ملفات - عاشوراء

إِثاراتٌ في الذِّكرى

عْاشُورْاءُ السَّنَةُ التَّاسِعةُ (١)

كُلَّما حلَّت ذكرى عاشوراء إِنشغلت السَّاحة بمجموعةٍ من الإِثارات العقديَّة والفكريَّة والتاريخيَّة التي عادةً ما تبدأ ولا تنتهي لحرارتِها، وهي إِشارةٌ واضحةٌ إِلى عِظَم الذِّكرى واهميَّتها وما تتركهُ من آثارٍ لا يمكنُ لأَحدٍ أَن يتغافلَ عنها ويتجاوزَها بحالٍ، إِذ لم تُشغلُ قضيَّةٌ [إِنسانيَّةٌ] الإِنسانيَّةَ على مرِّ التَّاريخ كما تفعل عاشوراء الحُسين السِّبط (ع).

لا يُمكنُنا بهذهِ العُجالة أَن نمُرَّ على كُلِّ الإِثارات، لكنَّنا سنتوقَّف عندَ أَهمِّها رُبما والتي تشغل السَّاحة أَكثر من غيرِها.

أَوَّلُها مرتبطةٌ بالعقيدةِ، فبينما يرى أَتباع مدرسة أَهل البيت (ع) أَنَّ الحُسين السِّبط (ع) على حقٍّ بالمُطلق منذُ لحظة رفضهِ البَيعة للطَّاغية إِبن الطُّلقاء يزيد بن معاوية كونهُ [إِمامٌ قامَ أَو قعدَ] وهوَ [سيِّد شباب أَهل الجنَّة] وأَنَّهُ [رَيحانةُ رسولُ الله (ص)] وأَنَّهُ السِّبطُ الذي بكاهُ جدَّهُ رسولُ الله (ص) يومَ ولادتهِ عندما أَخبرهُ جبرائيل (ع) بمقتلهِ في أَرضٍ تُسمَّى كربٌ وبلاء، يذهبُ أَتباع مدرسة الخُلفاء إِلى أَنَّهُ (ع) لم يكُن أَكثر من صحابيٍّ اجتهدَ في خروجهِ على [الخليفةِ] وقد يكونُ أَخطأَ في اجتهادهِ! فيما تطرَّفَ آخرون من هؤلاءِ فقالُوا بأَنَّهُ قُتِلَ بسيفِ جدِّهِ! عندما أَثارَ الفتنةَ التي كانت نائِمةً! أَي أَنَّ الحُكمَ كانَ على حقٍّ عندما قتلَ الحُسين السِّبط (ع) وهو إِمتدادٌ للحقِّ الذي مثَّلهُ رسولُ الله (ص)!.

آخرون تطرَّفوا أَكثر للحدِّ الذي نصبُوا فيهِ العداءَ للحُسينِ السِّبطِ (ع) فسمعناهُم يتمنَّونَ لو أَنَّهم كانُوا وقتَ عاشوراء لكانُوا هم الذين سيقتلونَ الحُسين السِّبط (ع) ويذبحُونهُ من الوريدِ إِلى الوريدِ!.

ثانِيَها مرتبطةٌ بالتَّاريخ وكيفيَّة التَّعامل معهُ، أَهوَ ماضٍ مضى وانقضى؟! أَم أَنَّهُ ماضٍ لحاضرٍ ومستقبلٍ بدروسهِ وعِبَرهِ وتجاربهِ؟!.

هل أَنَّ عاشوراء حدثٌ تاريخيٌّ فقط؟؟ أَم أَنَّها مدرسةٌ بكُلِّ معنى الكلمة؟! والمدرسةُ للحاضرِ والمستقبلِ كما هو معروفٌ؟!.

وهل واجبنا أَن نتوقف عندَ التَّاريخ لأَهميَّتهِ فلا نتجاوزهُ للحاضرِ والمُستقبلِ؟! أَم نستصحبهُ لحاضرِنا ومستقبلِنا فنظلُّ نعيشُ صراعاتهِ ومآسيهِ ونتقمَّص شخصيَّاتهِ بكُلِّ تفاصيلِها من دونِ أَن نمتلكَ ذرَّةً من القُدرةِ على تغييرهِ مثلاً؟!.

آخرونَ يقولونَ؛ ماذا دهاكُم؟! إِلى متى تعيشُونَ الماضي وتجترُّون ذِكرى عاشُوراء وهي لم تترُك أَيَّ أَثرٍ في سلوكيَّاتِكُم؟! أَلا يكفيكُم بُكاءً ولطماً على الصُّدور ولِبساً للسَّواء ومشياً على الأَقدامِ؟!.

ثالثُها مرتبطةٌ بطريقةِ التَّعامل مع الذِّكرى، فبينما يعتقد البعض أَنَّها ذكرى أَلم ومأساة وتراجيديا ودمُوع وعَبرة، وأَنَّها شعائر ليست إِلَّا وهي حركةٌ غيبيَّةٌ بحتةٌ لا يجوزُ أَن نُحلِّلها أَو نتعامل معها بالبُعدِ المنطقي والفلسفي والثَّوري، يعتقد آخرُون أَنَّها خرُوجٌ ثوريٌّ على السُّلطةِ الظَّالمة وحركةٌ واقعيَّةٌ تعامل الحُسين السِّبط (ع) مع مُفرداتِها وتفاصيلِها خُطوةً بخطوةٍ حسبَ الظُّروف والتطوُّرات وما رافقها من إِنقلاباتٍ في المواقفِ.

على صعيدِ الخِطاب الحُسيني كذلكَ هُنالكَ إِثاراتٌ كثيرةٌ، فبينما يرى [السلفيُّون] ضَرورة أَن يحتفظَ المِنبر الحُسيني ويتمسَّك بمنهجيَّتهِ التُّراثيَّة التَّقليديَّة كاعتمادهِ على القَصص والتَّفاصيل التي ما أَنزلَ الله بها مِن سُلطانٍ! وعلى ثقافةِ الأَحلام ليبقى مصدرَ إِثارةٍ للحُزنِ! يرى آخرُون ضَرورة أَن ينهض المِنبر بخطابهِ ليرتقي إِلى مُستوى التحدِّيات العلميَّة المُعاصرة لينجحَ في إِقناعِ الأَجيال الجديدة برُؤَاهُ ومروَّياتهِ، فيكونُ أَداةً من أَدواتِ الوعي والنُّهوض الحَضاري للأُمَّة، يُساهِمُ في مُعالجةِ المشاكل وتقديم الرُّؤَى وقِراة المُستقبل بمنطقٍ وعقلانيَّةٍ وعلميَّة.

إِنَّ كُلَّ هذهِ الإِثارات يُمكنُ أَن تكونَ عاملاً مُساعداً في رفدِ الرِّسالةِ التي أَرادت عاشوراء تبليغها للبشريَّة على مرِّ الزَّمن، إِذا ظلَّت في إِطارِ الحِوار العقلاني المنطقي والعِلمي والتَّاريخي الرَّصين، فذلكَ يمنحُنا فُرصة تحقيقِ مبدأ {ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ} القُرآني.

أَمَّا إِذا كانت في إِطارِ المُشاحنات والسُّباب والتُّهم والإِفتراءات والفضائح فبالتَّأكيد ستكونُ سبباً للفُرقة والتمزُّق والنِّزاعات التي تُضعف جبهة الحق، جبهة عاشوراء، وبالتَّالي تُضيِّع رسالتها الحقيقيَّةِ.

أَنا أَنصحُ دائماً بالتَّهدِئة في الحِوارات العقديَّة والفكريَّة والثقافيَّة والتاريخيَّة والتُّراثيَّة، حتَّى لا نُضيِّع على أَنفُسِنا فُرص التَّجديدِ والإِبداعِ الفكري، مِن جِهةٍ، ولأَنَّها حسَّاسةٌ تمُسُّ دين النَّاس ومعتقداتهِم ومشاعرهِم، فلا ينبغي أَن يدَّعي أَحدٌ بأَنَّهُ يمتلك كُلَّ الحقيقة ليأُخذَ بالمِعول ويهدِم كُلَّ الآراء الأُخرى لصالحِ رأيهِ فقط، أَو أَن يستلَّ سيفهُ ليشرَع بتقطيعِ كُلِّ خيوط الحِوار مع الآخر بذريعةِ الدِّفاعِ عنِ الحقيقةِ المُطلقةِ التي يحتفِظ بها تحتَ جُبَّتهِ!.

أَقولُ ذلكَ تحديداً فيما يخصُّ أَتباع المدرسة الوِاحدة، فإِذا شهرَ أَبناؤُها سيوفهُم بوجهِ بعضهِم وهم يُناقشُونَ مثلَ هذهِ الإِثارات، فكيفَ سيتحاورُونَ مع الآخر؟! وبأَيَّة أَدوات ووسائِل؟!.

إِذا لم ننتبهَ لأَنفسِنا عندَ الحِوار فسنتقمَّص دَور [الدَّواعش] وإِن لم ننتمِ إِليهم! وسنتسلَّح بالإِرهابِ الفكري بدلاً من {جَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ}.

إِهدأُوا واحذَرُوا.

اضف تعليق