قل واكتب ما شئت، لكن عليك ألا تسمي، واذا سميت فقبل القول او الكتابة لابد أن تضمن مكانا آمنا، لا يعرف به أقرب الأصدقاء، فلا يغرنك ما نص عليه الدستور من كفالة حرية الرأي والتعبير، مثل هذا الكلام دائما ما يُقال، وكنا سمعنا بمثله من عقود خلت دون أن نلمس تجسيدا له في الواقع، فالدستور في واد والواقع في واد آخر، ثق ولا يساورك أدنى شك ان غالبية اللاعبين بمصيرنا وليس بالسياسة لا يؤمنون بالديمقراطية خيارا آمنا، وفي دواخلهم دكتاتور متربص بالناس والشركاء، لا يختلف عنده من يحترق قلبه على الوطن فيصرخ في الميادين مطالبا باسترجاع هيبته ومكانته، او ذاك الذي يطلق الكلام على عواهنه من خارج الأسوار عبر الفضائيات.

ديمقراطيتنا التي لم تعد تعني سوى الانتخابات، أمر مفروض، ولا مناص لديهم من التنصل عنها، ولذلك تراهم يتحينون الفرص للالتفاف عليها بوسائل شتى، وهذا ما جرى في جميع نسخها، كل يريد موقعا متقدما يتسلط به على الناس من دون أن يسأل أحدهم نفسه ماذا سيقدم للمجتمع، وهل بمقدوره ذلك ام لا؟ فما عاد في الوجه ماء للخجل من الفشل، ولا ما سيكتب التاريخ.

وعند نهاية كل ولاية، تراهم يعودون ثانية أكثر حماسة من التي سبقتها، وكأن شيئا لم يكن، لا دماء اريقت ولا عوائل هجرت وأموالا اهدرت وبلادا تأخرت حتى عن تلك التي يرق لفقرها القلب.

ومع كل ما يجري تُنتقد الظواهر بالعموميات ويُخشى ذكر الأسماء مع انهم أسباب الفشل والتراجع المريع، يرون في أنفسهم أسمى من النقد، وأرفع من الاستماع للنصائح، وليسوا بحاجة لمساعدة على اتخاذ قرار رشيد، او تصويب لرؤية، يظنون مساراتهم هي الصحيحة وما عداها خطأ جسيم، بينما يزدحم الواقع بمظاهر الفشل، بل ويتفاخرون بمنجزات لا وجود لها، ولم يجنِ منها شيئا اولئك الذين قضوا أعمارهم بانتظار وهم الغد المشرق.

مضى زمن ليس بالقصير على مسيرة الديمقراطية التي أحسن المحتل تعليبها، والتذ بطعمها من اعتاد تناول (السندويجات) بديلا لمائدة العائلة، ومازال أنصارها هم أنفسهم يتصارعون على مناصب الرئاسات، ولم يغادر أحدهم زعامة حزبه بالآليات الديمقراطية التي يدعون الناس الى الحرص عليها، يستبدلون كل شيء في أحزابهم الا أنفسهم، وهل من ثمار لديمقراطية لا يؤمن بها دعاتها؟

يحاججونك بالتداول السلمي للسلطة، ولولا الضواري القابع كثيرها خارج الحدود والقليل داخلها لرأيت ما رأيت من أنهار الدم، كذبا ندعي الايمان بشراكة الوطن، وزورا نرفع شعار التصدي للمحاصصة، ولا أستثني أحدا شرقا وغربا، تنتابنا رغبة عارمة للتسلط على الآخر، افعل ما شئت شرط الا تمس الامارة حتى وان كانت على حجارة كما قال العرب، شغفُنا بالإمارة ليس بالجديد، بل في عمق التاريخ تضرب جذوره، وأكملوا كلامي بالمعنى الذي تتصورونه.

لن يقبل من لا يؤمن بالديمقراطية نظاما أمثل لحياة رغيدة، نقدا بناء من هذا او ذاك، ولتعذر التسميات ترانا نراوغ بمهارة فيما نكتب ونقول في هذه الوسيلة الاعلامية او تلك، وتحسبا راح بعضنا يتحدث عن السلاطين والطرب الحزين، اما الاسترخاء في الكلام فلا يملكه الا لمن كان خارج أسوار الغابة، تبقى ديمقراطية عرجاء تلك التي لا يوازيها اعلام حر، يمشي رجاله بطولهم وليس الى جانب الحيطان.

لقد أعادوا للممارسة ذاك الرقيب الذي ظننا انه ولى من دواخلنا، غير مكترثين الى ان فتح الصدور لما يُقال عنوان لثقة القائد بنفسه، فمن الكلام ما هو نافع، صدقوني ان الذي يراد به تشويه صور الزعامة مفضوح، ولن يكون بأكثر وأشد من الوافد، وثقوا ان القداسة تغدو شكلا مع الخوف، دعونا نستمتع بالحرية ونجسدها سلوكا، فلا مخرج للنفق المظلم الطويل الذي حشرنا فيه الا من بوابة الحرية.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق