لورا تايسون، ليني ميندونسا

 

بيركيلي- إن التعليم المبكر عالي الجودة للأطفال هو من القضايا النادرة التي توحد جميع الفئات الإجتماعية والتوجهات السياسية ولكن هذا الإجماع على الفوائد –بالنسبة للأطفال والمجتمع- لا يشمل التنفيذ والتمويل. إن الأخبار الطيبة هي أنه مع تنفيذ مجموعة مذهلة من النماذج الجديدة فإن الدروس الجديدة تظهر عن كيفية تشكيل وتمويل وتقييم برامج التعليم المبكر المستقبلية.

ومن أجل فهم ما التي تحاول تلك النماذج تحقيقه فإن من المفيد النظر في العلم الذي يكمن وراءها. إن من الواضح بشكل متزايد بإن السنوات المبكرة من العمر هي حيوية لتنمية الدماغ حيث تحدث من 700 إلى ألف من الوصلات العصبية الجديدة كل ثانية خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر. إن عدد الكلمات التي يسمعها الطفل خلال تلك الفترة المهمة للغاية لها تأثير كبير على قدراته العقلية المستقبلية.

لكن هناك تناقض كبير بين عدد الكلمات التي يسمعها أطفال الأباء المهنيين وأولئك الذين ينتمون لعائلات الطبقة العاملة –ثلاث ملايين سنويا في الولايات المتحدة الأمريكية- وبينما تمتلك العائلات مرتفعة الدخل 12 كتاب لكل طفل فإن أكثر من نصف مراكز الرعاية النهارية للأطفال من ذوي الدخل المحدود لا تمتلك كتابا واحدا.

تساعد بعض البرامج في تحقيق بعض المساواة فعلى سبيل المثال هناك مبادرة في الولايات المتحدة الأمريكية يطلق عليها أول 5 كاليفورنيا وهي تمول برامج لتثقيف الآباء والأجداد ومقدمي الرعاية والمعلمين فيما يتعلق بالدور الحاسم الذي يلعبونه خلال السنوات الخمس الأولى من عمر الطفل.

لكن ما يتعمله الطفل في البيت هو فقط جزء من المسألة (وإن كان جزءا مهما للغاية) فالأطفال كما تشير المعطيات يحتاجون للمدرسة كذلك وفي البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية فإن الطلاب الذين إلتحقوا بمرحلة ما قبل المدرسة لمدة سنة أو أكثر حققوا نتائج أفضل بكثير (30 نقطة) في برنامجها المتعلق بإختبارات القراءة الدولية لتقييم الطلبة مقارنة بإولئك الذين لم يلتحقوا. إن لذلك أبعاد مهمة فيما يتعلق بالإنجازات مدى الحياة وفي واقع الأمر تشير الدراسات طويلة المدى إن التعليم المبكر في مرحلة الطفولة يمكن أن يزيد الدخل في مرحلة البلوغ بنسبة 1،3-3،5%.

بالإضافة إلى ذلك هناك الفرصة التي يوفرها الإلتحاق بالدراسة مبكرا للإباء -والأمهات على وجه الخصوص– للعمل وعليه فإن من غير المفاجىء أن الإستثمار في التعليم المبكر يؤدي لفوائد إقتصادية ومالية على المدى الطويل وطبقا للحائز على جائزة نوبل جيمس هيكمان فإن الإستثمارات في التعليم المبكر تجلب عوائد جذابة للغاية حتى مقارنة بالإستثمار في المراحل الأخرى من التعليم.

إن مثل هذه البيانات قد شجعت على ظهور عدد من المبادرات لتحسين التعليم المبكر ففي سنة 2014 قامت المملكة المتحدة بتوسيع الدعم الحكومي للعائلات التي تجني أقل من 16190 جنيه إسترليني (23648 دولار أمريكي) سنويا من اجل تمكين الطلبة الذين يبلغون سنتين من العمر من تلقي 15 ساعة من التعليم إسبوعيا لمدة 38 إسبوعا بالسنة واليوم فإن حوالي ثلاثة أرباع الأطفال الذين يبلغون سنتين من العمر مسجلين في مرحلة ما قبل المدرسة مما يعطي أمهاتهم الفرصة للعمل أو الدراسة.

لكن القطاع العام ليس الوحيد في متابعة مثل هذا الإستثمار فقادة قطاع الأعمال قد بدأوا في المشاركة كذلك بدافع المخاوف من أن التعليم لم يعد قادرا على تلبية متطلبات الإقتصاد المتغير ففي تينيسي على سبيل المثال كانوا من أوائل الناس الذين إستثمروا في التعليم المبكر ولقد عززت تجاربهم الحاجة ليس فقط لإرسال المزيد من الطلاب للمدرسة ولكن أيضا للتركيز على توفير تعليم عالي الجودة ويدار بشكل جيد وتشترك فيه عائلات الطلاب ويرتبط بالتعليم المدرسي لاحقا.

لقد برزت كذلك الجهود لربط القطاعين العام والخاص فلقد أنشأت إبنة وارن بافيت سوزان تحالف النجاح المبكر والذي يجمع معا أصحاب المصلحة لتشجيع الإستثمارات والسياسات التي تقود لتحسين الصحة والتعليم والنتائج الإقتصادية للأطفال في السنوات الثماني الأولى من حياتهم.

لقد شكل الرابط بين التعليم والصحة المزيد من البرامج. إن مفوضية مبادرة أول 5 كاليفورنيا (والتي تأسست بفضل ضريبة التبغ) قد حفزت مجموعة من أطباء الأطفال –وهي المجموعة التي يميل الأباء للثقة بها- على مساعدة الآباء في فهم أهمية الإنخراط مع أطفالهم بطرق تحسن صحتهم وتطور مداركهم.

لقد تم تطبيق مبادرات مهمة كذلك على المستوى البلدي فلقد قامت بلدية سان أنتونيو في تكساس بجعل الإستثمار في التعليم المبكر أولوية وبالنسبة لمدينة يقودها الديمقراطيون في ولاية يهمين عليها الجمهوريون فلقد كان من الضروري التوصل لإتفاقية يتفق عليها الحزبان حيث تم تحقيق ذلك بفضل جهود العمدة السابق جوليان كاسترو والحاكم كريج آبوت.

إن برنامج التعليم المبكر لمدينة نيويورك هو ربما الأضخم في أمريكا حيث يلتحق أكثر من 65 ألف طفل في مرحلة ما قبل المدرسة بتكلفة سنوية تتجاوز 300 مليون دولار أمريكي. إن نوعية التعليم مهمة كذلك حيث يوجد هناك ثلاثة متقدمين مؤهلين لكل وظيفة تعليمية ولكن يشير النقاد إلى وجود مشكلة في البرنامج وتلك المشكلة تتمثل في معدلات الإلتحاق المنخفضة للأطفال من المناطق الأفقر ونظرا لإن الأطفال الأقل حظا هم الأكثر إستفادة من التعليم المبكر للأطفال فإن هذه تعتبر مشكلة كبيرة.

إن ولاية يوتاه تتعامل مع تحدي عدم إلتحاق الطلاب من ذوي الدخل المحدود بالمدرسة فلقد أبرمت لأول مرة في أمريكا عقود تدعى عقود الدفع من أجل النجاح (وتعرف كذلك بإسم سند التأثير الإجتماعي) من أجل تحسين التعليم المبكر في المجتمعات التي لديها إحتياجات كثيرة. لقد مولت مؤسسات جولدمان ساكس وجي بي بريتزكير البرنامج بإستثمارات تصل لمبلغ 7 ملايين دولار أمريكي حيث سيتم سداد تلك الإستثمارات عن طريق التوفير المستقبلي ولقد حقق البرنامج نتائج أولية واعدة مما أدى إلى التسريع في توسيع البرنامج ليشمل المزيد من الأطفال.

إن من المبادرات الأكثر طموحا التي يتم تنفيذها اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية هي مبادرة "رفع المعنويات" في مقاطعة سان ماتيو في كاليفورنيا والتي تهدف للتحقق من أن جميع الأطفال في المقاطعة يستطيعون القراءة بمستوى الصف وذلك عند وصولهم للصف الثالث على أبعد تقدير (المعدل الحالي هو 43%). يركز البرنامج على بناء القدرات للتعليم المبكر وتحسن الدعم للأطفال الذين يحتاجون لمساعدة أكثر. لقد أطلقت مبادرة رفع المعنويات من خلال تحالف واسع من قادة البلاد وتم تمويلها من خلال ضرائب المبيعات والمنح الفيدرالية والتبرعات الخيرية وعليه تمكنت هذه المبادرة من جمع مبلغ 28 مليون دولار أمريكي واشتركت فيها أكثر من 200 منظمة.

إن من الواضح أنه لا يجد نقص في عدد النماذج المتوفرة لتحسين التعليم المبكر ونظرا للمنفعة الإقتصادية لذلك ناهيك عن الرغبة الواضحة للمواطنين في الإستثمار فيه فإن الهدف الآن هو معرفة النموذج الناجح وتطويعه ليناسب الظروف المختلفة.

* لورا تايسون رئيسة سابقة لمجلس الرئيس الأمريكي للمستشارين الإقتصاديين وأستاذة في كلية هاس للإقتصاد في جامعة كالفورنيا، بيركيلي وكبيرة المستشارين في مجموعة روك كريك. ليني ميندونسا هو زميل تنفيذي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق