لمن يقرأ حادثة الغدير قراءة قانونية وايضاً شرعية، يجد أنها تمثل وثيقة دامغة لكل من ينكر حق الامام علي في الخلافة والحكم من بعد رسول الله، صلى الله عليه وآله، لاسيما وأن رفع يد الامام في تلك الظهيرة التاريخية واللحظات الحرجة، جاء تنفيذاً لآية قرآنية نزلت للتو على صدر الرسول الأكرم بأن {بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم .... فما بلغت رسالته والله يعصمنك من الناس}، بل وان التنصيب هذا جاء مشفوعاً بجملة من الاحاديث النبوية في حق الامام علي، ابرزها: "علي مع الحق والحق مع علي".

وعندما رحل رسول الله عن دار الدنيا، كان في يد الامام علي بيعة حوالي مائة ألف مسلم، بينهم كبار الصحابة، فلم يتخلف أحد، بايعوا جميعاً الامام علي على انه الخليفة والولي من بعد رسول الله، ولكن؛ هذه الوثيقة القانونية والسياسية –إن صح التعبير- رماها الامام علي جانباً عندما انكب على نعش النبي الأكرم، وهو يبث اليه حزنه الذي لا يوصف، ثم انشغل بتجهيزه وتشييعه ودفنه.

ومن نافلة القول هنا؛ أن تشييع جنازة النبي الأكرم، وخاتم الانبياء والمرسلين، وأشرف الخلائق أجمعين، خلا من أي مسيرة جماهيرية حزينة خلف الجنازة كما هو عهدنا بمراسيم تشييع العلماء الكبار، انما اقتصر الأمر على ثلّة من الاصحاب يتقدمهم أمير المؤمنين، وسلمان وعمار وأبي ذر وأمثالهم، فيما انصرف الآخرون نحو السلطة والحكم.

السياسة من لوازم الحياة

إن واقعة الغدير، وما تحمله من مفهوم الولاية والقيادة المعينة من قبل السماء، بينت حقيقة أن السياسة والحكم ليست منفصلة عن حياة الانسان، وليست مقتصرة بفئة معينة من البشر، كما روج لهذا بعض الفلاسفة ما قبل وبعد ظهور الاسلام، بدعوى أن الحكم للأقوياء والحكماء وحسب، ولا شأن لسائر الناس فيه، حتى وإن ارتكب المحرمات وقلب المفاهيم وفق رؤيته وتصوراته، وغيّب القيم والمبادئ. ولذا نجد العلماء، وفي طليعتهم الامام الراحل السيد محمد الشيرازي –طاب ثراه- يؤكد غير مرة دعوته الحوزة العلمية لدراسة السياسة والحكم، ودعوته ايضاً لعامة الناس للمطالعة في الشأن السياسي بما يخلق ثقافة سياسية عامة، على غرار الثقافة الصحية والثقافية الاقتصادية.

ولذا فان العلماء عندما يبحثون قضية الغدير في جانبها السياسي، فانهم يفصلون بين الإرادة التكوينية لله –تعالى- وبين الارادة التشريعية، فالاولى ما يتعلق بالاشياء في الحياة والكون، وهذه الارادة "لا تختلف عن المراد"، كما يعبر عن ذلك سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي – طاب ثراه- في كتابه؛ منهج الغدير، او ما يمكن التعبير عنه؛ بالتطبيق العملي، بينما الارادة التشريعية أن يريد الله امراً ولكن الناس لا ينفذون لسبب أو لآخر.

والسؤال هنا: اذا رفض الناس تنفيذ أمر إلهي يتعلق بالحكم والقيادة، فهل ينتفي الأمر، ويتشكل التبرير بأن الامام علي تنحّى عن الحكم والخلافة نزولاً عن رغبة الناس؟!

ويربط سماحة الفقيه الشيرازي بين التعيين الإلهي للإمام علي، عليه السلام، بالخلافة والحكم، وبين الارادة التشريعية المتمثلة في عديد الاحكام العبادية والتشريعات الداخلة في حياة الانسان، ويورد مثالاً على فريضة الصلاة، وفرضة الحج، وغيرها مما ترك تحقيقه للانسان المكلف والعاقل الذي يجب ان يؤدي هذه الفرائض بإرادته وباندفاع ذاتي وتفاعل نفسي، وربما من ذلك؛ الزواج –مثلاً- او تحكيم القيم الاخلاقية، فهو مما يريده الله –تعالى- ويدعو اليه، يبقى التنفيذ على الانسان، فاذا أعرض عن هذه الدعوة فانها تبقى قائمة للاجيال على طول الخط، تمثل علامة دالة على رقي الأمة وتقدمها، كما يبين الابتعاد عنها مؤشراً لتخلف الامة وانحدارها نحو الازمات والكوارث.

ثقافة سياسية مع نضج ثقافي

الثقافة السياسية لن تكن كافية لاتخاذ القرار الصائب بانتخاب الحاكم، فاذا استمرت هذه التعبئة في النفوس تتحول الى تسييس، كما حصل في القبائل العربية التي بايع افرادها أمير المؤمنين، في غدير خم، ثم بايعوا ابنه الحسن، ثم بايعوا الحسين، عليهم السلام، وهذه المواقف لم تكن لتختلف عن مواقفهم وقراراتهم إزاء أشخاص مثل معاوية وابنه يزيد، عندما انتهجوا العنف والقسوة في تركيز اركان حكمهم، ولذا نقرأ فيما قاله معاوية لأهل الكوفة: بأن "ما قاتلتكم لتصوموا وتحجوا، فانكم فاعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم"، وعندما بايعوا ونصروا هؤلاء الحكام، بناءً على مبدأ آمنوا به، وهو مبدأ القوة العسكرية، وقوة المال، بينما الامام علي، ومن قبله النبي الأكرم، يبحثان في الناس عن الايمان بالله وبكتابه، ومديات رسوخه في النفوس.

ولعل هذا يفسّر احد اسباب عزوف الامام علي عن الحكم بعد مقتل عثمان، رغم اجتماع المسلمين من الاقطار الاسلامية كافة، وإصرارهم عليه، لانه يعرف حقيقة دوافعهم لهذا التأييد الغريب وغير المعهود بعد مرور حوالي ربع قرن (25 سنة) من حادثة السقيفة، وربما لو لم ينتهج عثمان سياسة المحاباة للأمويين والتلاعب بأموال المسلمين، ولم يرتكب ما ارتكب من الاخطاء الفادحة، وكان متوازناً في سياساته وتعامله مع الناس، لما كان التاريخ يشهد ذلك الزحام على بيت الامام علي لسحب يده ومبايعته، وهم أنفسهم ممن تخلّوا عنه بالأمس والتزموا بيوتهم في ساعات الاعداد للانقلاب على الشرعية الإلهية.

وجاء في المصادر التاريخية أن الصديقة الزهراء، سلام الله عليها، عندما طافت المدينة وطرقت بيوت المهاجرين والانصار تذكرهم ببيعتهم التي في اعناقهم لأمير المؤمنين، وما دفعهم للتخلف عنه، أجابها بعضهم: "لو جاء ابن عمك قبل هذا لقبلناه..."!

هذا المستوى الضحل من الثقافة بقي يطبع المجتمع الاسلامي آنذاك، وتجلّى اكثر عندما اصبح الامام علي، الحاكم السياسي والشرعي في آن، وصدق ظنه بتلك الجموع التي أصرت على أن يكون أميراً فيما كان يطلب منهم ان يكون وزيراً، فقد تعاملت مع الامام كحاكم سياسي وليس كحاكم شرعي عليهم ان ينفذوا أوامره مثلما يؤدون صلاتهم وصيامهم وسائر فروضهم العبادية.

هذا النضج الثقافي هو الذي يضمن العلاقة الحسنة والمتطورة بين المجتمع والدولة، او بين الجماهير وبين الحكومة، فكلما كان النضج الثقافي والسياسي في مستوى أعلى، نرى مصاديق المشاركة السياسية والتعددية وحرية الرأي وسائر المفردات المكونة لمفهوم "الديمقراطية"، وهذا ليس كما يفهمه البعض في الوقت الحاضر، والذي يشكو الثغرات الكثيرة، وإنما الديمقراطية التي تجعل الانسان يعرف لماذا يطيع الحاكم؟ وما الذي يجنيه من وراء طاعته، وما الذي يخسره في حال التمرد والعصيان؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0