اضطهاد الكتاب وديكتاتورية الانترنت


إنه لأمر محزن للغاية أن ينضم الانترنت، هذه الوسيلة الرقيقة والدقيقة ذات الفوائد الجمّة، الى زمرة ظلّام الكتاب على مر الزمن، بعد الحرب والاستبداد السياسي والجهل، فالكتاب لا يتعرض للحرق ولا الإقصاء والقتل ولا الضياع، إنما يشهد حالة أشبه بالميوعة – إن جاز التعبير- من خلال ظهورها العصري في المواقع الكهربية (الالكترونية وفق تعبير أحد الاصدقاء الكتاب)، الى جانب حشود من المعلومات والإثارات التي لا تمتّ الى رسالة الكتاب في معظم الاحيان بصلة، فاذا يغيب الكتاب بملامحه التقليدية التي عهدناها في السنوات والعقود الماضية، فهو ليس بسبب تقنية الاتصالات الحديثة، إنما المشكلة في منهجية الواقفين خلف الكتاب، الذين سمحوا لهذه التقنية بأن تكتسح الساحة الثقافية بوسائل اتصالها السريعة والمجانية، مما جعلها على منصّة "الديكتاتور الثقافي"، كما حصل في مساهمة الناس بتحويل رجل السياسة، من موظف يُفترض به خدمة المجتمع، الى طاغية وديكتاتور ظالم.

لا ديمقراطية الكلمة

طالما نسمع أن الكتاب يعد قاعدة للعلم ومنطلقاً للفكر والمعرفة ومصنعاً للثقافة والوعي، بيد أن هذه الاوصاف الجميلة تبدو بحاجة الى مصاديق على أرض الواقع الجماهيري بما يجعل الكلمة في حالة تعاطي ودّي مع القارئ والجماهير بشكل عام، بما يشعرهم بأنها انعكاس لافكارهم وهويتهم وطموحاتهم في الحياة، قبل أن تكون سوطاً فكرياً بيد منظرين او أحزاب او تيارات سياسية طامحة للحكم ليس إلا.

إن العقود التي شهدت العصر الذهبي للكتاب والنشر والقراءة في خمسينات وستينات القرن الماضي، كان تمثل الفرصة التاريخية العظيمة لبناء فكر وثقافة الجماهير في جميع البلاد الاسلامية، بفضل المرحلة الانتقالية بين زوال قبضة الاستعمار وظهور الانظمة السياسية البديلة عنه، والتي كانت منشغلة في تثبيت دعائم حكمها ومد أذرعها في المنشآت الاقتصادية والمراكز التعليمية وتشييد المؤسسات العسكرية والامنية على مقاساتها الخاصة، بيد أن المكتبات آنذاك، كانت تشهد معتركاً من نوع آخر بين تيارات فكرية تتنافس بحمّى شديدة على من يسبق الآخر في وضع بصماته على ذهنية القراء، فكان ملامح التنافس واضحة بين مدارس ومذاهب نظّرت وسطّرت في المادية والقومية والاشتراكية، كما كان للمدرسة الدينية حصتها في هذا المضمار، وقد حمل عدد من المفكرين العرب وغير العرب، لواء هذه الحملة، مثل عباس محمود العقاد، وخالد محمد خالد، ومحمد قطب، وأبو الاعلى المودودي وغيرهم كثير، أما النقطة التي يلتقي عندها الجميع، فهي الهدم، لمختلف المبررات، أكثر من البناء، وهذا ما أرهق الذهنية العربية والاسلامية، وأصابها بصداع فكري قاتل، جعلها تنفر من الكتاب واطروحاته الاستفزازية والنقدية الغارقة متسلحة بالجدل بدل التنوير وكشف الحقائق وصياغة البديل الحضاري المتكامل وفق تجارب الناجحين في التاريخ الاسلامي.

هذا الوضع هو الذي دفع بالناس لأن تبحث عن واحات الاسترخاء وحياة الرغد بعيداً عن صخب الافكار وصراع النظريات، وهذا ما يوفره النظام الحاكم بما تحت يديه من ثروات وقدرات تجعل الشعوب تعيش في بحبوحة من العيش لا تفكر بشيء سوى بطاعة الحاكم المتفضّل بصياغته نظام لحياة هؤلاء الناس.

وبعد أن أغرقت البلاد والعباد بالحروب والفتن السياسية والدينية وأزهقت ملايين الارواح وأهدرت المليارات وأبيدت بُنى تحتية لبلاد عدّة، نسمع اليوم الحديث عن "السلم" و"التعايش" و"الإصلاح" و"المجتمع المدني" و"التنمية البشرية"، وغيرها من الافكار الجميلة التي يقلبها المتابع عبر مواقع النت ويطلق حسرات عميقة من عدم تمكنه من تطبيقها على واقعه بما يحقق له التغيير الحقيقي نحو الافضل.

الكتاب في خدمة الحقيقة

جاء في كتاب "الكتاب من لوازم الحياة" لسماحة الامام الراحل السيد محمد الشيرازي – قدس سره- أنه بعث بعدد من نسخ كتيب ألفه تحت عنوان "من هم الشيعة" مع أحد الاخوة المتوجهين لحج بيت الله الحرام. يروي هذا الاخ أنه أعطى لأحد الوهابيين هذا الكتيب عارضاً عليه مطالعته، وما أن وقع بصره على كلمة "الشيعة" حتى قذف به بعيداً، مظهر امتعاضه الشديد، وبعد فترة مرّ بذلك الشخص، فدعاه اليه، وكان الكتيب نفسه بين يديه، فسأل متعجباً عن سبب اقتنائه الكتيب بعد رميه في المرة الاولى، فقال: قلت لنفسي لأقرأ هذا الكتاب وأرى ما فيه، فوجدت الحقيقة المغيبة، وهي الصورة المشوهة للشيعة في اذهاننا.

وهذا مثل بسيط يورده سماحة الامام الشيرازي الراحل عن مسألة نشر الفكر وصناعة الثقافة، وفي غير مؤلف وحديث يؤكد على أن الكتاب لن يُطلب دائماً من قبل الناس، إنما يحتاج الامر الى الدعوة والترغيب والتوزيع، حتى وإن ظهرت علائم الضجر والامتعاض وردود فعل سلبية غير مشجعة اخرى، لأن الهدف سامٍ والغاية حضارية تهم الجميع، ولعلي لا أغالي بالقول: إن هذا ما لم قلّ وجوده في الساحة الاسلامية في الماضي والحاضر، لأنا الاعتداد بالرأي والفكرة هو سيد الموقف، اكثر مما نجد الاحترام لعقل القارئ والامانة تجاه فطرة الناس السليمة وصفحتهم الفكرية البيضاء.

ومن هذا المنطلق نجد أن الامام الراحل، وهو في قمة اجتهاده العلمي ومرجعيته الدينية ومكانته الاجتماعية المرموقة في العراق في عصر الثقافة الذهبي، خصص وقتاً لتأليف الكتيبات والكراسات اكثر من الكتب والمجلدات، بل حتى الاحكام الشرعية وكتاب الرسالة العملية صاغها بشكل مبتكر في سني السبعينات، على شكل سؤال وجواب، لمزيد من التسهيل على القارئ في مستوياته المختلفة.

بيد أن هذا الحراك من هذه المدرسة كان يمثل نقطة مضيئة وسط ظلام واسع، لذا نجد العودة الى مؤلفاته واطروحاته في السياسة والاقتصاد والاجتماع، من قبل الاكاديميين والباحثين وحتى شرائح مختلفة من المتابعين للشأن الثقافي.

وحتى نضع حداً لأزمة القراءة ونبعد تقنية الاتصال الحديثة والرائعة في دورها المعرفي والتعليمي، عن تهمة الديكتاتورية الثقافية، يجدر بأصحاب الشأن إعادة ثقة الناس بالكتاب وإجراء مصالحة حقيقية بينهما من خلال معاهدة شرف بتحكيم الحق والحقيقة مهما كان الثمن والتضحية في هذا الطريق بكل شيء، ثم الكف عن لغة التشاؤم في امكانية عودة الناس الى دفتي الكتاب، وأن "خير جليس للزمان" بات من الاقوال التي تفيد كتب الامثال والحكايات القديمة، أو كما يكتب البعض – مع شديد الأسف- مروجاً لـ "أمة إقرأ لا تقرأ"!! فهذا مردود على صاحبه قبل ان يكون على الامة التي لا تقرأ، على افتراض الكاتب.

ومسألة أخرى – في الختام- أن النت رغم كونه الوسيلة الجديدة للنشر، فانه قبل ان يكون مؤهلاً لنشر الفكر والثقافة، مخصص بالاساس لنشر المعلومة السريعة، وليس من شأنها الدعوة الى التأمّل فيما يطرح وينشر من اخبار ومعلومات وتحليلات وغيرها، بمعنى أنه غير قادر على أن يمتلك لسانين؛ واحداً للخطاب العاجل، وآخر للخطاب المتأنّي.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (كتب)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك