الصفحة الرئيسية

الأعــداد السابقــة

فهرست العــدد

إتصــلوا بـنـــا

ردك على هذا الموضوع

دكتاتورية الأكثرية

 عقيل رحيم الساعدي

ما أن انتهت الانتخابات في العراق حتى تعالت بعض الأصوات من هنا وهناك مطالبة الوقوف في وجه الدكتاتورية، الأمر الذي جعل بعض الناس يستغربون لهذا الموقف، لأن المفروض أن الانتخابات مثلت الوقوف بوجه الدكتاتورية فعلاً، وعليه يكون هذا الهدف تحصيلا لحاصل، وهذا ما يبدو من النظرة الأولية للموضوع، وهي نظرة غير صحيحة، فالقضية أعمق من هذا بكثير والذين نادوا بهذا المطلب (أي إلغاء الدكتاتورية) ليسوا أشخاصاً سذجاً حتى يرددوا شعارات لا معنى لها.

ولكي نتبين حقيقة الموضوع لابد لنا أن نأخذ بنظر الاعتبار النقطتين الآتيتين:

الأولى: ربط الأحداث ببعضها (1) - أقصد ما قبل الانتخابات وما بعدها- وهي أحداث معاشة ومعروفة لأكثرنا نحن العراقيين.

الثانية: أن نعرف ما هذه الدكتاتورية التي أرادت تلك الأصوات الوقوف في مواجهتها.

مسيرة الأحداث

ابتدأت المواقف بالتوتر عندما اقتربت التوقعات- بخصوص فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد- بالتحقق، وهذا ما أقلق بعض الأحزاب العلمانية (2) التي أخذ احتمال فوزها في الانتخابات يتضاءل تدريجياً باقتراب موعد الانتخابات، مما أدى بهم إلى الاعتراض على الطريقة الدعائية التي استخدمتها القائمة المذكورة حيث أنها صرحت بدعم المرجعية الدينية لها، فقال بعض هؤلاء المعترضين؛ لا يجوز إقحام الدين بالسياسة (3)، وقال آخرون؛ إننا لا نريد دولة دينية على غرار إيران، وقال ثالث (4)؛ إن المرجعية منصب عظيم لا يجوز لأي أحد إدخاله في اللعبة السياسية. وهذه الآراء الثلاثة لا يمكن قبولها بأي حالٍ من الأحوال طبعاً إذا استثنينا الرأي الأول بإعتباره نظرية أو فكرة مستمرة (5) لا موقفاً آنياً تفرضه الظروف والملابسات. أما فيما يخص الرأي الثاني الرافض لقيام دولة دينية على غرار إيران، فهذا مما لا يمكن لعاقل أن يقول به، حتى ممن يرى مشروعية النظام الإسلامي في إيران، فبلد محتلُ كالعراق، وخاضع لسلطة الأجنبي الرافض بدوره رفضاً قاطعاً قيام حكومة دينية، مثل هذا البلد وفي مثل هذه الظروف لا يمكن لأبنائه تنفيذ مشاريعهم- التي تصطدم بأهداف المحتل- والمحتل يعد عليهم الأنفاس.

أما الرأي الثالث الذي رفض إدخال المرجعية في اللعبة السياسية أقول: مع رفضه هذا قد وافق على دخول المرجعية في اللعبة السياسية لأن كون السياسة لعبة يجعلها تستسيغ أي شيءٍ مهما كان مرفوضاً وغير مقبول، والكلام لا يختص بأحدٍ دون آخر، ولا بفئة دون أخرى، ما دام هذا الفرض موجوداً ومعمولاً به، فلو قُدر وانقلبت الأحداث أو عُدنا إلى الوراء قليلاً وكانت المرجعية في صف هذا القائل فهل يكون موقفه نفس هذا الموقف أم..؟

هذا ونحن نتكلم فيما قبل الانتخابات أما فيما بعدها فإن لهجة هؤلاء المعترضين قد تغيرت لأنهم أصبحوا أمام الأمر الواقع فقد فازت قائمة الائتلاف ومن هنا غيروا أسلوبهم في الاعتراض- مع الإبقاء على الموقف كما هو- فأصبح شعارهم الجديد (كلا لدكتاتورية الأكثرية) فما هي هذه الدكتاتورية يا ترى.

دكتاتورية الأكثرية شعار

ما بعد الانتخابات

القمع والإبادة وكبت الحريات هي المصاديق البارزة للدكتاتورية سواء كانت هذه الممارسات والإجراءات تتخذ من قبل الأقلية أو الأكثرية، أما المحرك والباعث لهذه الممارسات فهو مما لا يصعب معرفته، فحب السلطة والنفوذ والرغبة كلها دوافع للدكتاتورية، فحتى الأنظمة الداعية للديمقراطية تلجأ في أحيان كثيرة إلى القمع بحجة الدفاع عن الديمقراطية، وحتى الماركسية نفسها رأت ضرورة وجود هذه المرحلة- أعني الدكتاتورية كطريق لقيام النظام الاشتراكي- لأنها السبيل الوحيد للحفاظ على وجود الماركسية وديمومتها (ولكن بينما كانت الطبقة القليلة هي المسيطرة والمضطهدة للأكثرية (في النظام الرأسمالي السابق على الاشتراكية) يكون الأمر الآن بالعكس فإن الأكثرية البروليتاريا هي التي تضطهد الأقلية الرأسمالية ومؤيديها، بل إنها تقمعهم قمعاً وتبيدهم عن الوجود من خلال صراع مرير (6)) ويظهر ذلك بكل وضوح بمجرد الرجوع إلى كلمات كبار الماركسيين (7) أما الديمقراطية فلن يكون لها وجود إلا من خلال وجود الدكتاتورية نفسها وهي -أي الديمقراطية- لا تعني المفهوم الرأسمالي بكل تأكيد (بل معناها جلب أكثرية الشعب إلى جانب البروليتاريا(8)..)

وقد رفض المدافعون عن الشيوعية في العراق السير في ظل هذه القاعدة لا لانها أثبتت فشلها (من جهة نظرهم طبعا)، بل لان الأكثرية اليوم لا تعبر عن الأهداف التي تأسست من اجلها الماركسية.. أكثرية العراق تتمثل بالدين ورجاله وهذا أول المرفوضات لدى الماركسية كما ذكرنا، مع إننا لا نسلم بصحة هذا الكلام قطعا ولو عدنا إلى النقطة الأولى التي عبرنا عنها بـ(سير الأحداث) واستنطقنا الواقع لوجدنا أن هذا الواقع.. حقيقة هذا الواقع خلاف ما صوره هؤلاء المعترضون على اختلاف انتماءاتهم لان الأكثرية التي فازت في هذه الانتخابات لن تكون دكتاتورية أخرى تضاف إلى سجل الدكتاتوريات - حتى وان كان هذا الاحتمال واردا إلا انه شامل للأقلية والأكثرية على حد سواء لأسباب لا نريد الدخول فيها هنا (9).

أقول: لن تكون هذه الأكثرية دكتاتورية لسبب بسيط (10) هو أن هذه الأكثرية عانت أكثر من غيرها من الدكتاتورية لا لثلاثة عقود مضت بل لفترات طويلة من التاريخ وكأنه كتب عليها - لا لشيء سوى انتمائها - أن لا تعيش أمنة مطمئنة على مر السنين وما دام انتماؤها باقيا لم يتغير. وأخيرا نقول: ليس من العدل الحكم على الأمور قبل وقوعها فما زالت هذه الأكثرية لم تمارس فعليا إدارة الدولة فلا يمكن والحال هذه أن نسميها دكتاتورية.


1- نقصد بالأحداث ما سيتم الحديث عنه في هذا المقال.

2- كلامنا عن بعض الأحزاب العلمانية وليس كلها باعتبار ما سمعناه من مواقفهم تجاه قائمة الائتلاف وتحديدا الدكتور أياد علاوي والدكتور حميد مجيد.

3- سلطنا الضوء على هذا الرأي في مقالنا الموسوم بـ(العلمانية حل أم هروب من مشكلة) المنشور في مجلة النبأ العدد(75).

4- المقصود هو الدكتور أياد علاوي حسب ما ذكرت القناة العراقية.

5- على الرغم من نقدنا لهذا الرأي(انظر المصدر السابق من مجلة النبأ) إلا انه في جميع الاحوال يبقى ملكا لصاحبه ومن حقه ولا يمكننا مصادرته.

6- ص 293. الصدر، محمد صادق، موسوعة الامام المهدي،

7- ينظر المصدر السابق، ص 293 و مابعد

8- المصدرنفسه ص 295.

9- لمن اراد معرفة تفاصيل الموضوع مراجعة، الحكيم،محمد باقر، المجتمع الانساني في القران الكريم، المركز الاسلامي المعاصر، بيروت - لبنان، ط 1،صيف 2003م، من ص 221 - 227.

10- ليس السبب المذكور هنا هو الوحيد وإنما هناك أسباب أخرى لكن الدخول فيها خروج عن الموضوع لذلك رأينا تجاوزها.