بقلم: د. منذر سليمان و جعفر الجعفري

تباينت مواقف بعض دول اوروبا الغربية مع أولويات الولايات المتحدة في القارة الأوروبيّة، سعياً لتكريس حقها السيادي، ولو بشكل محدود، بخلاف لندن التي خرجت من عباءة "الاتحاد الأوروبي" بدعم وتأييد مباشر من واشنطن، في تكاملٍ تامٍ لجهودهما المشتركة واستكمالٍ للمهام الاستعمارية في بسط السيطرة وتوسيع مناطق نفوذهما.

تُرجم ذلك مطلع العام الجاري بإعلانٍ عسكري أميركي-بريطاني في 19 كانون الثاني/يناير 2021، عن تدشين "تدريبات القتال المشتركة" بنشر "مجموعة حاملة طائرات الملكة اليزابيث الضاربة"، والتي تضمّ أحدث المقاتلات الأميركية من طراز "أف-35 ب"، في وقت لاحق من فصل الربيع، ترافقها مجموعة المدمّرات الأميركية "ذي سوليفانز – دي دي جي – 68" المسلّحة بصواريح موجّهة من طراز "إيجيس"، والمرابطة في مياه المحيط الأطلسي.

البيان الأميركي الصّادر بهذا الشأن أوضح بشكل مقتضب هدف التعاون المشترك "الفريد من أجل الإعداد لعمليات على الصعيد العالمي، تنفّذ استناداً إلى العلاقة الخاصّة التي تربط الولايات المتحدة بالمملكة المتحدة"، بحسب الممثل الأميركي لمجموعة المملكة المتحدة الضاربة، سايمون دوران، "لتعزيز المصالح القومية الأميركية والأمن والاستقرار في أوروبا وأفريقيا".

وحذّر دوران الخصوم بأن "عليهم القلق للقدرات القتالية التي تمتلكها مجموعة "ذي سوليفانز" للقوة الضاربة" المشتركة، والتي تشترك فيها مجموعة من الدول، إلى جانب اميركا وبريطانيا، منها بلجيكا وكندا والدانمارك وإستونيا وفرنسا وألمانيا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا والنرويج والبرتغال.

غادرت "مجموعة الملكة اليزابيث" قاعدتها الأم مطلع شهر أيار/مايو الجاري، في مهمة "بحرية دولية تُدعى مجموعة 21 الضاربة"، وهي الأضخم منذ ما ينوف على 4 عقود، ومنذ احتلال بريطانيا لجزر فولكلاند (مالفيناس الأرجنتينية، وهي مجموعة أرخبيل من نحو 200 جزيرة) في العام 1982. وستنضم سفن حربية أخرى إلى المجموعة خلال مهام مناوراتها الحربية، أبرزها من الهند وفرنسا واستراليا والولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.

عقب استكمال المناورات الحربية لحلف الناتو، ستمضي "القوة الضاربة" الجديدة لتنفيذ مهام مماثلة في البحر الأبيض المتوسط، بمشاركة حاملة الطائرات الفرنسية النووية "شارل ديغول"، ومن ثم تتجه إحدى مجموعاتها نحو البحر الأسود، وتمضي البقية لعبور قناة السويس والرسوّ في القاعدة البحرية البريطانية في عُمان. الوجهة الأخيرة والأساسية هي بحر الصين الجنوبي لاستكمال المناورات العسكرية، بمشاركة الولايات المتحدة واليابان واستراليا ونيوزيلندا وكوريا الشمالية وماليزيا وسنغافورة.

التوجّهات البريطانية "الجديدة" جاءت تتويجاً لخطة بريطانيا في "مراجعة استراتيجيتها" التي أدرجت روسيا على رأس سلّم "التهديدات الكبيرة"، والصين بصفتها منافساً دولياً، والتي تترتّب عليها استثمارات غير مسبوقة في حجم الإنفاق العسكري، بقيمة 221 مليار جنيه استرليني لمدة 4 سنوات، أي ما يعادل 2،2% من الناتج المحلي الإجمالي، في سياق سعي لندن لـ "إيجاد مكانة جديدة لها على الساحة الدولية"، وفي ظل تدهور علاقاتها مع روسيا والصين.

وفي السّياق عينه، أكّد رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون استعداد بلاده "لإرسال قوات عسكرية إلى اليمن"، أمام مجلس العموم البريطاني في 24 آذار/مارس 2021، سبقه تصريح لرئيس هيئة الأركان البريطانية السابق ديفيد ريتشاردز بأن هناك "ضغوطاً لنشر قوات في المنطقة".

مهام عسكرية في "منطقة الشرق الأوسط" منوطة بالدول الأوروبية، في سياق تقليص الولايات المتحدة رقعة انتشار قواتها في المنطقة وتركيزها على مواجهة الصين وروسيا. تلك هي نتيجة تصريح "مسؤول رفيع في الاتحاد الأوروبي" مبشراً بإنشاء "قوة عسكرية للتدخل السريع"، قوامها كتيبة مؤلفة من حوالي 5،000 عنصر، مدعومة بسفن وطائرات حربية، تشارك فيها 14 دولة، هي فرنسا وألمانيا واليونان وقبرص والنمسا وبلجيكا وجمهورية التشيك وإيرلندا وإيطاليا وهولندا والبرتغال وإسبانيا وسلوفينيا ولوكسمبورغ.

والجدير ذكره أن فكرة "التأسيس" تم تداولها أوروبياً في العامين 1999 و 2007، لكنها لم تحظَ بترجمة جدية آنذاك. أما ما يميزها راهناً، فهو الدعم القويّ لها فرنسياً وألمانياً، تحت غطاء التخلي عن ضغوط حلف الناتو واستبداله لتحقيق أهداف أوروبية في الدرجة الأولى، بعد أن كانت تعثرت خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب (شبكة "دويشه فيلي" الألمانية، 12 آذار/مارس 2019).

وأضاف المسؤول أن ما تودّ أوروبا القيام به هو "أن نكون قادرين على نشر قوة التدخل هذه بسرعة، في حال (توفر) حكومة شرعية في دولة ما تخشى نفوذ مجموعة إرهابية وسيطرتها عليها. وتكون هذه القوة قادرة على إدارة الأزمات الخارجية والانتشار سريعاً"، أي قوة عسكرية أوروبية "مجهّزة قتالياً ولوجستياً" للانتشار خارج حدود دول الاتحاد الأوروبي، في مناطق الخليج العربي و"الشرق الأوسط" والساحل الشرقي لأفريقيا، تكون مرتبطة بشكل أو بآخر بقيادة حلف "الناتو"، نظراً إلى عضوية عدد كبير من الدول المشاركة فيه، والتي أكّدها نائب أمين عام الحلف ميرشيا جيوانا، قائلاً إن هناك "أهمية للتعاون بين الاتحاد الأوروبي والناتو في مسألة جاهزية التحرك العسكري وحفظ الأمن الجماعي" (ندوة في المجلس الأوروبي، 6 أيار/مايو 2021).

ترجمة المبادرة العسكرية الأوروبية يشوبها كثير من الشكوك في الزمن الراهن، لتباين توجهات سياسيي الاتحاد الأوروبي، كما يبدو، من خلال عدم تناغم مساهمات تمويلها، ما يعيد الأنظار إلى حقيقة السياسة الأميركية في حثّ بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، بريكست، وجاهزيتها لأداء دور مكمّل للسيطرة الاستعمارية واستعادة حلمها السابق الذي وصفه رئيس وزرائها جونسون بالسعي إلى أن "تصبح أكبر قوة بحرية في أوروبا".

ويستطيع المرء التوصّل إلى حقيقة المعلن والمضمر في المواقف الأميركية والبريطانية من خلال زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن إلى اجتماع الدول السبع على مستوى وزراء الخارجية، إضافة إلى الهند، الشهر الجاري في لندن، وتأكيد نظيره البريطاني دومينيك راب على أن البلدين "يعارضان روسيا بحزم" في أوكرانيا، ويتفقان على ضرورة "وفائها بالتزاماتها الدولية، من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا".

تبعية السياسة البريطانية للولايات المتحدة هي علاقة جدلية بين طرفين يكمل منهما الآخر في مهام السيطرة على الموارد الرئيسية حول العالم، يعزّزها حلم الإمبراطورية القديم بإحياء مجدها التليد. وعقب الجدل الساخن في واشنطن حول سحب قواتها "القتالية" من أفغانستان، أعلنت بريطانيا أنها "ستسحب كل قواتها تقريباً" أيضاً، والتي يبلغ عددها نحو 750 جندياً (صحيفة "ذا تايمز" البريطانية، 13 نيسان/إبريل 2021). اللافت في الإعلان تبرير الخطوة بأن الجنود البريطانيين "كانوا سيواجهون ظروفاً صعبة من دون دعم أميركي".

راجعت بريطانيا، أسوةً باستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة، سياساتها السابقة، ونشرتها في مذكرة رسمية صادرة عن وزارة خارجيتها بعنوان "بريطانيا الكونية/العالمية في عصر تنافسي: المراجعة المتكاملة للأمن والدفاع والتنمية والسياسة الخارجية"، بتاريخ 16 آذار/مارس 2021، تزامناً مع إدارة بايدن الجديدة في البيت الأبيض، والتي "تأتي في حقبة مهمة للمملكة المتحدة" ومكانتها في العالم. وقد واكبها قرار لندن بتقليص نحو 10،000 جندي من قواتها العسكرية لمصلحة الاستثمار في تقنيات "الانسان الآلي والطائرات المسيّرة والحروب الإلكترونية، وزيادة في عدد السفن والغواصات البحرية" وطواقمها.

وأوضح رئيس وزرائها بوريس جونسون أن المهام والأهداف المستقبلية لبلاده ثمرة للمراجعة الاستراتيجية، وأهمها "زيادة الحدّ الأقصى من الرؤوس النووية من 180 إلى 2660، وتخصيص ميزانيات قتالية في مجالات الفضاء الخارجي وشبكة الانترنت"، وإنشاء قيادة للقوات الفضائية المستحدثة. السفن الحربية الجديدة ستستبدل "الفرقاطات القديمة" في سلاح البحرية، كما دلّ نشر حاملة الطائرات الملكية "إتش أم أس كوين اليزابيث"، للقيام بمهام في مناطق المحيطين الهندي والهاديء، وسترسل بريطانيا قوات "لمواجهة التطرف الإسلامي والنفوذ الروسي والصيني في إفريقيا، على متنها نحو 250 عنصر من سلاح مشاة البحرية الأميركي. حاملة الطائرات هي إحدى أكبر سفينتين حربيتين تم بناؤهما لسلاح البحرية الملكية بمواصفات ومعدات عالية التطور، والأخرى هي "برينس أوف ويلز".

تحرر بريطانيا من "قيود" عضوية الاتحاد الأوروبي أسهم مباشرة في إنعاش حلمها الإمبراطوري، متكئةً على تحالفها الوطيد وتكامل مهامها مع الولايات المتحدة عبر العالم، وخصوصاً في مواجهة صعود روسيا والصين، لفرض نموذج ديموقرطيتها وقيم السوق التجارية، في منافسة شديدة مع التغيرات العميقة في النظام العالمي القديم.

كانت بريطانيا شريكاً غير منسجمٍ مع أهداف الاتحاد الأوروبي، في مشروع بوتقة الانتماء الأوروبي ونقل صلاحيات دوله "القومية" إلى المؤسسات الأوروبية الوليدة، واعتبرته عقبة يحمّلها أعباء مالية إضافية لدعم دول أوروبية أقل ثراءً وشأناً، وكانت تتحيّن الفرص لمغادرته منذ العام 2016، إلى أن جاءها الدعم المباشر من إدارة الرئيس دونالد ترامب، باستكمال إجراءات خروجها في الأول من شباط/فبراير 2020، وتعويض واشنطن لها عن الخسائر الاقتصادية التي ستلحق بها بعد بريكست، بإبرام اتفاقية اقتصادية شاملة معها، وفق تصريح مستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون.

لم تكشف بريطانيا سرّاً إمبراطورياً في عودتها إلى ممارسة فاعلة في قضايا الشعوب العربية في الدرجة الأولى، بل تتباهى بأنها خرجت من المنطقة لتعود إليها مجدداً بعد التغيرات الإقليمية والدولية، واستبدالها الامبراطورية الأميركية التي تعتبرها "الأخ الأصغر" بالتعاون الاستعماري مع فرنسا.

اضف تعليق