من المثير حقاً أن نلاحظ في حياتنا اليوم، كل شيء في خدمة المرأة؛ بدءاً من السلع الاستهلاكية المنزلية والملبوسات والمقتنيات الخاصة، مروراً بالقوانين – في معظمها طبعاً- التي تضمن حقوقاً كثيرة فيما يتعلق بالعلاقات الزوجية والحضانة وغيرها، وهو ما نشهده في عديد البلاد الاسلامية، ثم المجال المفتوح لطلب العلم ومن بعده فرص العمل؛ وفي مستويات أعلى، مثل تسنّم المناصب الرسمية في الدولة الى درجة نائب في البرلمان أو وزير. يضاف الى كل ذلك، الدعم المعنوي الذي تحظى به من لدن مؤسسات وهيئات ودول تدعو الى المزيد من رعاية المرأة ومداراتها والحؤول دون المساس بمشاعرها. كل هذا وغيره، لم يحل دون تعرّض هذه المرأة الى الظلم والعدوان والمهانة في الوقت الحاضر.

ان ابتلاء المجتمعات بظاهرة التحلل الخلقي بين شريحة من الشباب، وايضاً ازدياد حالات الطلاق، وأخيراً وليس آخراً، ما تتحدث عنه وسائل الاعلام اليوم بـ "ظاهرة التحرش الجنسي"، يطرح تساؤلاً عن جدوائية كل هذه الامكانات المتاحة في توفير الامن والاستقرار النفسي والاجتماعي.

ليس ضرباً من المثالية والخيالية، إذا قلنا: ان المرأة بإمكانها العيش بأمان ورفاهية وسعادة نفسية في جميع مراحل حياتها، بدءاً من مرحلة الصبا مروراً بالمراهقة، ثم الشباب، وفي بيت الزوجية وحتى في مرحلة الكهولة؛ لكن! يحتاج الأمر الى عناصر النمو والرعاية، وهل تنمو النبتة الصغيرة في الأرض لوحدها، دون التربة الخصبة والماء والاملاح وضوء الشمس والهواء؟

هذا المثال، له جنبة علمية، بيد أنه في الوقت ذاته، له جنبة واقعية، تجسده الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام. هذه المرأة العظيمة، عاشت (18) عاماً فقط، بمعنى أنها رحلت عن الدنيا وهي في ريعان الشباب، ربما تكون في عمر فتياتنا اليوم في المراحل المتقدمة من الدراسة الاعدادية وعلى اعتاب الجامعة، فعندما نسمع منها قولاً او نقرأ عنها موقفاً، فإنما نقف امام نموذج، يكاد يمثل اكبر شريحة في المجتمع الانساني، وهي الشريحة الشبابية الأكثر حضوراً وتأثيراً في الحياة. صحيح أنها من الناحية المعنوية كانت معصومة عن الخطأ والزلل، بيد أنها من الناحية الظاهرية، كانت كأي امرأة اخرى في زمانها، لها عواطف ومشاعر، وهكذا كان والدها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بل هكذا هي الحكمة الإلهية من بعثة الانبياء والرسل من عامة الناس، عندما يرونهم {يأكلون الطعام ويمشون في الاسواق}. مع ذلك نرى –مع شديد الأسف- اوضاع المرأة المسلمة، بل المرأة في العالم، بما هو غني عن التعريف بمأساويته وتناقضاته. فما السبب يا ترى؟

أولاً: في دوامة المغريات

لا شيء يدعو للقلق من الناحية الظاهرية؛ فكل شيء على ما يرام، التلميذة تذهب الى المدرسة، والطالبة تذهب الى الجامعة، والموظفة صوب مكان عملها كل يوم بشكل منتظم، وثمة تعاطي سلس – الى حد ما- في الحقوق والواجبات، بيد ان العبرة تكمن في وقت آخر، وحسب المثل الايراني بان "الفراخ تُعد في نهاية الخريف"، وليس في الربيع، او وقت التفقيس، كناية للنتيجة النهائية للعمل، حيث يتبين عدد الفراخ التي تصمد أمام الموت. فمحاكم الاحوال الشخصية تعجّ بالمظالم وحالات الطلاق، فيما تتحدث وسائل الاعلام، وحتى المواقع على النت، عن انتشار ظواهر غريبة وعجيبة، أبعد من التحرّش الجنسي، حيث الخيانات الزوجية والزنا بالمحارم وحتى الشذوذ. كل هذا الضجيج وما تتناقله الالسن، لا تقوى على تغيير الواقع، بسبب وجود المغريات الكبيرة التي تدفع بالمرأة الى المزيد من خلق اسباب وعوامل نشوء تلك الظواهر من حيث لا تريد.

هذه المغريات يتم الترويج لها على أنها حق مسلّم للمرأة، بل ان مفهوم "حقوق المرأة" بحد ذاته، يعد طرحاً فضافضاً يشوبه الكثير من اللغط والتناقض، مثلاً؛ الحرية، والاستقلالية، وتولي المناصب الرسمية، وخوض مجالات العمل، فما هي الضوابط والمعايير الصحيحة لتطبيق هذه المفاهيم بما يخدم المرأة؟

ان فقدان هذه الضوابط والمعايير الصحيحة المستندة الى قيم ثابتة، هو الذي يخلق اليوم المشاكل الناشئة من التطبيق الخاطئ لهذه المفاهيم.

ثم لنتسائل عما اذا يوجد مثال واحد يقدمه لنا دعاة "حقوق المرأة" في الغرب، عن امرأة حظيت بهذه الحقوق وخاضت وعملت، ثم حققت السعادة والنجاح في حياتها؟ وهل ثمة نموذج يقدموه لنا من التاريخ الحديث او القديم لامرأة لم تشهد التعاسة والمهانة في حياتها؟

كما أسلفنا؛ المشكلة تكمن في الابتعاد عن عناصر الحياة، مما جعلنا نشهد الجفاف والانهيار.

ينقل سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –قدس سره- أن "أحد الأخوة أعطى كتاباً من مؤلفات الوالد لأحد التجار في العاصمة الايرانية طهران، والكتاب بعنوان: "ما هو الإسلام؟" وكان مختصراً ومترجماً الى اللغة الإنجليزية، بعد فترة ذكر ذلك التاجر أنه كان في رحلة عمل الى إحدى الدول الأجنبية، وكانت هناك امرأة تعمل في الشركة، فأعطيتها الكتاب، وبعد يومين جاءت وأعلنت تشيّعها"! هكذا بكل سهولة. وهذا في الغرب، فكيف يجب ان يكون موقفنا في البلاد الاسلامية...؟!

ان القصة المعروفة للزهراء، سلام الله عليها، مع أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما دخل ذات يوم، وهو متعب، ثم تفاجئ بعدم وجود طعام في بيته منذ ثلاثة أيام، بسبب عدم طلب زوجته منه بتوفير الطعام، يمثل بالحقيقة درسٌ بليغ وحيّ لكل زوج وزوجة يعيشان تحت سقف واحد في كل مكان بالعالم. فالقضية لا علاقة لها، بالدين والمذهب، إنما هي قضية انسانية بامتياز. علماً ان ما قامت به الصديقة الطاهرة، كان امتثالاً لوصية أبيها رسول الله، بل وتجسيداً للرسالة التي بشّر بها للبشرية جمعاء.

طبعاً؛ هنالك الكثير، الكثير، من الأمثلة الرائعة على البيت السعيد، جسّدته الزهراء في بيت زوجها أمير المؤمنين، عليهما السلام، فخلقت تلك الأسرة الناجحة والسعيدة، حيث لا كذب، ولا أنانية، ولا توتر؛ إنما الحب من الاعماق، والتضحية، والصدق، والأمانة. وهذا لا نقوله نحن، إنما يؤكده لنا بالحرف الواحد أمير المؤمنين، ومعه الزهراء، عليهما السلام، بأنفسهما: حيث يصف، عليه السلام، الصديقة الطاهرة: "فو الله ما أغضبتها وما أغضبتني"، وجاء في وصيتها: "يا ابن عمّ؛ ما وجدتني كاذبة، ولا كذبة واحدة، وفي مقطعٍ آخر: ولا خالفتك منذ عاشرتني" .

ثانياً: الغضب في البيت والرضى خارجه

ينقل سماحة الفقيه الشيرازي الراحل – قدس سره- عن جمعية تم تأسيسها في احدى البلاد الغربية، تحت عنوان: "جمعية المرأة المُستسلمة لزوجها"، وقد كسبت هذه الجمعية عشرات الآلاف من النسوة الغربيات، وقد ألفت رئيسة هذه الجمعية كتاباً طُبع منه حتى الآن نصف مليون نسخة تحت عنوان: "المرأة المستسلمة لزوجها"، و جاء في الكتاب: "إنَّ الحضارة المادية أججت الصراع داخل العائلة بين الرجل والمرأة، فالخطابات التحريضية التي تعطيها الحضارة الغربية للرجل وللمرأة، جعلت الرجل في البيت ضد المرأة، والمرأة في البيت ضد الرجل". وعليه فان هدف هذه الجمعية، إعادة المرأة الى واقعها الحقيقي، وهو الاصطفاف الى جانب الرجل في البيت، وعدم تقمّص الشخصية الذكورية داخل وخارج البيت، لتضمن الاستقرار النفسي داخل الأسرة والبيت، والدفء في العلاقات الزوجية.

وهذا ما جسّدته الصديقة الزهراء، في علاقتها الزوجية، وعندما اقتضت الظروف للخروج من الدار الى الواقع الاجتماعي، فإنها كانت الداعية للتغيير والإصلاح، فقد خرجت مطالبة بحقها وحق زوجها، بكل قوة، متسلحة بالمنطق والدليل. وهذا الحق، ربما يكون اليوم هذا الحق، غير مقتصر على امرأة بعينها، إنما يكون حق عام، يتعلق بأخلاق، وذوق، وعقيدة المجتمع بأكمله، وهو ما يجب ان تأخذ المرأة اليوم بعين الاعتبار.

لنتصور؛ اللين والرأفة والتعاطف داخل البيت، والشدّة والحزم خارجه، كيف سيكون حال المجتمع؟ وبشكل محدد؛ كيف سيكون الشاب والشابة المتخرجة من هكذا بيت؟ وما هو حال الزوج الذي يخرج من بيته صباح كل يوم؟. لنلقي نظرة خاطفة على مجتمعاتنا لنعرف جواب الحالة الاولى، ثم ندرك بعد المسافة التي تفصلنا عن الصديقة الزهراء وتجربتها الناجحة في الحياة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2