إننا رغم وجودنا في عصر الحضارة العلمية الشاملة والازدهار الفكري
العام والتقدم المدهش للعلوم والتكنولوجيا وتوفر مختلف وسائل الرفاه
والراحة للبشرية وإمكان الاستفادة من مختلف الظواهر، رغم كل هذا نجد
الإنسان قد تحول إلى موجود يتملكه البؤس والشقاء والمرض والتعب بدل أن
يتحول إلى موجود سعيد متكامل!
فنتيجة للتعقد في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وشدة التنافس بين
الأفراد والأمم والجماعات، وتعدد مطالب الحياة، والخطى السريعة التي
يعدونها الناس طلباً للرزق وسعياً وراء الجاه والمال، وازدياد عدد
السكان وتزاحمهم، والحروب الساخنة والباردة التي تهدد كيانهم الروحي،
وتترك سلسلة طويلة من انهيار المثل العليا وتفكك أواصر الحياة الزوجية،
وانزلاق الأحداث في سبيل الأعوجاج التي تؤدي بهم في نهاية الأمر إلى
الكثير من المشاكل والعلل النفسية.
والأعقد من ذلك تأثير هذه المشاكل على الأطفال واليافعين، حيث (20)
في المئة من أولئك الأطفال يعانون مرضاً عقلياً معوقاً، ويحتل الانتحار
المرتبة الثالثة بين أسباب وفيات اليافعين، ولفت مدير قسم حماية الصحة
في منظمة الصحة العالمية (إمرو) الدكتور أحمد محيط إلى أن في دول إقليم
شرق المتوسط حيث تقل سن ثلث السكان عن (15) عاماً، تكاتفت أسباب العنف
والحروب والصدامات لتصبح من المهددات الرئيسة لصحة الأطفال واليافعين
النفسية.
وكشفت دراسة أجريت في الإمارات العربية المتحدة أن الاكتئاب والتوتر
واضطرابات التصرفات والرهاب المرضي هي أكثر الأمراض التي يعانيها أطفال
الأقاليم، وفي الأراضي الفلسطينية وجدت دراسة أن غالبية الأطفال
واليافعين بين (9 – 18) عاماً تعرضت إلى متوسط أربع صدمات نفسية.
فقد سلبت الراحة والهدوء من الناس وحل محلهما الاضطراب والقلق.
ومن هنا ينطلق الجيل القلق التائه للبحث عن ضالته ولأنه لا يجدها –
لأنها غير متوفرة إلا في ظل الإيمان – فإنه يلتجئ إلى الخمر والأفيون
والأقراص المسكنة والمنومة أو أنه ينتهي به الأمر إلى الانتحار!
وذلك لأن العلوم المادية إنما تستطيع أن تشبع الجانب الجسمي في
الإنسان وتسد احتياجاته متغافلة عن الجانب الأكبر تأثيراً في الوجود
الإنساني وهو الروح والاحتياجات النفسية والمعنوية الأخرى، فعدم
الإيمان في الكافر يسبب في ضحالة الحياة وخلوّها من أي معنى ومع هذا
تراكم المشكلات المادية عليه يوصله إلى القلق والمرض ثم الانتحار.
أو ضعف الإيمان في المسلم حيث حسب إيمانه يتأقلم مع المشاكل ويصمد
أمام الصعوبات لكنه سرعان ما ينهار ويفقد صوابه وإن كان للتوبة
والاستعداد مكان.
أما الإيمان الحقيقي هو الذي يمنح الحياة مفهومها ومعناها الأصيل،
والذي مشى بكل إصرار على طريق معرفة نفسه يصل لا محالة إلى معرفة ربه
وبالتالي يصل إلى تكامل نفسه وفرديته.. فبدون الإيمان لا توجد راحة
مطلقاً.
فهذه الحياة الضيقة الموبوءة والمملوءة بالقلق هي نتيجة انعدام
الإيمان وبالتالي فقدان الملجأ الفكري والمأمن الروحي المعنوي في
الحياة الفردية والاجتماعية في هذا العصر المضطرب ولأجل الخلاص من هذه
الدوامة المهولة والنجاة من أنماط القلق وأشكال الاضطراب لا بد من
اللجوء إلى الاعتقاد بالله والإيمان به، والتدين بالدين الحق وإتباع
تعاليمه السامية والعادلة. |