منوعات - بيئة

قبل أن تقع الفأس بالرأس

حتى اليوم لم تمطر السماء، ولم نشعل مدفأة، فالشتاء بالمعنى الذي عرفناه قبل عقود لن يطل بعد الآن، ذلك الشتاء الذي تتجمد فيه المستنقعات والسواقي الصغيرة ليُحرم أطفال المدن من لعبة الزوارق الورقية في مياه الأمطار، والاستمتاع بتكسير الجليد بالمشي عليه.

يختلف هذا العام عن الذي قبله اختلافا كبيرا، فما زلنا بانتظار المطر ليغسل الأجواء والأشجار المتربة، وليبث الفرح في نفوس فلاحين أنفقوا أموال طائلة لشراء بذور ونثرها في الأراضي الديمية، حتى اليوم لم أسمع تذمرا من أحد عن شحة النفط الأبيض كما في الأعوام السابقة، ولم أر أصحاب (التناكر) يساومون الأهالي بمبالغ مضاعفة لتوفير نصف برميل من النفط، ولم أشهد ازدحاما أمام محطات توزيع الوقود.

قبل سنوات وفي مطلع شهر تشرين الثاني كنت في قطر للمشاركة في مؤتمر دولي، حينها نقلت وسائل الاعلام صورا لغرق بعض شوارع وأزقة بغداد وأنفاقها بالأمطار مع موجة برد شديدة، ما أقلقني في كيفية مواجهة الأهل لهذه الموجة وكمية النفط التي لديهم أوشكت على النفاد، بينما تعذر عليّ في الدوحة فتح نافذة غرفة الفندق لحرارة الجو اللاهبة والرطوبة المزعجة، حتى استغربت من تسمية هذه المدينة باسمها، ولكن يبدو انها جاءت مقارنة بالصحراء التي تكون فيها الأجواء أكثر قساوة، ومع ان المناخ في الدوحة مزعج لغير سكانها بضمنهم العراقيين الذين لم يعتادوا عليه حتى الذين يسكنون في مدينة البصرة، فالمناخ فيها أقل وطأة مما هي عليه الحال في قطر او الأمارات.

لكن الجهات المسؤولة هناك لم تقف مكتوفة الأيدي، فعملها متواصل وعلى أشده في تشجير الجزرات الوسطية وجوانب الشوارع، وانتشار النافورات في أغلب المناطق، والعناية بالحدائق العامة بالرغم من صعوبة هذا العمل الذي يقتضي في بعض المناطق تبديل التربة لعدم صلاحيتها للزراعة، وجلب غيرها من أماكن أخرى قد تكون بعيدة.

لقد بدأنا نتلمس تغييرات المناخ بشكل واضح هذه السنة والتي قبلها وربما السنوات القادمة تكون أكثر صعوبة، ودرجة الحرارة قد تفوق نصف درجة الغليان في جميع أرجاء البلاد وعدم اقتصارها على محافظات الوسط والجنوب، ونحن معنيون قبل غيرنا بهذه التغييرات، وان القلق الدولي الذي تمثل بعقد العديد من المؤتمرات وما رافقها من تظاهرات للجماهير المهتمة بالبيئة له ما يبرره تماما، بينما لا تشغل هذه التحديات الكونية الكبيرة أية مساحة من اهتمامنا، ولا تأتي الا في مؤخرة نشراتنا الاخبارية، ولم يحدث ان أعدت وسائلنا الاعلامية برامج بهذا الشأن، او استضافت من المختصين للحديث عنها الا ما ندر.

ومع ان مواجهة هذا التحدي ليس من مسؤولية الأفراد، بل يقع بالدرجة الأساس على كاهل الدولة بأجهزتها المختلفة من وزارة الزراعة الى البلديات وصولا الى دوائر البيئة، ويمكن للحكومة أن تستثمر طاقات الأهالي في جوانب منها.

الى قبل سنوات كان الكثير من الناس يتندرون ومنهم من يستغرب تشكيل أحزاب وجمعيات دولية تدور برامجها حول العناية بالبيئة، ويكشف ذلك عن حجم تخلفنا، بل ويزعل كثيرون ومنهم قياديون في فعاليات مختلفة عندما نعترف بتخلفنا، وان مساحة الجهل لدينا آخذة بالاتساع، بالرغم من ان المدخل السليم لصحة الانسان وتقليل الانفاق على نظامنا الصحي يكمن في الاهتمام بالبيئة، فالناس تنفق نسبة كبيرة من مدخولاتها المالية في معالجة أوضاعها الصحية بسبب افتقادنا للبيئة المناسبة، انظروا الى تضاعف أعداد الصيدليات والعيادات الطبية والزخم الحاصل في مؤسساتنا الصحية.

ان تغييرات المناخ التي ستنعكس سلبا على بلادنا مع شح المياه وتذبذب الكهرباء سيجعلنا أمام تحد خطير يعرض الناس لمآس جديدة، وستهدر موارد الدولة في التصدي للتداعيات الناتجة عن هذا التحدي وليس التحدي نفسه، فما الذي فعلناه وما سنفعله لمواجهة هذا الخطر الداهم؟ أتمنى أن نستعد من الآن لثورة خضراء، وليس التفكير بعد أن تقع الفأس بالرأس.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق