بقلم: اليكس وارد
الناشر: مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية نقلا عن موقع (Vox)
ترجمة: وحدة الترجمة في مركز الفرات

 

قال الرئيس ترامب في مؤتمر صحفي مع الرئيس البولندي اندريزيج دودا ان ادارته تفكر في "بعض الامور القاسية نوعاً ما". في مساء نفس اليوم، صرح وزير الدفاع جيمس ماتيس للمراسلين انه لا يعتقد ان قدرات كوريا الشمالية تعني بالضرورة الوصول الى الصراع الوشيك، حيث ذكر: "لا اعتقد ان هذه القدرات تجعلنا نقترب من حافة الحرب، كما ان الادارة الامريكية ستستمر في استراتيجيتها في الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية".

إلا ان الامر يوضح ان الرئيس ترامب هو الزعيم الامريكي الثاني الذي يتصارع حول معالجة الامور مع كوريا الشمالية بعد تحرشاتها الاخيرة. فالرؤساء من بيل كلينتون الى باراك اوباما قد حاولوا العديد من الاتجاهات للتعامل مع "المملكة الراهبة"، مثل التعامل الدبلوماسي، وتسميتها بالدولة الراعية للإرهاب، او اهمالها بأمل ان يتساقط هذا النظام بنفسه. ولم تنجح أي من هذه الاتجاهات في الاطاحة بأنظمة كيم ووالده، او في برنامج كوريا الشمالية النووي والصواريخ البالستية بشكل عام.

قالت شينا غريتنز، الخبيرة في شؤون كوريا الشمالية في جامعة ميسوري في احدى مقابلاتها: "لم تكن السياسة الامريكية تجاه كوريا الشمالية ناجحة لعدد من العقود. اننا نرى النتائج في الوقت الحاضر ". وبما انه تم بنجاح اختبار الصواريخ الكورية في امكانية ضرب ولاية الاسكا الامريكية، فإنه على الرئيس ترامب المحاولة لإيجاد طريقة لإبعاد الخطر قبل ان يتزايد. وعلى كل حال، فإن الخيارات المتوفرة لديه واسعة مثل الرؤساء الذين سبقوه، أي: الضربات العسكرية، او الدبلوماسية او المقاطعة الاقتصادية. قد يجر الخيار العسكري الى "ضربة قاسية" على المواقع النووية لإزالة الصواريخ اضافة الى القيادة السياسية، بضمنها كيم جونغ أون. لكن المشكلة تبرز باحتمال ان ترد كوريا الشمالية الضربة من خلال ترسانتها المدفعية في ضرب حلفاء امريكا مثل كوريا الجنوبية واليابان – وبضمنهم القوات الامريكية الموجودة في كلا البلدين، حتى قبل تساقط الاسلحة النووية عليها.

ويرى الخيار الدبلوماسي ان تحاول امريكا الوصول الى اتفاق مع كوريا الشمالية، أما بإلغاء برامجها او، في الحد الأدنى، تجميد تطويرها. فخلال العقود القليلة الماضية، لم تعرب كوريا الشمالية عن اية رغبة في الوصول الى أي اتفاق، وانما كانت تكسر الاتفاقات مع الولايات المتحدة وشركائها وتقوم سراً بتطوير اسلحتها النووية والصاروخية.

أما العقوبات الاقتصادية فإنها تعني المزيد من الآلام الاقتصادية على بيونغ يانغ التي تؤدي بالضرورة الى المزيد من التكاليف العالية على برامجها، الا انه هناك الكثير من المواد التي تحتاجها البلاد، مثل الاسلحة والوقود، التي تمت تحت المقاطعة الامريكية الشديدة ولكن لم تستطع تغيير مسيرة كوريا الشمالية. وبالتالي، ستكون خيارات الرئيس ترامب ضعيفة ومليئة بالمخاطر، كما قال لي جيمس ميللر، المسؤول الكبير في وزارة الدفاع الامريكية خلال الفترة 2012 الى 2014.

النواحي السلبية في التعامل مع كوريا الشمالية

وكما قالت لي غريتنز هناك ثلاثة خيارات واسعة امام الرئيس ترامب يمكنه الاختيار منها:

1-الضربات العسكرية.

2-الدبلوماسية.

3-المقاطعة الاقتصادية.

الا ان الامور تظهر ان الخيار الاول هو خطر بشكل لا يصدق، اما الخيارين الاخرين الثاني والثالث فأمورهما متشابكة.

أولاً: الخيار العسكري

انه الأمر الاخير الذي يرغب به وزير الدفاع جيمس ماتيس وهو الحرب مع كوريا الشمالية، فحسبما ذكر لوكالة سي بي أس "ان الصراع مع كوريا قد يكون من اسوأ انواع القتال في حياة الشعوب". أما الجنرال فنسنت بروكس، قائد القوات الامريكية في كوريا الجنوبية، فيعتقد ان التوترات بين شمال وجنوب كوريا ستتصاعد، والذي يمنع الطرفين من الاقتتال هو "السيطرة على النفس". وبعبارة اخرى، لا يمنع الطرفين من الاقتتال الا التحرشات الكبرى وسوء التقديرات. هذه ليست المشكلة الوحيدة بين الكوريتين، وانما كذلك الامر بالنسبة للولايات المتحدة وقواتها الموجودة في كوريا الجنوبية (23 ألف جندي). وإذا اندلعت الحرب، فإن العديد منهم سيقتلون لأنهم أهداف رئيسية بالنسبة لكوريا الشمالية. وإذا شعرت الولايات المتحدة ان كوريا الشمالية قد تتخذ الخطوة الاولى، فإنه باستطاعتها القيام بضربة صاعقة وقائية على كوريا الشمالية، وبالتالي تدمير البرامج الصاروخية والنووية، الا ان كوريا الشمالية سترد مما يؤدي بالأمر الى التهديد بسلامة القوات الامريكية الحليفة في كوريا الجنوبية واليابان.

تمتلك بيونغ يانغ أكبر ترسانة مدفعية في العالم بوجود حوالي 8000 منصة إطلاق صواريخ واسلحة المدفعية على جانبها من المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين، وبالتالي تستطيع استخدام هذه الترسانة في ضرب العاصمة سيئول، كما ان الصواريخ متوسطة المدى تستطيع ضرب طوكيو وعدد من المدن اليابانية، بحيث لا يتسع لبعضها الا عشر دقائق من إطلاق صفارة الانذار.

الا ان القتال بين الكوريتين الشمالية والجنوبية سيكون أمراً سيئاً بما فيه الكفاية. فالهجوم المتقابل الواسع بالمدفعية سيؤدي الى نتائج سوداوية. فقد بين برنامج حربي تم تنفيذه في المحيط الهادئ يعود تاريخه الى عام 2005 ان الهجوم الكوري الشمالي سيؤدي الى مقتل 100 ألف شخص في مدينة سيئول في الايام الاولى لوحدها. أما آخرون فقد توقعوا ارقاماً أكبر من هذه. ولكن برنامجاً اخر يعود الى مؤسسة المصالح الوطنية توقع ان يتم ضرب سيئول بأكثر من نصف مليون قذيفة في أقل من الساعة الواحدة.

إن هذه النتائج لا تبشر بالخير لأي فرد في واشنطن حول حلفائه او اي من الخمسة والعشرين مليون نسمة الذين يقطنون مدينة سيئول. ويضاف الى كل هذا أزمة اللاجئين التي قد تخلقها الحرب، حيث سيهرب الملايين الى الشمال باتجاه الصين بسبب دمار مساكنهم نتيجة لهذه الحرب، وهو أمر لا ترغب به الصين، فهي ترغب بالاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وبالتالي تستطيع تفسير عدم رغبتها في تغيير الوضع القائم في كوريا الشمالية، اذ أن اي تغيير –كما تخشاه الصين- قد يؤدي الى مشكلات للحكومة الصينية في خضم الاحداث.

وهنا تكمن النتيجة النهائية، حسب رأي زميلي زاك بيوتشامب عندما قال: "في وضع القدرة الجبارة لكوريا الشمالية في مجال الاسلحة التقليدية والارقام المعروفة عن الاسلحة النووية، فإن الصراع في شبه الجزيرة الكورية سيؤدي الى خسارة مئات الالاف، ان لم نقل الملايين، من الارواح". وبالتالي قد تكون للضربة القاسية مخاطرها فيما قد تفعله كوريا الشمالية، كما انها مخاطرة اذ قد لا تؤدي الضربة ما كان مخططاً لها. يعود سبب ذلك ان العديد من مواقع كوريا الشمالية النووية موجودة تحت الأرض او في الكهوف، إضافة الى ان الولايات المتحدة وشركائها لا يعلمون اي من هذه المجموعات التي تحمل الرؤوس النووية، حيث انه تم اخفاء بعضها ووضعت الاخرى على منصات صواريخ متنقلة والتي يمكن تحريكها إذا احست كوريا الشمالية بالخطر، وفي كلتا الحالتين من الضروري وجود قوات خاصة على الارض في كوريا الشمالية للقيام بمناورات خطرة ونتائج أخطر.

حتى الوقت الحاضر، حاولت ادارة الرئيس ترامب تجنب الخيار العسكري، اذ ان اهتمامها في الوقت الحاضر يتركز على خليط من الدبلوماسية والعقوبات، او ما أطلقت عليه اقصى الضغوط والاشتباك. وحسبما ورد في بيان مشترك صدر ماتيس ووزير الخارجية ركس تيلرسون ومدير الاستخبارات الوطنية دان كوست في 26 نيسان ان خطة اللعبة "هي الضغط على كوريا الشمالية لتفكيك ترسانتها النووية والصاروخية وبرامج توسعها عبر العقوبات الاقتصادية واتباع الخطوات الدبلوماسية مع حلفائنا وشركائنا الاقليميين".

من الواضح، ان هذه الاستراتيجية هي قيد العمل، ولكن لنكن عادلين فإن مثل هذه المنطلقات لم تنجح مع أي من الادارات السابقة َ. حاولت امريكا والاخرون، منذ عام 1985، الوصول الى نوع من الاتفاق الدبلوماسي او المفاوضات الدبلوماسية مع كوريا الشمالية، حسبما اوردته جمعية الحد من التسلح. وقاربت من التوصل لذلك في مناسبتين. ففي عام 1994، وقعت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية اتفاقية الإطار، حيث وافقت كوريا الشمالية على تجميد برنامج اسلحة البلوتونيوم مقابل مفاعلين نويين والوقود على حساب الولايات المتحدة. على كل حال، انهارت الاتفاقية في عام 2002، وبحلول كانون الثاني 2003 استأنفت كوريا الشمالية برنامجها النووي.

وفي شهر آب 2003، قام المجتمع الدولي بما أطلق عليه (المحادثات السداسية) التي هدفت الى اقناع كور يا الشمالية بوقف برنامجها النووي من خلال التفاوض مع خمسة أطراف اخرى، هي الصين والولايات المتحدة الامريكية وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا. وفي ايلول 2005، بان ان المحادثات قد بدأت أكلها، فقد وافقت كوريا الشمالية رسميا على ترك "جميع الاسلحة النووية والبرامج النووية الحالية" مقابل المساعدة في مجال الطاقة الكهربائية من هذه الدول. لكن في عام 2009، وفي خضم الاختلافات حول التفاصيل الفنية المتعلقة بالتحقق، انسحبت كوريا الشمالية من المحادثات، وذكرت انها لن تعود للمفاوضات وأنها غير ملتزمة بالاتفاقيات، وبذلك عادت الى برامجها النووية والصاروخية منذ ذلك الحين.

وتعتقد كيلسي دافينبورت، وهي خبيرة كورية شمالية في جمعية الحد من التسلح، ان الدبلوماسية هي أفضل الفرص للنجاح، الا انها ستكون على حساب مصالح الولايات المتحدة. وقالت: "سيتطلب الامر ان تضع الولايات المتحدة شيئاً على الطاولة ترغب به كوريا الشمالية، ربما تقليل التمارين العسكرية الامريكية – الكورية الجنوبية". وستشعر كوريا الجنوبية، التي تعتمد في أمنها على الاسناد والحماية الامريكية من الصين وكوريا الشمالية، بالقلق حيال الالتزام الامريكي إذا تمت الصفقة على هذا النحو. فالرئيس الكوري الجنوبي (مون جاي ان) يبحث عن حل اقل حدة مع كوريا الشمالية من خلال العقوبات الاقتصادية المشددة بدلا من المناورات العسكرية. وهكذا تتقيد يدا الرئيس ترامب الضعيفتين في الرد على كوريا الشمالية، التي تزداد يداها قوة بعد تجاربها الصاروخية الاخيرة.

وتلاحظ غريتنغز من خلال الحديث عن العقوبات ان كوريا الشمالية كانت في وضع أفضل في فترة ما قبل الاتفاقات، فقد حققت كوريا الشمالية قفزة الى الامام في الحصول على صاروخ يستطيع حمل اسلحة نووية الى أكبر مدن الولايات المتحدة، وبالتالي سيكون من الصعب استخدام العقوبات لتغيير سلوك كوريا الشمالية عند بدأت بيونغ يانغ تشعر انها قريبة من نهاية خط السباق. اضافة الى ذلك، لم تكن فكرة العقوبات ضد كوريا الشمالية بجديدة، فقد تركزت العقوبات على المواد الرئيسة المستوردة من والمصدرة الى كوريا الشمالية، مثل الاسلحة صغيرها وكبيرها، والفحم والمعادن والوقود وبضائع الرفاهية مثل اليخوت، والتمويل لبرامجها الصاروخية والنووية، وكذلك منع السفر للدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة وخصوصا لمواطنيهم الذين يعملون في البرامج النووية لأقطارهم، ولكن رغم كل هذا استمرت كوريا الشمالية في تحدي الضغوط الدولية بتحسين برامجها.

وهناك مناورات اخرى يستطيع الرئيس ترامب القيام بها، اذ يمكنه زيادة البرنامج السيبراني من اجل تخريب منصات الصواريخ الكورية خلال الثواني الاولى، وهو الامر الذي قام به الرئيس اوباما. كما يستطيع الرئيس ترامب ارسال المزيد من حاملات الطائرات على طول شواطئ شبه الجزيرة الكورية كاستعراض للقوة بأمل ارغام كوريا الشمالية على وقف تجاربها. أو انه يقر بقبول كوريا الشمالية كقوة نووية ذات امكانية ضرب الولايات المتحدة، وبالتالي ستحاول الولايات المتحدة وشركائها احتواء طموحات كوريا الشمالية النووية وصد هجوم من بيونغ يانغ، الا ان القبول ببرنامج كوريا الشمالية كما هو سيكون امراَ شديد الصعوبة قبوله من قبل الرئيس ترامب. وهكذا سيكون الرئيس ترامب مقيداً بيديه الضعيفتين في الرد على كوريا الشمالية، الا ان يدي كوريا الشمالية اصبحتا اقوى بعد التجارب الصاروخية الاخيرة، وبالتالي ليس من المستغرب ان الرئيس ترامب حاول امراً مختلفاً بالاعتماد على الصين لحل المعضلة – حتى لو لم تنجح.

الاعتماد الامريكي على الصين

كانت خطة الرئيس ترامب الاعتماد على الصين ان تقنع كوريا الشمالية بوقف برامجها الصاروخية والنووية، الا ان كيلي ماغسامن، احدى الموظفات الرئيسيات في وزارة الدفاع الامريكية في شؤون اسيا، لم تعتقد ابداً بنجاح هذه الفكرة. فقد ذكرت في احدى المقابلات: "كان الرئيس الامريكي احمقاَ في الايهام في خطته للصينيين، فمن المؤكد ان الصينيين يستطيعون اللعب بشكل رئيس، الا انهم لا يشاركوننا مصالحنا... ستستغرق العملية أكثر من مؤتمر قمة وعدة تغريدات للتحادث مع تحديات كوريا الشمالية".

برز الفشل الصيني واضحاَ في نيسان عندما بينت بعض المعلومات ان التجارة مع كوريا الشمالية قد زادت بنسبة 4ر37% في الفصل الاول من عام 2017، ويعني هذا ان الاقتصاد الكوري الشمالي يعتمد اساساَ على الصين، حيث تجهز الصين بيونغ يانغ بما تحتاجه من المواد الغذائية والوقود والمعدات. ولو قامت الصين بقطع هذه العلاقات، فستكون كوريا الشمالية في مشكلة، الا ان ما حدث هو العكس. يبدو ان الرئيس ترامب يدرك، في الوقت الحاضر، ان الصين غير راغبة بالقيام بما تطلبه امريكا حول كوريا الشمالية، كما بين من تغريداته. هذا تحول مدهش بالنسبة للرئيس ترامب، وخصوصاً بعدما شعر ان الرئيس الصيني شي قد توصل الى تفاهم حول وضع كوريا الشمالية في مؤتمر مار-آ-لوغو في شهر نيسان الماضي، وبالتالي وعد الرئيس ترامب أن يكون أكثر شدة تجاه الصين خلال حملته، مصرحاَ انه سيعتبر الصين مدمرة للعملات منذ اليوم الاول من تسنمه منصبه، الا انه غير موقفه تجاه هذا الامر لاحقاَ. وهكذا قرر الرئيس ترامب الغاء الخطة الصينية، وبالتالي عليه ان يقرر اي طريق سيسلكه.

لقد بين الرئيس ترامب نفسه انه صانع الصفقات الذي لا يضاهيه أحد، وربما سيأتي بشيْ خلاق وجديد، ومن المحتمل انه سيجد نفسه في نفس الحلقة التي وجد الرؤساء السابقين أنفسهم فيها.

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

..............................
رابط الموضوع الأصلي:
https://www.vox.com/world/2017/7/6/15922824/trump-north-korea-icbm-options-bad

اضف تعليق