في الذكرى العطرة بمولد أول سبط لرسول الله؛ الإمام الحسن المجتبى، نتطرق الى قضية سياسية في حياة هذا الإمام الفذّ الذي ظلمه الناس في حياته، كما ظلمه التاريخ، والتي لازمت شخصيته تاريخياً، وهي معاهدة الهدنة مع معاوية لوقف الحرب والتنازل له عن الحكم، كون القضية ذات مدخلية واسعة في مسيرة الامة سياسياً واجتماعياً وثقافياً، علماً أن "الصلح" ورد كمصطلح للتعريف بالحادثة التاريخية، وهي دون شأن الامام وقضيته الرسالية الكبرى الممتدة من رسالة جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله.

وقد أجاد أحد علماؤنا بوصف دور كل من الإمامين الحسن والحسين في مسيرة الرسالة من بعد جدهما المصطفى، بأن "أعظم سلام صنعه الامام الحسن بمعاهدته مع معاوية، وأعظم حرب صنعها الإمام الحسين في حربه مع يزيد"، فالرؤية الاستراتيجية لن تصمد أمامها النظريات السياسية المرتكزة على منطق القوة والتغرير والكسب السريع، وأن القوة والحكم مفردتان متلازمتان على ارض الواقع، وربما هذا ما يدفع البعض من الاحزاب والشخصيات السياسية لخوض السباق المحموم نحو مقاعد البرلمان والحكومة لتطبيق افكارهم و ونظرياتهم على أرض الواقع بقوة المال او الاعلام او حتى السلاح.

الامام الحسن يمنح الأمان مجبراً لمعاوية

هنالك حرصٌ بالغ من المؤرخين والباحثين والمحدثين قديماً وحديثاً لرسم صورة ذهنية عن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب، عليهما السلام، بانه ذلك الرجل المسالم والمزواج، البعيد عن الشأن السياسي وإدارة شؤون الامة، بينما هذا من شأن شخص مثل معاوية او زياد بن أبيه او عبيد الله بن زياد وأشباههم من الأمويين، على أن الامويين لهم الفضل في تأسيس "الدولة العربية الاولى"، كما روجت لذلك المناهج الدراسية وكتب التاريخ لعشرات السنين، هذا التوجه لم يأت بدافع الحقد والبغضاء إزاء أهل بيت رسول الله، وحسب، وإنما القضية نفسية بالاساس، تعود بجذورها الى العهد الجاهلي الذي يبني شخصية الانسان المؤثر في مجتمعه على اساس العنف والقسوة والغلظة، ولذا نقرأ لبعض المؤرخين بأن النبي كان يحادث "صناديد قريش"، بما يعني الاحترام والتبجيل، وليس التبليغ بالرسالة السماوية وحثهم على التغيير الشامل، لانفسهم ولمجتمهم، كما نفهم عدم إقرار المؤرخين بالشخصية الرجولية للإمام علي كأول من آمن بالنبي، فيقولون: "أول صبي آمن بالاسلام"!

هذه المشكلة النفسية رافقت شريحة واسعة من المجتمع العربي في تلك المرحلة التاريخية الحرجة، فقد كانوا يتوقعون من الامام علي، عليه السلام، -مثلاً- ان يبيد أعدائه والمناوئين له، لا أن يقدم الماء لجنود معاوية وينقذهم من العطش، او يسمح لاصحابه بأخذ الغنائم في حرب الجمل، وأن لا يطلق صفة الأخوة على الخوارج الذي قاتلوه والذين "بغوا علينا"، ثم يأمر أن "لا تقاتلوا الخوارج بعدي"، ثم تكررت الحالة مع الامام الحسن، عليه السلام، الذي تسلّم الخلافة من بعد أبيه أمير المؤمنين، والمجتمع الاسلامي يعاني الهشاشة في الايمان وتتحكم فيه النزعات والرغبات المادية، وفي الجهة الاخرى، يتربص شخص مخادع مثل معاوية يعتمد مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" ويفعل كل شيء لإلحاق الضرر بالدولة الفتية التي يروم اهل البيت تأسيسها لتكون الامتداد الحقيقي لدولة النبي الاكرم.

وبالرغم من أنهم المسؤولون بالدرجة الاولى عن اضطرار الامام الحسن للهدنة ووقف القتال مع معاوية، بسبب خذلانهم وتقاعسهم عن القتال، وتجاهل دعوات الامام المتكررة للالتحاق بصفوف الجيش لمواجهة عدوهم (معاوية)، فان أهل الكوفة لم يرق لهم قرار الامام بالهدنة، وقد تحمّل، عليه السلام، ضغوطاً نفسية شديدة لتجاوز الوضع السياسي الحرج، من جهة، واستيعاب ردود الفعل العنيفة من اصحابه وعامة المسلمين من جهة اخرى، وإلا فان الجيش الاسلامي كان يعكسر في المدائن لاستئناف القتال في وقت تعرض أمير المؤمنين للأغتيال، ولكن؛ تلك الجموع من المقاتلين لم يكن ليحملوا العزيمة الراسخة والايمان العميق بقضية مقدسة، وانهم انما يقاتلون بين يدي إمام معصوم مفترض الطاعة، وهو ابن بنت رسول الله.

بيد أن الامام الحسن، عليه السلام، بين للمسلمين أن هدنته وتنازله عن الحكم، هو لمصلحتهم ثم انه يمثل فرصة تاريخية لإلحاق الهزيمة السياسية بمعاوية وجماعته، كما انها وسيلة لحقن دماء المسلمين والحفاظ على كيان الامة والدين من الإبادة التي يتحين الأمويون الفرصة لتحقيقها.

ومن الشروط التي حددها الامام الحسن، يتضح أنه كان سياسي من الدرجة الاولى، حيث جاءت مفاوضته لوقف القتال مع معاوية من موقع القوة، فقد فرض عليه شروطاً قوية أبرزها؛ "ليس لمعاوية أن يعهد الى أحد من بعده، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وأن يكون الناس آمنون حيث كانوا في أرض الله، وأن يكون اصحاب علي، وشيعته آمنون على انفسهم وموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لايبغي للحسن، ولا للحسين بن علي، ولا لأحد من اهل بيت رسول الله، بعائلة، سراً ولا جهراً، ولا يخيف احداً منهم في أفق من الآفاق"، والامام يعلم أن معاوية لن يلتزم بهذه البنود من المعاهدة، وعدم التزامه بحد ذاته تعد خطوة نحو الانتصار لمعسكر الحق والفضيلة، وانكشاف لمنهج الخديعة والتزييف لنظام حكم معاوية مما يجعله مطعوناً في شرعيته ومصداقيته.

السياسة القذرة والمعارضة النظيفة

عندما يكون الحكم وأي منصب في الدولة مجرد وسيلة لتحكيم القيم والمبادئ ونشر الفضيلة، فان الناس سينعمون بالأمان والاستقرار ويكون بامكانهم التطلع نحو مراقي التقدم، أما اذا كان الحكم هو الوسيلة للوصول الى المكاسب والمصالح، وإن على حساب الناس ومصائرهم، فمن الطبيعي ان نشهد إراقة الدماء بالجملة، وتخلف وهزائم نفسية وميدانية منكرة، وهذا ما اراد الامام الحسن تجنبه وإبعاد الامة عنه، بحنكته وحلمه، فعندما وجد أن السياسة لم تعد تلك الوسيلة النظيفة لأداء مهمته الرسالية، تحول بانسيابية عالية نحو الوسيلة الاكثر نظافة، تحقق ما يريد، وتضمن للأمة الامن والاستقرار، فاختار جبهة المعارضة السلمية منذ الايام الاولى لتخليه عن الحكم (الرسمي)، وهو بعد في الكوفة، قبل ان يعود الى مدينة جده رسول الله، عاكفاً على تنظيم صفوف المعارضة من خلال توسيع نطاق الشريحة الواعية والطليعة المؤمنة، وفي نفس الوقت الوقوف بكل حزم وقوة أمام تخرصات معاوية ونظامه الأموي الساعي لكسب الشرعية السياسية، فلم يترك له فرصة في أي مجلس معه إلا ويفضح حقيقته امام المسلمين.

وفي التاريخ مواقف مشرفة عديدة للإمام بوجه معاوية وفي محضر الحشود من الناس، وهو يرد على اتهامات معاوية وانتقاصه لأهل البيت، ويرد الصاع صاعين، ويبين للمسلمين من هو؟ وما هي منزلته من رسول الله، وفي الاسلام، حتى كان الذعر يدبّ في معاوية من أن يترك أثره في المسلمين فينقلبوا عليه.

ومن جملة هذه المساجلات الكلامية ما جرى في الكوفة حينما ادعى معاوية أن الامام الحسن رأه أهلا للخلافة ولم يرَ نفسه لها كذلك، ولما فرغ من كلامه، صعد الامام المنبر ورد بعنف على كلامه بأن : "معاوية زعم لكم أنّي رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً فكذب معاوية ، نحن أولى بالناس في كتاب اللـه عزَّ وجلَّ وعلى لسان نبيه، صلى الله عليه وآله، ولم نزل أهل البيت مظلومين ، منذ قبض الله نبيه فالله بيننا وبين من ظلمنا حقّنا ، وتوثّب على رقابنا ، وحمل الناس علينا ، ومنعنا سهمنا من الفيء ومنع أُمَّنا ما جعل لها رسول الله، وأُقسم بالله لو أنَّ الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله، لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها، وما طمِعتَ فيها يا معاوية! فلمّا خرجتْ من معدنها تنازعتها قريش بينها ، فطمعتْ فيها الطُّلَقـاء ، وأبناء الطُّلَقاء - أنت وأصحابك - وقد قال رسول الله: ما ولّت أُمّة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه إلاّ لم يزل أمرهم يذهب سفالاً حتّى يرجعوا إلى ما تركوا ، فقد تركت بنو إسرائيل هارون وهم يعلمون أنّه خليفة موسى فيهم واتّبعوا السامريَّ ، وقد تركت هذه الأُمّة أبي وبايعوا غيره ، وقد سمعوا رسول الله يقول : " أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوَّة ".

لم يمكث الامام الحسن، عليه السلام، في الكوفة طويلاً، فقد غادرها ليعود الى مدينة جده؛ المدينة المنورة، ومن هنا ينطلق لإعداد الجيل الرسالي الجديد، ونشر الوعي والثقافة، وبث روح الايمان والفضيلة، ثم سافر الى الشام لإيصال صوت الحق الى الشاميين البعيدين بشكل كبير عن أجواء الساحة الاسلامية، وكانوا أشبه بالدمى التي يحركها معاوية ومستشاره عمرو بن العاص.

وحسب المصادر فان خطب الامام واحاديثه في الشام، تركت هي الاخرى أثرها في النفوس، بحيث شعر معاوية انه مهدد في قاعدته الجماهيرية في عقر داره، "ولم يزل كذلك حتى اشتكاه انصار معاوية قائلين له: ان الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصُدق، وأمر فأطاع...".

وقبل ختام المقال يجدر بنا الاشارة الى أن الامام الحسن، عليه السلام، لم يكن وحده في خندق المعارضة، إنما كان ثمة كبار الشيعة وأعيان المجتمع، مثل حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي ومعقل بن قيس الهلالي وزياد بن صعصعة وحبيب بن مظاهر الاسدي وآخرين، بذلوا وضحوا وناضلوا بين يدي الامام الحسن، عليه السلام، في حربه الباردة لنصرة الحق والفضيلة وان يبقى الاسلام حيّاً في النفوس بقيمه ومبادئه، وكانت النتيجة غير المتوقعة –آنذاك- هو بداية العد التنازلي لحكم بني أمية بعد انكشاف زيف ادعائهم بأحقيتهم بالحكم والخلافة، وانحرافهم وفسادهم وظلمهم المريع، فكان أول انفجار بوجه الحكم الأموي ما حصل في كربلاء، ثم ما تبعه من ثورات وانتفاضات انطلقت من الوعي السياسي الذي ألهب المشاعر الرافضة للظلم والطغيان، وفي نفس الوقت برّزت وجه الحق المشرق المتمثل بالأئمة المعصومين، عليهم السلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0