إسلاميات - الإمام الشيرازي

في مواجهة أساليب الأنظمة الفاسدة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

(إن المجتمع الذي يمتلك سعة الصدر سوف يتقدم على غيره من المجتمعات)

الإمام الشيرازي

للأنظمة السياسية الفاسدة والفاشلة أساليبها التي تسعى من خلالها لتدمير قدرات المجتمع، وهذه الأساليب والوسائل كثيرة متعددة ومتنوعة، وقد لا يبالغ مراقبون حين يؤكدون على أن هذا النوع من الأنظمة السياسية يخسر مئات المليارات لكي يوفر خطط مبتكرة لتدمير المجتمع وطاقاته ومحاربة كفاءاته، وخير دليل على ذلك الأنظمة الدكتاتورية المعروفة في شتى بقاع العالم، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

هذه الأنظمة تبدو في الظاهر أنها قوية كونها مدججة بالأسلحة والتشكيلات القتالية المختلفة كالجيش والشرطة والأجهزة الأمنية التي تجعلها حامية لعرشها، بعد أن تصرف عليها أموالا طائلة كان يُفترَض صرفها في مجالات التنمية والتطوير والاستقرار والتقدم، لكن الهم الأول للأنظمة الفاسدة حماية السلطة لكي تبقى تسرق وتتجاوز على حقوق الناس من دون مراعاة لأي معيار قانوني أو تشريعي أو حتى اجتماعي، لذلك يجب أن تكون هناك ثورة واعية ضد هذا النوع من الأنظمة وتلاحم من طراز خاص.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة):

(في مرحلة البناء يجب أن نترك ونتجنب النظرات الحزبية الضيقة، ونترفّع عن الخلافات، ولو كانت هناك خلافات بيننا فيجب أن تتحول إلى سلاح من أجل التغيير في مواجهة الأنظمة الفاسدة).

وفي مرحلة مواجهة الفاسدين، هناك أساليب خاصة للتعامل الاجتماعي المتبادَل بين أصحاب القضية والهدف، وهؤلاء هم الذين يتصدون لحكومات الفساد، فعليهم أن يتصفوا بصفات النقاء والتعاون وعدم التمييز بين شخص وآخر، وأن تكون التقوى وحسن الإدارة عنوانا واضحا لأعمالهم، ولا يصح ترك الثغرات أمام العدو لكي يزرع العداوة بيننا، طالما أننا أصحاب رسالة وهدف يتمثل بالقضاء على الفساد والفاسدين.

هذا ما يؤكده الإمام الشيرازي في قوله: (لابد أن تكون قلوبنا مفتوحة للآخرين، وأن لا نفرق بين هذا وذاك وأن يكون المقياس لدينا هو التقوى وحسن الإدارة).

كما أن أصحاب التغيير يجب أن يستعدوا ويتدربوا جيدا على السلوكيات الصحيحة للقيادة والإدارة، فلا يمكن أن تكون قائدا أو مديرا ناجحا وأنت مصاب بالصفات السلبية المحبِطة كالنفاق والحسد وضيق النظر، لأن من يريد التغيير عليه أن يتحلى بالصفات الجيدة حصرا، كونه المتصدي للتغيير والقائد له، لذا عليه أن يكون ذا صفات مثالية.

تحجيم القيم السلبية

(إننا إن اتصفنا بأخلاقيات وسلوكيات فاسدة كالحسد والنفاق والنظرات الضيقة فلن نستطيع أن نؤسس حكومة أو نظاماً أقوى من الأنظمة القائمة). هذا ما يراه الإمام الشيرازي، كما أن الله تعالى لا تعنيه الأفعال والأعمال التافهة، إنما يرفع تعالى الأعمال الصالحة، لذا يجب التنبّه إلى طبيعة الأعمال التي يقوم أصحاب التغيير بإنجازها أو إتمامها.

يقول الإمام الشيرازي: (إن الله سبحانه وتعالى إنما يرفع العمل الصالح، أما العمل الذي يشوبه النفاق والرياء فيبقى في الأرض بل ينتقل إلى سجّين، لذا على الأمة أن تبني نفوس جماهيرها وتتحمل المشاكل وتجتاز العقبات، فعلينا بتربية أنفسنا وإعدادها وفق هذا المقياس).

ليس القيادات وحدها المسؤولية عن إحداث التغيير المطلوب ضد الفساد، وإنما المجتمع برمته تقع عليه مسؤولية هذه المواجهة والمشاركة فيها من خلال الاتّصاف (بسعة الصدر) واحترام الكفاءات وتقديرها ومراعاتها ومنحها الفرص اللازمة للمشاركة في محاصرة الفساد والفاسدين، والابتعاد عن التركيز عن المصالح الفردية أو الفئوية الضيقة.

المجتمع الذي تسوده ثقافة المصالح الضيقة سوف يكون متأخرا عن تلك المجتمعات التي تنفتح على بعضها، وتمنح الفرص المتكافئة للآخرين، ولا تتصرف بأسلوب النظرة الضيقة والمصلحة الفردية السريعة، بل هناك بعد نظر وتخطيط بعيد المدى يحترم ويستثمر الكفاءات والطاقات التي تتوافر في المجتمع.

يقول الإمام الشيرازي:

(إن المجتمع الذي يمتلك سعة الصدر ويبحث عن الكفاءات والمقاييس الصحيحة ولا يبحث عن العلاقات والارتباطات الحزبية الضيقة، هذا المجتمع يتقدم على ذلك المجتمع الذي يفكر في مصالحه الشخصية الضيقة فقط).

إن مواجهة الأنظمة الفاسدة تبدأ بإتقان ثقافة (سعة الصدر)، والمثابرة المستمرة في المواجهة، وأهم مرتكز في هذا المجال التفكير بمصالح الآخرين، وعدم التفكير بالمصلحة الفردية أو الحزبية أو الفئوية الضيقة، وحين ينتشر هذا النوع من التفكير والعمل (حماية مصالح الآخرين)، فإن هذا السلوك الكبير سوف يتسبب بخسائر فادحة للفاسدين.

(تربية الإنسان لنفسه على سعة الصدر، والتفكير الجدي في مصلحة الآخرين وفي مصلحة أمته والعالم وقبل كل شيء في إسلامه وقيمه من الأمور التي يجب أن يتحلى بها أبناء شعبنا بجميع فئاته وفصائله، ففي ذلك خسران العدو واقتراب نهايته بإذن الله تعالى).

صناعة المستقبل المشرق

وحين نُسْأَل لماذا التركيز على محاربة الفساد، وفضح الأنظمة الفاسدة، ونشر ثقافة واسلوب (سعة الصدر) وحماية مصالح الآخرين، فإن الهدف من وراء ذلك (صناعة المستقبل المشرق)، وهذا ما تتطلع له الأمم والشعوب الحرة، فالجميع يطمح بمستقبل يليق بأجياله القادمة، وهذا لا يتحقق ما لم تتم مواجهة بؤر الفساد المتفشية في حواضن الأنظمة الفاسدة، بسبب رعايتها للفساد والفاسدين.

(إننا نتطلع إلى مستقبل مشرق، وهذا المستقبل يتطلب منا الوحدة والتعاون والتنسيق بين طاقاتنا الفكرية وقدراتنا المادية، وتسخيرها في خدمة القضية الأساسية). هذا ما يراه الإمام الشيرازي، ويركّز عليه دائما، ويدعونا إلى التشبث به لصناعة مستقبل زاهر يتم التأسيس له حاضرا من خلال خطط مدروسة ومعدَّة جيدا من خبراء لهم باعهم في هذا التخصص.

يستحق مثل هذا الهدف الكبير، الذي يتمثل في بناء المستقبل المشرق للأجيال القادمة، أن نصبر عليه، وأن نعلّم نفوسنا التأني والمجالدة والعمق، والتركيز على الأهداف العميقة والتطلعات الكبيرة السامية التي تستحق أن نبذل من أجلها الجهد والوقت والمال وكل شيء غال ونفيس، على أن يتحلى قادة الركب بكل هذه الصفات الكبيرة.

يقول الإمام الشيرازي: (لتكن نفوسنا صبورة ورؤانا بعيدة، ولتكن أهدافنا وتطلعاتنا سامية، حتى تكون شخصيتنا قادرة على استيعاب المجموع وتجميع طاقاته وقدراته).

وأخيرا لماذا علينا مواجهة أنظمة الفساد؟، إنه سؤال مطروح، والإجابة عليه معروفة أيضا، لأن الحياة لا تصلح مطلقا بوجود الأنظمة الفاسدة، كونها تقوم على تدمير القيم، والتجهيل، والتخريب، وصناعة الفوضى، لكي تربك المجتمع، وتضعضع بنيته الاجتماعية، وتجعله معزولا عن القيم التي تصونه وتحصّنه من الانهيار.

كما أن ديمومة أنظمة الفساد، تعني ديمومة أساليب الهدر والتدمير، وإيقاف عجلة التقدم، فيما يتسارع التقدم العالمي من حولنا ونحن غافلين عمّا يجري في كواليس الفساد المظلمة، لذا يتوجب الإعداد لهذه المواجهة، ومدّها بعناصر الاستمرارية، حتى لا تُهدَر طاقات وثروات المسلمين أكثر مما يجري أمام أعين الجميع.

لهذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(إن الإعداد لخوض الصراع مع الأنظمة الفاسدة أمر لا بد منه، وإلا فإن هذه الأنظمة ستدوم سنوات أطول، وإنها ستبدد طاقات المسلمين وقدراتهم أكثر فأكثر).

إن أساليب مواجهة الفاسدين واضحة، ولا تحتاج إلى شرح وتفصيل أكثر، بل تحتاج إلى الإيمان والقناعة بها، ومن ثم التخطيط لتحويلها من خطوات إلى أفعال، مع أهمية أن تكون ذات بعد استراتيجي غير محدود، كون الفساد موجود بوجود الحياة، ومكافحته مطلوبة ما دام البشر موجودون، كون الحياة نفسها قائمة على الشيء ونقيضه.

اضف تعليق