لقد كان المقدس بديهيا في المجتمعات القديمة، ولأنه بديهي لم يخضع الى دراسة او تحليل في الفكر القديم الذي يشكل المقدس واحدا من أهم مصادره ومعايير تقويمه وتصويبه، ولم يكن يقتصر على فكر تم تدوينه أو تم تناقله شفاها، بل أن العالم كان مليئا بالمقدس ويعيش مسحورا بروعة المقدس الذي يخلب اللب ويدهش النفس، فهو الخلاب والمدهش، وتلازمه أو تفسره صفات المتعالي والعالم الاخر والممنوع من بلوغه الا استثناء ولأمد محدود زمانا ومكانا، ومفارقته عن الدنيا والعالم السفلي تشكل قاسما مشتركا بين صفات المتعالي والعالم الاخر والممنوع من بلوغه الا استثناء.

ويظل محل دلالته هو ذلك الحيز الداخلي من الانسان الذي يستشعر فيه تجلي هذا المتعالي، وإستثناء بلوغه هو مساحة التجلي له في الداخل الانساني وهو مايمنح إستشعاره قوة وجودية.

ويختصرها بعض الباحثين في تعريف المقدس بالاشياء التي تشكل موضوع منع أو تحريم أو بعدم خضوعه للبيع والتبادل، في تمييزه وتفريقه عن الدنيوي والذي يشكل متعال مفارق في هذه اللحظة من التميز.

وفي مفارقته تلك ينخرط المقدس في روحانية تفوق الظواهر النفسية، فالنقطة الحاسمة في افتراق المقدس عن الظواهر النفسية، باعتبار الظواهر النفسية نتاج الظواهر التربوية والاجتماعية والتاريخية الخاصة، فان المقدس يتشارك فيه كل عالم الانسان وهو ما يمنحه ذلك الشكل والمضمون الروحي باعتباره عابرا للتربوي والاجتماعي والتاريخي الخاص، الا ماكان يشكل نماء للمقدس أو عوامل مساعدة على إرهاصاته ومن ثم تجلياته.

وفي عبوره المستمر في تاريخ الانسان وتجلياته المتعددة في إجتماع الانسان تكمن عملية سيرورته الوجودية والتاريخية التي بها يتجلى أمام الذات وجوديا وأمام الفكر تاريخيا، ومايدل على كونه متحركا عابرا مستمرا في سيرورته الوجودية والتاريخية هو إنتقالاته المستمرة والدائمة التشكل في ثقافات وحضارات الانسان المتعاقبة، لقد تحول في سماته ورموزه من العالم الاخر في الفكر القديم الى عالم الدنيا في الفكر الحديث، ومن العالم اللامرئي الى العالم المرئي، " الوطن، القومية، الجندي المجهول، العلم "...الخ، ثم هي القيم التي تأسس عليها عالم الحداثة.

تحولات المقدس التاريخية...

كان المقدس يرتبط حصرا بما هو ديني، وحتى بدايات القرن العشرين مع التوسع المثير في العلوم الاجتماعية والانثروبولوجية التي بدأت بالنظر الى المقدس من خلال الواقعة الاجتماعية وشبكة العلاقات الداخلة في صميم العلاقة الاجتماعية بالوجود الذي تحول مع دوركهايم الى الوجود الاجتماعي متخليا عن صيغ الوجود في المفهوم المفارق والمتعال، لقد أصبح الوجود إجتماعيا صرفا، ضمن العالم المرئي الذي أزاح العالم اللامرئي في الفلسفة التجريبية والحسية والانسانية الحداثوية، لكنه رغم ذلك اقتضى عند دوركهايم تضمين هذا الوجود الاجتماعي ذلك البعد من المقدس أو استبدال المقدس بارتباطه بالمتعال الى ارتباطه بهوية الجماعة أو روح الجماعة حتى يكتمل اندماجه بالمقدس باستعمال كلمة روح، إحدى إرتباطات المقدس القديمة في الفكر القديم، وبذلك تم إعادة المقدس في فاعليته في الحياة الانسانية. وهكذا بدأ مع دوركهايم توسعات انتقالات المقدس على الاقل لدى الباحثين والمفكرين الاجتماعيين.

وقد مارست الرموز الوطنية والاجتماعية بعد ذلك إضفاءات المقدس على ذواتها في أخطر تحولات تاريخية للمقدس، فالعلم الوطني والجد القومي وقبور الاباء المؤسسين أحيطت بتلك الهالة من القداسة التي صارت تنطبق عليها شروط المقدس في نظر الاتباع والابناء من الايديولوجيين السياسيين والقوميين، بل أن الايديولوجيات الفكرية – السياسية قد مسها التقديس أيضا فتحولت لدى المؤمنين بها الى أديان خطت خطوط الثنائيات القديمة في الفكر التقديسي، فإنقسم العالم الى رفاق مؤمنين بهذه الايديولوجيا وأعداء التزموا الخصومة لها. وقد وضعوا العالم على حافة حروب كونية ومدمرة.

ورغم فاعلية أراء دوركهايم في انتقالات وتحولات المقدس من العالم اللامرئي في الفكر القديم الى العالم المرئي في الفكر الحديث، إلا أن أراءه تعرضت الى انتقادات أولها أن نظريته لا تفسر المعتقدات الدينية التي هي محور المقدس ووسائله التي تعرف به أو تكشف عن تجلياته أو هي إستثتاء بلوغه بالوحي، وتعبر نظرية دوركهايم عن عبادة هي أكثر تعقيدا على الفهم وهي عبادة المجتمع. وبذلك تبقى المسافة الفاصلة بين روح الجماعة والمقدس أو روح الجماعة والاله قائمة الا مجازا وذلك يكون متاحا في القراءة التأويلية – المجازية وليس في الحقيقة الاجتماعية التي تحدث عنها دوركهايم ونظر اليها على اعتبار ان الاله-المقدس هو روح الجماعة وفي فكرته تكمن المسؤولية عن التضامن الاجتماعي...

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق