدَّ لَكِ أفْضَلُ ممّا قُطِعَ عَنْكِ، فَاحْتَسِبِي اللهَ، فَقالَتْ: حَسْبِيَ اللهُ، وَأمْسَكَتْ".

وحسب الروايات التاريخية فانها، عليها السلام، لم تتحدث حول موضوع فدك مطلقاً فيما تبقى من ايام حياتها امتثالاً لوصية إمامها أمير المؤمنين، عليه السلام.

وفي رواية؛ ان امير المؤمنين كان يحادثها فتزامن معهما صوت المؤذن وهو يتلو: "أشهد أن محمداً رسول الله"، فقال لها، إن كنت تريدين استرداد حقك بالسيف – مضمون الرواية- فان اسم أبيك لن يذكر على المآذن بعد ذلك، بما يعني اندلاع الحرب الاهلية وتمزق المجتمع والامة وانهيار الاسلام، وضياع كل الجهود والتضحيات الجسام. فكان الصبر هو اختيار الزهراء، عليها السلام، وغضّ النظر عن كل ما طالبت به.

ولا أدل على أنها، عليها السلام، غضّت النظر عن فدك كاملة، أن الامام علي، عليه السلام، لم يستعيد الارض الى ملكيته بعد ان استتبّ له الأمر، ولم تمض فترة طويلة على اغتصابها، فكانت أرض خضراء، نظرة، ومعطاءة بشكل هائل، فجاء ذكر فدك في سياق رسالته الى ولايه على البصرة؛ عثمان بن مضعون، وهو يعاتبه على تلبيته وليمة لاحد الاثرياء"بَلَى! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْم، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ..."، ومنذ تلك اللحظة لم يتحدث أهل البيت عن قضية فدك مطلقاً، إنما تحولت الى وسيلة لبعض الحكام للتقرّب الى أهل البيت واكتساب المشروعية، فكانت تعود اليهم ثم تُغتصب ثانية، وهم عنها زاهدون.

لماذا لا تقف المرأة خلف العظماء؟

يبدو ان مقولة "وراء كل عظيم امرأة" تفقد بريقها في الوقت الحاضر عندما تنشغل هذه المرأة عن دورها التربوي للطفل، ودورها التعبوي للرجل، باتجاه المطالبة بحقوق شخصية مثل حرية السفر، او حرية قيادة السيارة، حتى بلغ الامر تدنياً الى الحرية الجنسية، وأن المرأة تحتاج لحرية التعارف ثم المعاشرة مع من تشاء، فهي مسؤولة عن تصرفاتها، ولا حاجة لها بأحد، ولا حتى تشريع أو قانون.

وبين دعاوى صحّة او عدم صحة هذه المطالب، تخوض المرأة في العالم، ولاسيما في العالم الاسلامي في متاهات الفكر والفلسفة والقانون، وهي تتبع أثر حاملي لواء الحرية الفردية، فغاب عنها دورها الأصيل كزوجة وأم صانعة للرجال، وبرزت كأحد ابرز مصادر الاستهلاك المغرية لشركات العطور والمكياج والالبسة الجاهزة والاحذية والاكسسوارات ومختلف وسائل الزينة والتبرّج.

إن ميادين العلم والمعرفة والتربية مفتوحة امام المرأة الطامحة للتأثير في واقعها الاجتماعي والسياسي ايضاً، ولو راجعنا اسماء لامعة في تاريخ العلم والفكر والادب وحتى الحركات الاصلاحية، نجد ان رجالاتها كانوا قد تخرجوا من حِجر الامهات قبل ان يتخرجوا من حجرات الحوزات العلمية، ومن القصص التي يتم تداولها في اوساط الحوزة العلمية، عن أم الشيخ الانصاري الذي لم يَريَن النسوة اثر الفرح والبهجة عليها بعد ان تم اختيار ابنها زعيماً للحوزة العلمية، فقالت: "لم يفاجئني ذلك، فما أرضعته يوماً إلا وكنت على وضوء".

هذا مستوى راقٍ من التنشئة والتربية في سالف الزمان، فتخرّج لنا مثل الشيخ الانصاري الذي يدرس الآلاف من علماء الدين كتابه المميز في الفقه "المكاسب"، ولا يعني أنه ضرب من المثالية، إنما بامكان المرأة اليوم، مع ما تمتلكه من امكانات هائلة في الوقت الحاضر من الاسهام في تنشئة جيل واعد، عندما تهيئ الظروف والاجواء المناسبة لهذه التنشئة، فكما أن المكتبة العامة –مثلاً- بحاجة الى صمت مطبق وهدوء تام ليتسنّى للحضور المطالعة المتأنية والاستفادة مما يقرأونه، كذلك الحال بالنسبة للمرأة في دور الأم والزوجة، وحتى الأخت بأن تغض النظر عن بعض رغباتها – ما استطاعت الى ذلك سبيلا- لتركز جهدها الذهني وتسكب الحنان والدفء وكل قيم الفضيلة والاخلاق في نفس الطفل الذي بين ايديهم ليشقّ طريقه في طريق تحصيله الدراسي او تنمية مواهبه وقدراته ليكون في الغد، العالم، و المفكر، و الاديب، و ايضاً؛ السياسي الناجح.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

15