مبدئيا وعلميا، فان الاحزاب السياسية مكون مهم من مكونات النظام السياسي الديمقراطي، والحياة الحزبية السليمة احدى معالم الدولة الحضارية الحديثة.

لا يمكن للديمقراطية ان تشتغل وتترسخ بدون وجود احزاب سياسية ديمقراطية تشكّل على اسس علمية وموضوعية صحيحة. بدون التعددية الحزبية الصحيحة ينزلق النظام السياسي اما الى الدكتاتورية الصريحة (نظام الحزب الواحد) او المغلفة، او الى الفوضى السياسية.

الاحزاب الديمقراطية تمارس عملا ذا ثلاث شعب على الاقل: الشعبة الاولى ممارسة الرقابة النقدية للسلطات في البلد؛ والشعبة الثانية ادامة عملية التثقيف السياسي للشعب؛ والشعبة الثالثة ضبط عملية التنافس والصراع على السلطة ومن ثم تداولها بصورة سلمية وبدون اراقة دماء.

وحتى تكون الحياة الحزبية سليمة وصحية يجب ان تتوفر فيها الخصائص التالية:

اولا، ان يكون عدد الاحزاب "معقولا" ومتناسبا مع الضرورات الموضوعية للمجتمع، وليس تعددية مفرطة.

ثانيا، ان تؤمن الاحزاب بالديمقراطية بوصفها اداة لتداول السلطة سلميا، ويجب ان ينعكس هذا الايمان على الحياة الداخلية للحزب، وخاصة من حيث التداول الدوري لقيادة الحزب من خلال الانتخابات.

ثالثا، ان يكون الحزب مدنيا وغير مسلح وليس لديه جماعة مسلحة تأتمر به، ويرفض استخدام العنف في الحياة السياسية.

رابعا، ان يكون الحزب "وطنيا" بمعنى انتشار اعضائه ومناصريه في كل او معظم مناطق البلاد وليس محصورا او مغلقا من الناحية المناطقية او القومية او الدينية او الطائفية.

خامسا، ان يكون الحزب الواحد متميزا عن غيره بوضوح من حيث برنامجه السياسي، حيث ان التشابه الكبير بين الاحزاب يلغي ضرورة وجودها.

سادسا، ان يكون الحزب علنيا وشفافا وخاصة من حيث مصادر تمويله.

سابعا، ان يكون هناك فصل حاسم وحازم بين الحزبية وبين الجهاز الاداري والتنفيذي للدولة.

لو اردنا ان نطبق هذه المعايير الحضارية على الاحزاب والحياة الحزبية في العراق لوجدنا انها غير متوفرة في الاعم الاغلب.

فاولا، من حيث العدد، هناك كثرة مفرطة في عدد الاحزاب الى درجة تحول دون ظهور حزب واحد او حزبين كبيرين يستطيع احدهما ان يقود الحكم في مرحلة، فيما يقود الاخر المعارضة، بالتداول السلمي الدوري عن طريق الانتخابات.

ثانيا، هذا الكم الهائل يضم احزابا متشابهة بشكل عجيب بحيث ليس من السهل التمييز بينها. وهي متشابهة حتى بالاسماء. وحين تقيم تحالفات بعد الانتخابات، فان هذه التحالفات تستهدف تنظيم عملية تقاسم المناصب والمكاسب ولا تستهدف توحيد برامج ورؤى سياسية للتنفيذ بعد الانتخابات.

ثالثا، كل او معظم الاحزاب العراقية مغلقة عرقيا او مذهبيا او دينيا، وبالتالي فهي محصورة في مناطق جغرافية محددة وليس لها امتدادات على طول البلد وعرضه. انها بعبارة اخرى واضحة احزاب محلية او مناطقية وليست احزابا وطنية nationwide.

رابعا، الاحزاب العراقية قاطبة غير ديمقراطية لا في حياتها الداخلية ولا في طروحاتها الفكرية والسياسية. ولذا فهي بهذه الحالة ليست من مقومات الدولة الديمقراطية.

خامسا، بعض الاحزاب العراقية مشاريع عائلية، وبعضها الاخر مرتبطة بزعامات شخصية، وهذا ايضا يحد من انتشارها الوطني.

سادسا، اصبحت الحزبية طريقا للوصول الى المناصب والوظائف في الدولة، وحصل امتزاج كبير بين المسار الحزبي والمسار التنفيذي والاداري للدولة.

سابعا، العلنية والشفافية مفقودة في الاحزاب العراقية وخاصة في الجانب المالي والعلاقات الخارجية.

ثامنا، لا يوجد حزب عراقي يعلن صراحة وبالاسم انه يسعى من اجل اقامة دولة حضارية حديثة في العراق.

استنادا الى هذه الملاحظات، لا اتردد من القول ان حالة الاحزاب والحياة الحزبية في العراق بائسة ولا تنطوي على قدرة هذه الاحزاب على بناء مستقبل أفضل للعراق والعراقيين.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق