بعيدا عن جو الإنكار للفوائد الكبيرة التي تقدمها التكنولوجيا والتطور المعلوماتي والتواصل المعرفي للمجتمعات على وجه العموم والمجتمع العراقي على وجه الخصوص، في ظل التطورات التكنولوجية والمتغيرات المعرفية، تبين أن المجتمع العراقي يبقى رهين الإعلام والتكنولوجيا؛ لأن هناك غياب غير مبرر للأساليب التي تُنقي وتحدد تحركات عقل المجتمع وسلوكه وطريقة وكيفية انتقاله من حال إلى حال، واستجابات المجتمع خلال ذلك الانتقال.

ثمة تساؤلات عديدة تفرض نفسها على هذا الموضوع وأهمها: هل المجتمع العراقي فكريا ومعرفيا له القدرة التامة على استقبال التطورات التكنولوجية عالية التطبيق؟، ثم ما هي هذه التطبيقات التي من الممكن تمريرها على مستخدمي الجيل الثالث؟، وما هي مؤثرات هذه التطبيقات على قارئ البيانات الدولي المرتبط بالأصل ضمن أنماط وأشكال السياسة الدولية والتحولات الفكرية المرتبطة بهذه الأشكال والأنماط؟.

فيما يخص السؤال الأول المتضمن استعداد المجتمع العراقي فكريا ومعرفيا، يبدو أن التكنولوجيا عبثت بالعقلية التطورية للمجتمع العراقي بسبب التراجع الفكري الناجم عن الاستخدام السلبي لهذه الوسيلة التطورية، والمعادلة المعرفية تقول إن أي استخدام سلبي لأي ظاهرة تطورية يقود إلى التراجع.

أما التساؤل الثاني والتطبيقات التي من الممكن تمريرها على مستخدمي الجيل الثالث فان أخطرها وأكثرها أهمية، القدرة على كشف البيانات وتحديد بوصلة الدماغ والتوجه الفكري للفرد المستخدم لهذه الخدمة وهذه القضية تحتاج إلى انتباه شديد من قادة الفكر والمؤسسات الثقافية والفكرية والتكنولوجية والإعلامية، وإذا لم تكن لدينا مؤسسات احترافية سيتعرض المجتمع إلى عملية القيادة من الخلف وبالتالي سيكون من السهل تمرير عمل فكري أو عمل سياسي أو ثقافي على المجتمع وهذه القضية إنما تحتاج إلى تنظيم وتقنين لضمان عدم الولوج أو الذوبان في العالم الافتراضي المعقد وتشعباته.

أما التساؤل الثالث والخاص بقارئ البيانات الدولي وارتباطاته أو علاقاته بالسياسة الدولية، فانه سيتمكن من رسم تحديات وتوليد استجابات محددة لدى المتلقي. وهذه النقطة من الممكن معالجتها عبر معرفة الهدف من المعلومة أو عبر تعميق الدراسات والبحوث الاستقصائية لأي تغيير تكنولوجي أو معرفي مفاجئ أو طارئ على المجتمع.

وإذا ما رجعنا قليلا إلى المنهج التحقيقي للتكنولوجيا والإعلام والاتصالات يظهر لنا بشكل مباشر مُنظّر مثلث (الأمن والتطور التكنولوجي والاتصالات) عالم الاجتماع الافتراضي في معهد (ماساشوسيتس دانيال لرنر)، وهو بالأصل ضابط في مكتب الخدمات الإستراتيجية ومتخصص بالحرب التكنولوجية النفسية، وكان المثلث اعلاه عنوان لمشروع كبير بدأ تحت اسم تحديث الشرق الأوسط، وظهرت تحت هذه المسميات العقل الافتراضي، السلوك الفيزيائي الجسد السياسي، العقل السياسي وفي الواقع كل واحد من هذه التسميات يحتاج إلى مقال مفصل.

لكن الهدف من استعمال هذه المفاهيم في عالم الفكر والتكنولوجيا المرتبط بسلوك المجتمعات كبير وخطير بنفس الوقت، خصوصا بعدما نقوم بعملية قياس نراقب من خلالها التبدل السلوكي الناجم عن هذه الخارطة، فالغربنة واستنباط ومراقبة الرأي العام وغوغائية الشعوب والميول العالمية والثقافة العصرية والمرحلة النهائية (الغربنة) او ما يسمى في علم التكنولوجيا الدولية (صناعة رأي عام نهائي ينسجم مع هدف ما) او (التقدم المُصمم سلفا)، هي محطات مهمة جدا ينبغي التوقف عندها لمعالجتها والتحقيق فيها وضبط عملية التعامل معها ؛ لأنها بالفعل سياسات تكنولوجية ومعلوماتية تسير وفق هدف محدد يحدده الماسك بكنترول التغيير والتحويل.

وإذا ما بحثنا بدقة عن الكيفية التي تمت من خلالها عملية التحكم بسلوكيات وفكر الشباب العراقي مثلا لوجدنا أن التكنولوجيا والأجندة التي تقف خلف الصعق التكنولوجي وصناعة العالم الافتراضي للشباب تهدف إلى سحب الشباب من مجتمع الأسرة (النواة الاجتماعية) عبر بث عنصر تشويقي تكنولوجي يصنع عالم التشويق الخاص مما يجعل الفرد بعيدا عن نواته الاجتماعية لفترة طويلة.

هذا الابتعاد سيخلق عملية فرق كبيرة جدا بين عقلية الأب وعقلية الشاب المبتعد تكنولوجيا عن عالمه الواقعي، سابحا في عالم افتراضي يبث أفكارا صاعقة عن التطور، هذه الأفكار غير منسجمة مع مؤهلات المجتمع، ثم يذهب السابح في العالم الافتراضي إلى مزيدا من الأفكار المرتبطة بعنصر التشويق الساحب لذهنية الفرد، وهذه العملية ستخلق اخطر مشكلة اجتماعية وهي صراع الأجيال السلبي لان المؤهلات التي وضعت في ذهنية الشباب عبر الافتراض لا يمتلكها واقعه الاجتماعي، مما يؤدي إلى مشكلة أخرى أكثر خطرا وهي الخطأ في قراءة الواقع أولا، واستعداد الفرد لأفكار جديدة، أيضا مرتبطة أما بالتطور غير المرتبط بمؤهلات المجتمع والواقع او لعالم الافتراض الذي يقود الفرد لتبني فكرة ما ذات أهداف محددة من حيث لا يشعر وبالتالي سيكون تمهيدا لمرحلة غوغائية الشعوب.

عودة إلى ذي بدء باتجاه الجيل الثالث الذي يحتمل تطبيقات عديدة تستنبط وتقود الرأي العام وتحركه وتنقله من حال إلى حال، والقدرة على اختراق العالم الخاص ربما العالم (الأيديولوجي للأفراد)، وفق هذه العمليات الفكرية لا نقول ان الجيل الثالث يمثل خطرا على المجتمع، لكن تطبيقاته إذا لم يتكيف على تقبلها المجتمع إنما تمثل خطرا محدقا على السلوك الفكري والمعرفي للمجتمع بل سيخلق مشكلة فكرية، لذلك فان تهيئة المجتمع لتقبل التطورات التكنولوجية أكثر فائدة من التكنولوجيا أصلا؛ لأننا سنخلق مجتمعا متطورا ومتجددا ومهيأ لاستقبال الصدمة التكنولوجية الكبيرة، او الضغط التكنولوجي على المجتمعات المصنفة ضمن تصنيفات العالم الثالث.

ويتوقف هنا على العقل العراقي أولا والدولة ثانيا ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات كافة ثالثا لتهيئة العقول واستدراجها عبر التكنولوجيا أو الظاهرة الحديثة المشترك فيها أكبر عدد ممكن من الأفراد داخل المجتمع العراقي، فمجتمع الفيس بوك او المجتمع اليوتيوبي تتصدر أحاديثه اليوم الساحة الفكرية وعبارة (نشر في الفيس او اليوتيوب هكذا...) او وجدتها (في الفيس بوك او اليوتيوب) تتصدر الجلسات الثقافية والقبلية و..... وهذه بقدر ما هي ظاهرة ايجابية لصهر الوعي المعرفي والفكري ضمن قالب واحد، تمثل خطرا إذا تمت عملية برمجة لطبيعة الأخبار التي يتم التداول بها او السلوكيات التي يتم نشرها، او ربما يستحوذ فريق سلبي على صناعة وإدارة الأفكار ضمن هذه الأجيال التكنولوجية.

ومحاذيرنا إنما من سلبيات التطور التكنولوجي واستجابة مجتمعنا لهذه السلبيات التي من المكن إدارة الرأي العام للمجتمع من خلاله، لذا من المفيد تهيئة المجتمع لاستيعاب هذا التحدي التكنلوجي بشكل ايجابي، وتفويت الفرصة على الذين يريدون التحكم بعقول الناس من خلال قولبتهم ثقافيا بواسطة التكنولوجيا المتطورة.

* باحث مشاركة في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية
www.fcdrs.com

اضف تعليق