كما الرجال الطامحين والناجحين، تبحث المرأة ايضاً عن القدوة الناجحة التي تساعدها على تحقيق طموحاتها في الحياة. وكلما اتسعت مساحة الحضور النسوي في المجتمع وفي الحياة بشكل عام، كلما كانت الحاجة ماسّة الى القدوة والنموذج الذي يكون بمنزلة المرآة التي تجد الفتاة الجامعية والمرأة المربية في البيت والموظفة، شخصيتها وامكانياتها ثم دورها في الحياة.

أي دور...؟ وأية قدوة...؟

من يريد ان يصبح كاتباً مصقعاً او خطيباً مفوهاً او عالماً نحريراً او فناناً آسراً للقلوب ومؤثراً في النفوس، سيتوجه الى من سبقه في هذا الاختصاص وحقق النجاحات الكبيرة، علّه يخطو في طريق النجاح هذا، وربما يكون أفضل وأرقى. بمعنى أن القضية، تبدو طبيعية وفطرية لا لبس فيها، فلا يعقل ان يمضي انسان عاقل في مسيرة طلب العلم او كسب مهارة معينة، خلف فاشل أو تحوم حول حياته التساؤلات والغموض. لان هذا يعني انه يعصب عينيه بيديه ويتجه نحو طريق مجهول.

وبما أن العلماء والمفكرين الاسلاميين أكدوا حقيقية انسانية، بان العمل الذي يناسب المرأة هو ذاك الذي ينسجم مع طبيعتها التكوينية والنفسية، فان القدوة الناجحة التي تبحث عنها المرأة، لابد وأن يتطابق مع الدور الحقيقي لها في الحياة، وقد أكد العلماء والمفكرون أن هذا الدور، هو الدور التربوي والأسري، بأن تكون المرأة، المربية لأبنائها وتكون الساعد الأيمن لزوجها، فيكون محور عملها ونشاطها، البيت، فمنه يتخرج على يديها الابطال والعلماء والمصلحون، كما ينطلق من جوارها الناجحون، كما قيل "وراء كل عظيم إمرأة".

الى جانب هذه الرؤية، ثمة رؤية لشريحة من النساء بأن هنالك أدوار أخرى يمكن ان يبدعن فيه ويشاركن من خلاله في تطوير المجتمع وتقدم الامة، ويقدمن اكبر الخدمات والاعمال المفيدة. وإذن؛ فهنّ يبحثن – في ضوء ذلك- عن القدوة والنموذج الذي يفيدهن في مسيرتهن العلمية او الفنية او غيرها. فالطالبة الجامعية – مثلاً- تبحث عن الشخصية العلمية المتألقة التي يمكن ان ترى نفسها فيها، فربما يكون هذا الشخص فيلسوف يعود الى غابر الزمان، مثل العهد الاغريقي كافلاطون – مثلاً- او ربما شخصية فكرية او علمية أو ادبية من الغرب مثل العالم الالماني انشتاين او الاديب الروسي تولستوي او غيرهم من الشخصيات، وايضاً من الشخصيات المعاصرة. وإغلب الظن، ان القصد من وراء هذا الاقتداء الذي تحرص عليه شريحة واسعة من الطلبة الجامعيين – من بنات وبنين على حدٍ سواء- هو البحث عن عنصر الحيوية والعملية في هذه الشخصيات، وان يكون بإمكانهم التمثّل بشخصياتهم، كون هؤلاء العلماء والادباء والمفكرون كانوا مثلهم يوماً، طلبة على مقاعد الدراسة وأناس عاديين.

لماذا فاطمة، عليها السلام؟

عندما نؤكد على أن الصديقة الزهراء، عليها السلام، هي المثل الأعلى والنموذج الأكمل للمرأة الناجحة، فهو يعني ان النجاح هذا، يشمل كل جوانب حياة المرأة، ويتضمن كل تفاصيل شخصيتها وكيانها وتفكيرها.

بينما هناك من يدعو الى ان تتحرر المرأة في أمر اختيار القدوة والنموذج الذي تراه مناسباً، كما حُظيت بالتساوي في نعمة العلم مع الرجل، من خلال الحديث النبوي الشريف: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وهي في ذلك تقصد الحصول على نموذج يفيدها في مسيرتها العلمية، لسبب بسيط، كون هذه المسيرة تمثل اليوم الجانب الاكبر من حياة الفتيات والنساء في العراق وفي عديد البلاد الاسلامية، وبعد هذا لا يهمّ ما يحصل في البيت وفي الشارع، وخلال العلاقات الاجتماعية.

فهل تتمكن إمرأة اليوم من وجود هكذا قدوة ونموذج خاص لجانب معين من حياتها، - مثلاً- لطلب العلم او لتنمية مواهب فنية او حتى في حياتها الوظيفية ومهام الادارة في مؤسسات الدولة، بما يضمن لها النجاح في حياتها بشكل عام؟

الصديقة الزهراء، عليها السلام، وهي فرع من شجرة النبوة، تحمل في شخصيتها السمات النبوية والرسالية، فهي الكاملة والناجحة في كل شيء، في التربية والعلاقات الزوجية، وايضاً في المجتمع والدولة، بمعنى انها اذا كانت رائدة في الاخلاق والانسانية مع اطفالها ومع زوجها، وايضاً مع افراد المجتمع، بدءاً من الجيران القريبين وحتى البعيدين، فانها كانت الرائدة ايضاً في صنع الحدث في الواقع الاجتماعي والسياسي آنذاك.

فهي ذلك النموذج المضيء الذي خلّده القرآن الكريم في "سورة الانسان" تكريماً لموقفها الانساني العظيم باستغنائها عن الطعام ولمدة ثلاثة ايام من اجل عدم رد فقير وأسير ومسكين خائباً من بابها. كما هي في الوقت نفسه نموذج حيّ، بل و"خارطة طريق" لبناء اجتماعي مرصوص.

كانت ذات ليلة من ليالي العبادة في جوف الليل تصلي وتدعو حتى الصباح، وتذكر في دعائها حتى الصباح، وتدعو لجيرانها، وللفقراء والمؤمنين، وعندما يهلّ الصباح يسألها ابنها الامام الحسن، عليه السلام قائلاً: أماه! أراك قـد دعـوت لكلّ الناس، ولكنّك لم تذكرينـا في دعائـك؟! فتقـول: "يا بنيّ؛ الجار ثم الدار".

هذا من ناحية تكاملية الصفات الانسانية والاخلاقية – ولو بشكل مختصر- أما من الناحية العملية، يجب ان نتذكر دائماً ان التأثر بأي شخصية كانت، ولأي جانب من جوانب الحياة، لن يفضي الى تحقيق "المِثل" بكسر الميم، فهذه من المستحيلات ومن غير المعقول ولا المنطقي ابداً، فكل انسان يبقى كما هو، بتكوينه الجسمي والذهني والعقلي، تبقى القدرات والامكانيات قابلة للتغيير. من الممكن تحقيق "المَثل" بفتح الميم، وهذا ما بينه لنا القرآن الكريم أول مرة، عندما نفى امكانية "المِثلية" في أقوى مثال حول التوحيد {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، (سورة الشورى /11). وأكد "المَثلية" في غير آية حول قضايا عديدة، أهمها ما يتعلق بالمرأة: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ...}. (سورة التحريم /11)

إذن؛ فان المكانة الرفيعة والمقدسة للزهراء، عليه السلام، في اذهان النساء وحتى الرجال، لا يعني بأي حال من الاحوال، انها بعيدة عن حياتنا وسلوكنا، وانه من العبث محاولة الاقتداء بها. واذا تمعنّا في سيرة حياة هذه السيدة الجليلة، نجد أنها تحمل روحا كبيرة وقلب مفعم بالايمان والاخلاق، وعليه كانت تُحظى بالكم الهائل من الوصايا النبوية بحقها، وهو ما نلاحظه من التأكيدات المتكررة من النبي الأكرم، على منزلة ابنته الزهراء، نفهم اننا امام مثل أعلى في كل شيء بالحياة لا ينحصر بمكان و زمان.

فقد جسدت هذه المرأة العظيمة، الوحي بكلّ ابعاده؛ "فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني ومن غاظها فقد غاظني ومن سرها فقد سرني"، وجاء ايضاً عنه، صلى الله عليه وآله: "ان الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها". ومثل هذه الاحاديث وغيرها تدل دلالة واضحة على ان هذه المرأة كانت تطبق الاسلام، وتجسّد تعاليم الرب في كلّ خطواتها وافعالها.

ان رسول الله، صلى الله عليه وآله، الذي جعله الله تعالى مربّياً للأمة الاسلامية، قد صبّ اهتمامه على هذه الشخصية العظيمة، وصاغ بيده الكريمة واشرافه المباشر هذه الشخصية الفذة ليجعلها قدوة للنساء. فقال: "...ابنتي فاطمة، وانها سيدة نساء العالمين. فقيل: يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين".

وهل كان النبي الأكرم، يتوقع من نساء العالم، منذ ذلك الوقت وحتى الآن، والى يوم القيامة، أن يكنّ "مِثل" ابنته الزهراء، عليها السلام؟ فهذا أمير المؤمنين، عليه السلام، يوضح لنا آلية الاقتداء والاستفادة من الشخصية العظيمة، عندما قال في حديث معروف: "...ألا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد". وهذا مصداق معنى "المَثل" بفتح الميم، الذي تتوقعه السيدة الزهراء، من كل إمرأة تريد السعادة الحقيقية في حياتها.

درس تاريخي في الوعي ومحاربة الجهل

نتكلم عن طلب العلم، وانه "فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وان من حق المرأة التعلّم وارتقاء مدارج العلم والمعرفة. لكن علينا ان نعرف قبل كل هذا، ان الأهم هو محاربة العوامل التي تحرم المرأة هذا الحق، وهو ما كان سائداً في عهد الجاهلية، وقبل بزوغ فجر الاسلام، حيث جاء ووضع حد نهائي لقتل المرأة والانثى مادياً ومعنوياً، فالقضية ليست فقط، وجود مادي، بأن تكون الانثى والفتاة على قيد الحياة، فقد كان في مجتمع الجاهلية في "مكة" وغيرها الكثير من النساء والفتيات، لكن ما كان حالهنّ؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان تطرحه كل إمرأة اليوم على نفسها... فبين العبودية والرق، وظلم الرجل والتخلف، وبين التحلل الخلقي، كانت القلّة القليلة من النساء يحظين بحياة نزيهة ومستقيمة. لذا كانت فاطمة، المدرسة الرسالية في الوعي والثقافة من خلال وقوفها الى جانب ابيها منذ نعومة اظفارها، وأقل ما يمكن قوله في هذا السياق، انها كانت تحمل عنه هموم وآلام تبليغ رسالة السماء الى المجتمع الجاهلي، فعندما كان اعداء الرسالة يتعرضون له بالإساءة كانت تنظف ما على رأسه في البيت وهي تبكي بكاءً مراً فيما كان النبي يصبرها ويشدّ على قلبها.

تراكمات هذه المشاهد والمواقف وحرصها على الرسالة السماوية بان تؤدي دورها الحضاري بإنقاذ البشرية من ظلام الجهل والتخلف والظلم، هو الذي فجّر ذلك الموقف التاريخي العظيم بعد حادثة الهجوم على الدار، فقد كانت خطبتها المعروفة في مسجد ابيها رسول الله، بمنزلة الدرس البليغ لكل النساء عبر التاريخ، في الوعي والمعرفة والمسؤولية. فقد ذكرت الناس بماضيهم المزري، وما كانوا عليه حيث كانوا "يأكلون القد ويشربون الطرق، يخافون ان يتخطفهم الناس.... فانقذكم الله بأبي محمد"، ففي هذه الخطبة العصماء، كشفت الزهراء، عليها السلام، فضل الاسلام وفضل ابيها النبي الاكرم، على المسلمين وعلى الانسانية، كما وضعتهم امام مسؤوليتهم التاريخية والحضارية، بان لا ينقلبوا على اعقابهم. كل هذا لم يكون إلا عندما كانت، عليها السلام، تلك المرأة الواعية بعمق للأحداث ومجريات الامور. ولم تكن بتلك المرأة المحصورة بين جدران منزلها، تعبد الله وتسبحه، وتربي اولادها، وتحسن المعاملة مع زوجها ضمن برنامج يومي رتيب، كما لو انها تعيش لوحدها في هذه الحياة.

نعم؛ كانت هي الأم التي تربي الاولاد والزوجة التي تدير أمور البيت فتطبخ وتنظف، وتحسن معاشرة زوجها، بيد ان كل هذا كان يتم وسط المجتمع آنذاك، فكانت تبعث في نفوس النسوة القريبات منها، من جيران واقارب، الشعور بالمسؤولية إزاء الآخرين، كما مر في دعائها لجيرانها قبل ابنائها. وأن أي تطور يحصل في المجتمع وفي النظام الحاكم، يجب ان لا يكونن بعيدات عن الاجواء والاحداث.

واذا نلاحظ اليوم، في بعض البلاد الاسلامية عموماً والعراق تحديداً، التسابق المثير للدهشة للفتيات والنساء نحو طلب العلم، فانه للهروب والتخلص من تلك الحالة التي حذرت منها الزهراء، نساء زمانها. إن المرأة اليوم، تجد ان من اسباب المآسي والمعاناة التي تعيشها ويعيشها المجتمع، يعود لفقدانها الوعي والثقافة والعلم، فكان من السهل، ضياع الهوية الدينية والثقافية في المجتمع، وانجراف البعض مع تيارات الافكار الوافدة. مما سبب – بالنتيجة- الى سوق الناس في الحروب الكارثية والرضوخ للانظمة الديكتاتورية والقمعية.

من هنا يمكننا المقارنة بين المجتمع الاسلامي الذي عنفته الزهراء في تلك الخطبة بسبب تخاذله واستمرائه حالة الجهل والقبول بالامر الواقع، وبين المجتمع الاسلامي الذي نعيشه في اكثر من بلد. فالمرأة اليوم، في احسن حالاتها، تحوم حول نفسها، تفكر في الطريق التي تخرج به من عنق زجاجة المجتمع وترتقي في مدارج العلم والمعرفة لتقف امام الناس وتشهر علميتها وتفوقها على الآخرين، وانها موجودة...! فيما تكتفي شريحة من النسوة بالبيت وأداء واجباتها المنزلية بعيداً عن الضجيج، مع توفر الحد المعقول لوسائل المعيشة.

هذا المآل، غير ما تطلعت اليه الزهراء، عليها السلام، في حياتها الشريفة قبل اكثر من اربعة عشر قرناً من الزمن، وهذا – بالحقيقة- يستوقنا طويلاً للتأمل في حجم الخسارة الفادحة جراء ابتعاد المرأة المسلمة عن النموذج الصحيح والقدوة الحقيقية التي تجعلها ذات شأن في المجتمع والامة، كما في البيت والمدرسة والوظيفة ومجالات العمل التي ترغب الخوض فيها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0