"تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة". أمير المؤمنين عليه السلام

التحولات الكبيرة في الأمم؛ العلمية منها، والاجتماعية، والسياسية، عادة تكون نتاج لحظة تفكّر وتدبّر وتأمل في الأسباب والبحث عن الاجابات والبدائل، وصولاً الى واقع جديد وانتقالة من حال الى آخر أفضل، وكلما كان التأمّل والتفكر أكثر عمقاً كانت النتائج تبعاً لذلك.

هذا التوجه لا يصدر إلا من استشعر الحاجة الى تغيير نفسه أولاً؛ ثم واقعه الخارجي، و رام التطور ثم إهدائه الى ابناء شعبه كما صنع الطالب في القانون في لندن، وفي جنوب افريقيا، موهنداس كرمشاد (غاندي)، و قرر من هناك العودة الى أهله وبلده ليحدث ذلك التحول التاريخي العظيم. وكذلك الحال فيمن توصلوا الى مكتشفات علمية باهرة تدين لهم البشرية الى يوم القيامة، مثل الطيران والاتصال اللاسلكي، واجهزة الارسال (الراديو والتلفاز)، الى جانب المكتشفات المتواصلة في عالم الطب والهندسة والبيئة.

صعوبات لحظة التحول

التحول من حال الى آخر بحد ذاته يثير بعض المخاوف والمحاذير في الوسط الاجتماعي لاسيما اذا صدر من شخص عادي مثل طالب جامعي شاب، أو امرأة، او حتى عامل أو مُزارع، وليس من العلماء والفقهاء والوجهاء، كما هي مشكلة البشرية مع الانبياء والمرسلين من قبل السماء، فالناس في كل الاحوال تخشى على ما في ايديهم من القادم المجهول مهما كان الواقع سيئاً، ومهما كان شعار صاحب التغيير ايجابياً وواعداً، فمن الصعب عليهم الاعتماد والايمان بالجديد، وربما يفضل البعض الاحتفاظ بالموجود والمعروف عندهم على التفاعل مع المجهول وغير المعروف، و"الشين الذي تعرفه خير لك من الزين الذي لا تعرفه"، كما هو المثل العراقي، وهذه حالة نفسية متأصلة في البشر منذ القدم، ولعل أول من واجه هذه المشكلة بشجاعة فائقة؛ نبي الله ابراهيم عندما جسّد التأمل والتفكّر والبحث عن الحقيقة بأروع صورها، ثم حاول أن يهدي هذه الحقيقة لابناء مجتمعه بكل ما يحمله من حبّ وإخلاص لهم، فكانت مكافأته وضعه في المنجنيق وإلقائه في محرقة هائلة.

ولأن القضية تنطوي على نوع من الصدمة، فلابد من الاستعداد لمختلف اشكال الصدمات بالضد وفق قانون رد الفعل، وهنا نكون أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول: التوقف والتنحّي جانباً، او الانكفاء على الذات وغضّ الطرف عن المسؤولية الاجتماعية كما حصل مع بعض المصلحين والمفكرين الذي بدأوا منظرين ومؤلفين وقادة لطلائع التغيير، ولكن الظروف كانت اقوى منهم، متمثلة بالمجتمع والسلطة ومسائل اخرى، فاعلنوا انسحابهم من الساحة، والاكتفاء بعرض النصائح وطرح الافكار العامة، دون التوغل في تفاصيل حياة الناس وأفكارهم وثقافتهم.

الثاني: تحمّل ثمن لحظة التحول مهما كانت بالصبر والتجلّد وسط سلسلة من العلاقات والمصالح المتقاطعة في المجتمع المحب –في معظم الاحيان- لحياة الدعة والراحة والاستقرار.

نوع الصبر هنا يتمثل في القدرة على اقناع المحيطين بصحة ما يذهب اليه، وأن التحول الجديد إنما لمصلحتهم، وكلما اتسعت مساحة الاقناع، كان التحول أكبر و اقرب للنجاح.

ينقل عن المفكر الجزائر مالك بن نبي قوله: "كُسرت ظهور أمهاتنا قبل أن يأتي الغرب بعصا المكنسة لتنهض وتكنس وهي واقفة"! فما الذي كان يمنع الجزائري والعراقي والايراني وغيرهم من أن يعطي المرأة او غيرها –على أن المرأة ليست محكومة بالكنس!- العصا الخشبية المتوفرة في كل مكان لنتخلص من المكنسة اليدوية المزعجة؟

المشكلة في عدم الثقة بالمبادرين وأبطال التحول نحو الأحسن، عندما يواجهونه بالاستخفاف والتهميش وحتى التسقيط حتى لا يأتي على قناعاتهم ومناهجهم واساليبهم بالتغيير والتدمير، بيد أننا نلاحظ المفارقة الغريبة؛ ما أن يأتي التحول من الغرب او الدول المتقدمة، وحتى من الصين الشعبية، حتى نجد الاحتفاء يكون نصيبه من الجميع!

شروط لحظة التحول

هذه اللحظة تشبه الى حدٍ كبير قاعدة انطلاق الصاروخ (البطارية)، فهي ذات مدخلية في مداه البعيد ودقته بالاصابة، فان اصابه العطب لن يكون الصاروخ الضخم والمتطور ذا فائدة، فهذه اللحظة لا تأتي من فراغ بقدر ما هي نتاج قراءات دقيقة للواقع، والتحقق من القدرات المتاحة، فثمة العديد من الشروط والمواصفات لابد من توفرها لتكون لدينا لحظة التحول يذكرها سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي في كتابه "لنبدأ من جديد"، ويشير الى بعضها:

1- التحرر من التقليد الأعمى

هذا النوع من التقليد يسميه العلماء والمفكرون لتمييزه عن التقليد السديد والايجابي، كما يقلّد الابن أباه في بعض العادات الحسنة والآداب الاجتماعية، وايضاً تقليد مرجع الدين في الأحكام الاسلامية، فهو تقليد مع البصيرة والاختيار الحُر، ومن هذه القاعدة يخرج من المجتمع المصلحون والثائرون في لحظة غير متوقعة من الجميع، فالخروج من القوالب الفكرية الجاهزة تمكن صاحبها من التوفيق في لحظة التأمل والتحول، وإلا كيف يستنّى لانسان مقيد بأعراف اجتماعية، و أفكار حزبية او فئوية أن تكون له لحظة تحوّل من حال الى آخر، فهو ربما يشعر ويؤمن بأن ما عليه هو الحق المبين، ولا حاجة له بلحظة تحوّل مطلقاً.

2- التوكل على الله

وهو الشرط الآخر الذي يشير اليه سماحة المرجع الراحل للاستعانة بالقوة العظمى في الحياة ليستمدّ منها قوته وانطلاقته، ويستدرك في بان "كثيراً ما يختلط الأمر على الناس فيتصورون أن التوكل معناه عدم تسبيب الاسباب وعدم الاخذ بالطرق التي جعلها الله –تعالى- للاشياء، فيقعدون عن الاسباب ويرجون النتائج، وهذا خلاف الشرع والعقل".

التوكل على عامل الغيب بما فيه من قوة معنوية هائلة يأتي في وقت تعيي الحيل وتنقطع السبل بالانسان، ويجد انه أمام تحديات خارجة عن قواه الذاتية كما يبين لنا القرآن الكريم تجارب الأقوام السابقة في عهود الانبياء عندما جاءت البشارة من السماء: {كم من فئة قليلة غلبت فئة .....}. فهؤلاء لم يجلسوا في بيوتهم ويدعوا الله طلباً للنصر والخلاص من الظالمين، او لحل مشاكلهم وأزماتهم، وإنما دخلوا ميدان المواجهة بكل قواهم لتحقيق اهدافهم.

3- استثمار الطاقات

ربما ينصرف الذهن هنا الى الجانب الاقتصادي والتنموي حيث يكثر الحديث عن استثمار المال، والقدرات العضلية والبشرية لإحياء الاراضي الزراعية، وتطوير الانتاج وتوسيع شبكة التجارة مع العالم، في حين الاستثمار تُعد ثقافة في حياة الانسان، فثمة الكثير من الاشياء البسيطة حولنا بالامكان ان تتحول الى اشياء كبيرة ومفيدة اذا احسنّا الاستفادة منها.

ولعل أهم ما لدى الانسان قدراته البدنية والذهنية، وايضاً صحته وخلوّه من الامراض والاسقام، "والانسان إن استغل طاقاته أفضل استغلال يأتي بالمعجزات العرفية"، وكلما كان الانسان أقرب الى استثمار طاقاته المتوفرة، كان أقرب الى لحظة التحول التي تستمد قوتها من قوة هذه الطاقة المتوقدة.

واذا نشكو تكريس الواقع الفاسد واستمرار المعاناة في جميع نواحي الحياة، ومن ثمّ عدم القدرة على التحول والتغيير، فان مردّه الى امتناعنا عن استثمار طاقاتنا الهائلة والمنتشرة في بلادنا الاسلامية، "واذا نظرت اليوم الى أغلب المسلمين رأيتهم من أخسر الأمم، مع ما عندهم من المبادئ الراقية، والنفوس البالغة مئات الملايين (ملياري نسمة) والمناطق الاستراتيجية، والاراضي الخصبة، والمياه الوفيرة ثم ترى اراضيهم يباباً، وبلادهم خاراباً، وهم متأخرون اشد التأخر في النُظم والنظافة والعمران والثقافة والصناعة".

وعلاوة على ما سبق، فان تجاوز السلبيات، من يأس وإحباط ومشاعر الخيبة، تعد من لوازم لحظة التحول، كما يشير سماحة المرجع الشيرازي الراحل، ثم التفكير بايجابية وتفاؤل لخلق الثقة بالنفس وبالآخرين مهما كانت الظروف، فهذه الارضية النفسية الطيبة هي التي تخلق لحظة التحول في النفس لتخرج فيما بعد الى الواقع الخارجي وتعمل على تغييره نحو الافضل.

اضف تعليق