ليس النقد الادبي في منهج النقاش مجرد شرح أو تفسير للروايات والقصص
والاشعار ولكن له دورا في تنوير القاريء بالسياق العام للعمل الابداعي
وكاتبه وقارئه أيضا بهدف اشراك المتلقي في نقاش ثقافي يحمل الجدية
والمتعة معا حول اللحظة التاريخية التي يعيشها.
وفي هذا الصدد يلقي الكاتب المصري رجاء النقاش في كتابه الجديد (شخصيات
وتجارب) أضواء على لحظات ومواقف تاريخية ألهمت عددا من المبدعين العرب
والاجانب بأعمال لايزال لها حضورها وتأثيرها حيث يرى في التاريخ مصدرا
مهما "ونبعا من ينابيع الفن الجميل. والتاريخ مليء باللحظات الشعرية
الرائعة بالنسبة لاي شاعر موهوب."
فعلى سبيل المثال يشير الى أن الاهتمام بالتاريخ أفاد الشاعر
اليوناني قسطنطين كفافي (1867 - 1923) الذي ولد ودفن بمدينة الاسكندرية
بمصر حيث تعمقت رؤاه وزادت ثراء على الرغم من أنه "لم يفكر لحظة في أن
يكون مؤرخا يسجل الاحداث أو يقوم بتفسيرها وتحليلها ولكنه يتعمق في
قراءة التاريخ ليستخرج منه اللحظات الشعرية التي كان يجد فيها مادة
لقصائده."
والكتاب الذي صدر بالقاهرة عن دار أطلس للنشر والانتاج الاعلامي يقع
في 286 صفحة من القطع الكبير ويضم فصولا متفرقة عن الشاعر المتنبي
وعميد الادب العربي طه حسين وشوقي ضيف رئيس مجمع اللغة العربية
بالقاهرة الذي توفي هذا الشهر.
ويرى النقاش أن في التاريخ العربي صفحات تصلح لقصائد تخاطب النفس
الانسانية ولكنها لاتزال تبحث عن شعراء.
وقال لرويترز ان الشاعر البريطاني الاكثر شهرة وليام شكسبير (1564 -
1616) الذي ترجمت أغلب أعماله الى معظم اللغات استلهم أحداث كثير من
مسرحياته من وقائع وشخصيات تاريخية بعد اخضاعها لعملية اختيار وتأمل
وجداني بهدف تخليصها من التفاصيل التي لا تخدم الدراما.
وفي التاريخ المصري الحديث هناك واقعة اعدام بعض الفلاحين في قرية
دنشواي شمالي القاهرة في يونيو حزيران عام 1906 بتهمة الاعتداء على بعض
الضباط البريطانيين حيث كانت بلادهم تحتل مصر انذاك. ونفذ الاعدام أمام
الاهالي.
واختار الشاعر المصري صلاح عبد الصبور (1931 - 1981) أحد الضحايا
وكتب فيه قصيدة عنوانها (شنق زهران) عام 1954.
واعتبر النقاش في أحد فصول الكتاب تلك القصيدة "رواية بديعة للمحات
انسانية مؤثرة من مأساة الشاب المصري الفلاح محمد درويش زهران الذي صدر
ضده حكم بالاعدام مع ثلاثة اخرين من الفلاحين."
وأشار الى أن زهران وأمثاله لايزالون مستهدفين ولو بعد عشرات السنين
بمحاولات "غير أمينة ولا شريفة هدفها تجريد زهران من صورته كشهيد بريء.
هذه المحاولة تقول لنا ان زهران لص وقاطع طريق وزعيم عصابة وانه لم يكن
شهيدا بل مجرما نال جزاءه باعدامه شنقا."
وأضاف هذه المحاولة التي وصفها بالعجيبة جاءت ضمن سياق رواية (أمريكانلي)
أو (أمري كان لي) التي صدرت في مصر عام 2003 للروائي المصري صنع الله
ابراهيم الذي سجل ملخص محاضرة حول حادثة دنشواي للباحث الاسرائيلي
ماتيتياهو بيليد أستاذ الادب العربى الحديث بجامعة تل أبيب.
وقال النقاش ان بيليد اعتبر زهران "مجرما ذا تاريخ طويل في خرق
القانون وقد وصفته محاضر التحقيق في حادثة دنشواي بأنه زعيم العصابة
الذي حرض الفلاحين على الاساءة الى الضباط الانجليز مما أدى الى قتل
هؤلاء الضباط... واتهم (بيليد) المصريين بأنهم هم الذين قدموا بأنفسهم
الى محكمة دنشواي شهادات ومعلومات دفعت المحكمة الى اصدار حكمها بشنق
زهران وزملائه الثلاثة كما حكمت بسجن 17 اخرين."
واعتبر النقاش محاضرة بيليد عضو الكنيست الذي كان جنرالا في الجيش
الاسرائيلي "جزءا من حرب قاسية واسعة النطاق يتم شنها علينا الان. حرب
عدوانية سيئة النية ومحاولة لافقاد المصريين والعرب جميعا ثقتهم
بتاريخهم واحترامهم لانفسهم."
وأطاحت حادثة دنشواي باللورد كرومر (1841 - 1917) المندوب السامي
البريطاني الذي كان يحكم مصر منذ احتلال بريطانيا لها عام 1882 وبعد 24
عاما تم اقصاؤه عن منصبه بعد أن أثارت الحادثة "غضب الكثيرين حتى في
بريطانيا نفسها."
وللنقاش كتب نقدية منها (نساء شكسبير) و (ثلاثون عاما مع الشعر
والشعراء) و(أبو القاسم الشابي شاعر الحب والثورة) و(الاعتزاليون في
مصر) و(عباقرة ومجانين) و(قصة روايتين) وهو دراسة نقدية فكرية مقارنة
لروايتي (ذاكرة الجسد) للجزائرية أحلام مستغانمي و(وليمة لاعشاب البحر)
للسوري حيدر حيدر.
وكتب النقاش عام 1958 مقدمة ديوان (مدينة بلا قلب) أول أعمال الشاعر
المصري أحمد عبد المعطي حجازي كما كان من أول من تحمس للشاعر الفلسطيني
محمود درويش وأصدر عنه عام 1969 كتاب (محمود درويش شاعر الارض المحتلة).
واكتشف رواية صارت من كلاسيكيات الادب العربي هي (موسم الهجرة الى
الشمال) للسوداني الطيب صالح حيث أعاد النقاش نشرها في سلسلة (روايات
الهلال) حين كان رئيسا لتحريرها في نهاية الستينيات. |