إن الانعتاق من آسار التخلف، والتحرر من سيئاته وكوابحه، ليس عملية بسيطة وذات جانب واحد، بل هو عملية تاريخية-اجتماعية معقدة، تتضافر جميع الجهود والإمكانات، لتعمل معا من أجل الخروج من دائرة التخلف الجهنمية، إذ أن ما تعانيه أمتنا العربية والإسلامية، ليس ضعفا اقتصاديا فحسب أو تخلفا ثقافيا فقط، أو تأخرا على مستوى التكنولوجيا والتقنية الحديثة، بل إن ما تعانيه الأمة هو التخلف الحضاري الشامل بكل صوره وأشكاله.. وهو الداء الذي ما زال يستفحل ويمتد في مختلف بقاع الأمة وعلى امتداد وجودها الجغرافي والبشري.

هذا الوجود الذي يعكس بعمق الهوة الحضارية التي تفصل واقعنا، عن واقع الآخرين ومستواهم الحضاري.

ولا شك أن معالجة الأزمة والقصور الحضاري الذي تعانيه أمتنا، تتطلب منا عوامل ومعطيات شاملة بشمول الأزمة، بحيث أن تكون معالجة تجتث السيئ من جذوره، وتحارب التخلف في منابته الأصلية.

والجدير بالذكر في هذا المجال: أن التخلف والتقدم ظاهرتان إنسانيتان موضوعيتان بمعنى أن التخلف يكون نصيب ذلك المجتمع، الذي يقبل بالسيئ من الانتشار في حياته والتحكم في مساره، دون أن يقاومه ويطرده من وجوده.

كما أن التقدم من نصيب ذلك المجتمع، الذي يصالح ذاته الحضارية ويتفاعل إيجابياً مع تطورات عصره. ولذلك نجد أن المجتمعات الإنسانية تعيش حالة المراوحة والقرب والبعد من هاتين الظاهرتين (التخلف والتقدم)، على ضوء نشاطها وأعمالها اليومية في مختلف الصعد والمستويات.. فتارة نجد أن البلد الفلاني، يعيش القهقرى والتخلف والانحطاط في مساراته الحضارية.

لأنه قبل لنفسه أن يستسلم لتداعيات التخلف وآثار الانحطاط، وما أن ينفض ركام التخلف، ويقاوم ثقل الانحطاط الحضاري، إلا ويبدأ مشوار النهوض الحضاري.

فالتخلف الحضاري وليد جملة من القيم والتصرفات والمواقف والمسارات التي يتبعها المجتمع، كما أن التقدم وليد الجهود الذاتية التي يقوم بها المجتمع، والمستندة على القيم الجوهرية والاختيارات الكبرى للثقافة الذاتية. لأنه لا يمكن أن نستورد التخلف، نعم بإمكاننا استعارة مظاهره من حيث لا ندري، أو بدون وعي حضاري لذلك.. كما أننا لا يمكن أن نستورد التقدم، لأنه وليد التربية الذاتية، وجهود المجتمع المختلفة في هذا السبيل، فالتخلف والتقدم حقيقتان تاريخيتان، والحقائق التاريخية، لا يمكن أن تباع أو تشترى، بل هي تبنى ووليدة الكسب الذاتي، لهذا فإن التخلف الحضاري، الذي تعانيه أمتنا العربية والإسلامية اليوم، لم يأت فجأة أو صدفة، وإنما هو عبارة عن تراكم مجموعة من الأخطاء والآفات والأمراض أوصلتنا إلى أقصى الأزمة، وهو التخلف الحضاري.. وتظل مسألة الخروج من دائرة التخلف الحضاري الشامل، الذي تعانيه أمتنا العربية والإسلامية، من المسائل الأساسية التي واجهت إنسان هذه الأمة في العصر الحديث.

ولأن التقدم ليس عملية بسيطة، أو مرتبطة بحقل واحد من حقول الحياة بل هي عملية حضارية تاريخية، مرتبطة بالعقلية قبل المادة وبالثقافة قبل الصناعة، وبالنظام الاجتماعي قبل الاقتصاد والسياسة.. لهذا فإننا لا ننظر إلى عملية التقدم في المجتمعات البشرية على أساس الأشكال المادية المتوفرة في المجتمع لأنها أشكال بإمكان أي إنسان أن يستوردها من الخارج دون نبتها وغرسها في الواقع المحلي.

والتقدم كعملية حضارية تاريخية لا يمكن استعارتها واستيرادها من الخارج، بل هي حركة تنبثق من الداخل، وتغير النفس والعقل والثقافة، قبل أن تصل إلى المادة وعن هذا التغيير الذاتي والعقلي والثقافي يتم التطور المادي والتقني.

بمعنى أننا لا يمكننا أن نصل إلى مستوى المدنية (وهي الأشكال العامة والسلع المادية والتقنية) بدون الحضارة (وهي الأشكال القيمية والمعنوية والروحية للتقدم الإنساني). ويخطئ من يعتقد أنه قادر على الوصول إلى قمة المدنية دون بلوغ مرحلة الحضارة. لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال استعارة فاعلية الإنسان واستيراد روح وإرادة التحضر والعمل.. لأنها روح تنبثق انبثاقا ومرتبطة بالعقل والداخل قبل ارتباطها بالمظهر والخارج.. ويشير إلى هذه المسألة الدكتور إبراهيم بدران بقوله: «التقدم ظاهرة اجتماعية اقتصادية تاريخية، وبالتالي فهي لا تكتسب قيمتها أو وجودها الحقيقي، إلا من التفاعلات الاجتماعية المختلفة، بكل أبعادها الاقتصادية والثقافية والسياسية وفي إطار من الحيث أن بعض الأمور الداخلة في إطار التقدم تتحقق في فترة زمنية وجيزة، وبعضها الآخر يحتاج إلى زمن طويل وتغيرات اجتماعية ونضج نفسي وفكري واجتماعي، ويمكن أن نقيس ذلك بالتغيرات الكونية والجيولوجية، والتي تقاس فيها وحدة التاريخ بالأحقاب والدهور، وبالتغيرات البالغة السرعة التي تقاس فيها وحدة التاريخ بالدقائق والثواني والأجزاء الضئيلة من الثواني، كما هو الحال في بعض التغيرات الفيزيائية وفي حركة الموجات.

وينبغي أن نلاحظ في هذا المجال أنه مع التطور العلمي والتكنولوجي المذهل الذي يشهده العالم وما زال.. زاد في ديناميكية التطور والتقدم وتكثف فاعليتها وأصبح ليس محصوراً في بعد واحد في الحياة.

ولعل هذا ما يشير إليه «ألفين توفلر» في كتابه (صدمة المستقبل) حينما يوجه كلامه إلى الإنسان الأمريكي بقوله «عليه أن يتهيأ لتقبل التغير والاستعداد للتجاوب مع المستقبل الذي أخذ يقع على الفرد وعلى المجتمع، وكأنه سلسلة من الصدمات المتتابعة، صدمات في الثقافة، صدمات في القيم، صدمات في المعرفة، صدمات في الفن والفكر والسياسة، صدمات في الحرب وصدمات في الاستهلاك وفي التكنولوجيا وفي كل شيء.. فحركة التطور والتقدم لا يوقفها شيء، بل هي تزحف وتتعاظم بحيث أنه لا يمكن لأي مجتمع أو كائن بشري أن يكون بمنأى وبعيداً عن هذه الحركة المتدفقة باستمرار.

مفتاح التقدم «الإنسان»:

بعيداً عن المشاريع الطوباوية المهتمة بشؤون التغيير والتقدم في التاريخ، فإننا نرى أن مفتاح كل تطور تاريخي وتقدم إنساني هو الإنسان نفسه. بحيث إنه لم تبن حضارة أو تشيّد مدنية، إلا على أكتاف الإنسان ذي القيم والمبادئ المجسدة للحضارة والمدنية.

ويجانب الصواب من يبحث عن مشروع للتقدم بعيداً عن الإنسان وتفجير طاقاته وصقل مواهبه وبلورة آماله وأنشطته.. فهو الرأسمال الحقيقي الذي يصنع بقية الأمور ولا يمكن لأي شيء أن يتحقق بدونه.. فهو الذي يطوّر الاقتصاد، ويشيّد الصناعة وينميها، ويحافظ على الكيان الاجتماعي ويجعله حاضنا حقيقيا وفعالا لمشروع التقدم والتطور. لهذا فإنه لا يمكن أن يتحقق التقدم بدون استيعاب وهضم سيرورات التقدم التاريخي وفهم مضامينها الجوهرية وعناصرها الفعلية.

وبهذا نقرر أن مفهوم التقدم يولد ولادة تاريخية-موضوعية، ولا يمكن استيراده من الخارج، فهو يتولد بصورة طبيعية ومن خلال السيرورة التاريخية.

وانطلاقا من هذه الحقيقة نقول: إنه لا يكفي أن نشخص الداء بشكل سليم ودقيق (دون إغفال أهمية هذه العملية ودورها الفعال في نجاح التجربة، ووصولها إلى نتائج مقبولة ومرضية)، وإنما من الأهمية بمكان الاهتمام بالمنطلقات الجوهرية وأسس المعالجة، التي ينبغي أن نتبعها في عملية الخروج من نفق التخلف وحلقاته السوداء..

أولاً - الإسلامية:

بادئ ذي بدء ينبغي القول أن (الإسلامية)، لا تعني الدوغما العقدية التي تحاول أن تقصي إمكانات الإنسان الفردية والجمعية، المتجهة إلى التصدي لظاهرة التخلف الحضاري.. وإنما هي تعني ضرورة الانطلاق في معالجة الأمور وتكوين الخطط والاستراتيجيات الهادفة للخروج من نفق التخلف المظلم، على قاعدة الإسلام قيماً وتصورات.. لأن الإسلام يشكل بالنسبة إلى أمتنا المخزون الحضاري والقيم المركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي والفكري، بحيث أنه لا سبيل إلى تحريك الأمة، وتعبئة طاقاتها، وحشد إمكاناتها وفهم شخصيتها، إلا بالإسلام غاية ووسيلة.

فالإسلام هو الأساس، الذي تقوم عليه عمليات المعالجة والخروج من آسار التخلف والانحطاط الحضاري.. فانطلاقاً منه تتبلور الاستراتيجيات وتحدد أنماط المعالجة وآفاقها.

ومن الواضح أن هذا الكلام لا يعني أن (الإسلامية) تعني الحل السحري السريع، في معالجة الأمور ودفع الأمة إلى الأمام.. وإنما تعني أن القاعدة الضرورية التي ينبغي أن تتوفر للانطلاق والنهوض هي قاعدة (الإسلامية) لما يحتله الإسلام من حضور دائم في الحياة العربية والإسلامية، ولما يشكله من قوة دفع وتعبئة ضخمة في تجاه النهوض والبناء والتقدم.

ونحن هنا لا نتحدث عن الجانب العقدي والفلسفي في الإسلام، وإنما عما يوفره الإسلام للمجتمعات العربية والإسلامية من اعتزاز بالذات، وفاعلية وديناميكية ذاتية، باتجاه صناعة الخير على المستوى الإنساني العام.. وبهذا نتمكن من كسر نطاق حلقات الضعف والتدهور المحكمة حول رقبة الشعوب العربية والإسلامية.

وهذا التمكن هو وليد طاقة الدفع الحضاري التي يوفرها الإسلام لمعتنقه، والمؤمن بقيمه واختياراته الكبرى في الحياة.

والإسلامية هنا لا تعني اللجوء إلى المعالجات المطلقة، والحلول المجردة والكلية، وإنما تعني بلورة البرامج، وصنع الخطط المرحلية الموصلة في مجموعها الكلي، إلى الأهداف والغايات المرسومة معتمدين في ذلك على أمرين أساسيين:

1 - الإقناع:

كما أن العملية الاقتصادية بحاجة إلى التسويق التجاري، وزرع الرغبة في المستهلك بشتى الوسائل والسبل لشراء تلك السلعة واقتنائها أو العمل على ترويجها، وبدون عملية التسويق التجاري، قد لا تقوم قائمة للشركة المنتجة لتلك السلعة.. كذلك استراتيجية وعملية الخروج من واقع التخلف، فهي بحاجة إلى عملية تسويق تنقل مشروع الانعتاق من آسار التخلف من دائرة ضيقة تتمثل في أهل الاختصاص إلى مستوى الجمهور عامة.. وينبغي في سبيل ذلك استعمال تقنيات ووسائل الإقناع المشروعة والمتاحة.

2 - البدء بالممكن:

لاشك أن عملية الخروج من واقع التخلف فكراً وممارسة، تحتاج إلى الكثير من الطاقات والإمكانات النظرية والعملية التي تصرف في هذا السبيل إلا أنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار، أنه لا يمكننا الخروج من هذا الواقع دفعة واحدة، وفي حقبة زمنية وجيزة.. لذلك ينبغي العمل وفق قاعدة الممكن والقريب من المعالجة.. ولا شك أن تحقيق هذه الممكنات سيقرّبنا من التطلع البعيد والهدف الأقصى، وهو الخروج النهائي من التخلف الحضاري، الذي تعانيه أمتنا في هذه الحقبة من الزمن.

ولا بد من التذكير: أن تحقيق الاستراتيجيات الممكنة، لا يخرجنا من إطار (الإسلامية) في تحقيق الأهداف وإنجاز التطلعات.

ونظرة متأنية ومتأملة إلى سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، نرى بوضوح أنه وصحبه الكرام، لم يصلوا إلى أهدافهم النبيلة وتطلعاتهم الربانية دفعة واحدة.. وإنما كانت هناك مجموعة من المكاسب والإنجازات المرحلية، التي بمجموعها أوصلت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهدافه الربانية. ونحاول أن نوضح هذه الحقيقة بمثال تاريخي حول: كيف تمكن المسلمون من تصفية وإنهاء الهيمنة اليهودية على المدينة المنورة.. كانت يثرب في بداية البعثة، تعتبر قلعة من قلاع اليهود في المشرق، وحينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه من مكة إليها، ووجد هيمنة اليهود على كل شيء في المدينة، ولضمان سيطرتهم الدائمة عليها كانوا يغذون باستمرار الخلافات والنزاعات بين قبيلتي الأوس والخزرج، وكانت آخر معركة خاضها الطرفان معركة (بُغاث).. والسيطرة اليهودية على يثرب تمنع بالطبع انتشار الرسالة في ربوع المدينة، لذلك حينما وصل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب بدأ بالقيام بمجموعة من الخطوات، كان هدفها النهائي، إنهاء السيطرة اليهودية على يثرب وهذه الخطوات كالتالي:

- بناء المسجد وجعله محوراً ونقطة انطلاق للمجتمع الجديد.. وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من منبر المسجد يعرّفهم الدين، ويعمق في نفوسهم مفاهيم الإسلام.. ففي خطبته الثانية في المسجد، دعا المسلمين إلى التوحيد والتمسك بما عاهدوا الله عليه. فكان المسجد مركزاً لصياغة المجتمع من جديد في أخلاقه، وتعامله ومواقفه وما شاكل ذلك.

- المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: كانت يثرب تعيش الاختلافات والفرقة والنزاعات المتلاحقة، التي تقضي على جميع مقومات المجتمع الواحد، وكان الرابح الأكبر من هذه الأجواء يهود المدينة.

ومع مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، بدأ عهد جديد في المدينة، وكانت المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين بداية الانطلاق في العهد الجديد.. وبهذا العمل أصبح مجتمع المدينة مجتمعاً موحداً ويداً واحدة، يصعب على الأعداء اختراقه. وكانت لهذه المؤاخاة انعكاساتها العميقة على البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع المديني.. حيث تمكن صلى الله عليه وآله وسلم من خلالها، أن يسد الثغرات التي من خلالها، كان اليهود يسيطرون على مجتمع يثرب.

- تشريع الأذان والإقامة: ولقد جاء في سيرة ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما قدم المدينة، ورأى اليهود فيها يستعملون بوقاً للإعلام عند حضور الوقت المعين لاجتماعاتهم وعباداتهم، فكر أن يستعمل البوق لإعلام المسلمين بأوقات الصلاة، وأشار عليه بعضهم باستعمال الناقوس لهذه الغاية، وظل المسلمون يتداولون الأمر بينهم.. فبعضهم كان يرجح بوق اليهود والبعض الآخر يرجح ناقوس النصارى.. وبعد ذلك نزل الأذان على رسول الله وعلمه عبدالله بن زيد بن ثعلبة، وأمر بلالاً فتعلمها وأذن لهما، لأنه كان أحسن المسلمين صوتاً.. وبهذا استطاع المسلمون أن ينهوا أحد مظاهر السيطرة اليهودية على المدينة المنورة.

- إصدار الصحيفة (الوثيقة) الدستورية التي تحدد علاقة المسلمين مع بعضهم البعض، وعلاقاتهم بالأطراف الخارجية، وكان هذا الإعلان بمثابة المسمار الأخير في نعش السيطرة اليهودية على المدينة.

وخلاصة القول: أن الخروج من نفق التخلف الشامل لا يتم بين عشية وضحاها، وإنما نحن بحاجة إلى العمل وفق قاعدة الممكن والخطط المرحلية التي تقرّبنا خطوات باتجاه الانعتاق النهائي من آسار التخلف الحضاري الشامل.

وبالتالي: فإننا ينبغي أن نعمل، حتى نعيش في أفضل العوالم الممكنة.

ثانياً - الحضارية:

إن من الأخطاء القاتلة التي ابتليت بها أمتنا العربية والإسلامية في العصر الحديث، هو اعتقاد شريحة واسعة من النخبة السياسية والثقافية لأمتنا، أن الحضارة يمكن أن تستورد، لهذا فقد دفع هؤلاء باتجاه الذوبان في الحضارة الحديثة، والأخذ بأنماطها المختلفة، وتمثل قيمها ومبادئها الفردية والجمعية، الاجتماعية والاقتصادية، الثقافية والسياسية.

بحيث إننا كلما ازددنا استيرادًا واستعارة لمظاهر الحضارة الحديثة، قطعنا شوطاً باتجاه الانعتاق من آسار التخلف وربقة الانحطاط.

ولكن وبعد مدة زمنية طويلة وجهود وطاقات صُرفت في هذا السبيل، لم نتقدم خطوة نوعية باتجاه الحضارة، بل تراجعنا خطوات إلى الوراء وأصبحنا نعيش حالة ثنائية عجائبية.. بحيث نجمع المتناقضات والأضداد، عقلاً خرافياً وتقنية رفيعة المستوى، أميّة علمية وتكنولوجية ومظاهر البذخ والمنتوجات الحديثة تملأ منازلنا ومواقع عملنا.

وهذه الثنائية العجيبة، تدلنا على أن الأسس التي انطلقت من خلالها النخب السياسية والثقافية في العالم العربي والإسلامي، لم تكن أسسا سليمة.

بحيث إننا نظرنا إلى الحضارة والتقدم، بدون البعد التاريخي لهما.. لهذا اعتقدنا أن التقدم يعني المزيد من استيراد المنتوجات الحديثة، ومظاهر التقدم، وتغافلنا عن حقيقة أساسية، أن التقدم عبارة عن تطور عقلي واجتماعي واقتصادي، ينمو كما ينمو الكائن الحي ويتراكم عبر الزمن، فيوصلنا إلى حالة حضارية متقدمة.. فلا يمكن أن نواجه أزمة حضارية ضاربة بأطنابها في عمق العملية الاجتماعية برمتها، بمجموعة من الأساليب والاستراتيجيات البدائية أو لا ترقى بمستوى التحدي الذي نواجهه.. ولهذا تفشل الكثير من الخطط والمشاريع التي تهدف تقويض حركة التخلف في الواقع العربي والإسلامي.

إننا نستطيع استعارة واستيراد منتجات الحضارة، ولكننا لا يمكننا استيراد جوهر الحضارة والتطور التاريخي الاجتماعي، الذي حدث لمجتمع من المجتمعات الإنسانية..

ثمة معطيات ومؤشرات عديدة، تدفعنا إلى الاعتقاد أن الأوضاع السياسية والاجتماعية السيئة التي تعيشها بعض المناطق والبلدان العربية، لا يمكن إنهاؤها إلا بتحديث ثقافي يزيل حالة الركود، ويؤسس لمفاهيم ثقافية جديدة، تأخذ على عاتقها تحريك المياه الراكدة والانطلاق بعزم لا يلين وإرادة إنسانية مستديمة لتجاوز كل الأوضاع السيئة التي تعيشها هذه البلدان.

لهذا فإننا مطالبون بأن تكون استراتيجية عملنا الهادفة إلى الخروج من نفق التخلف المظلم متقدمة وعلى مستوى حضاري رفيع، حتى تستطيع هذه الاستراتيجية من إفناء كل عوامل التخلف من الوجود الإنساني برمته.. والحضارية هنا ليست سمة هلامية، وإنما تعني الأمور التالية:

- إن التقدم يصنع صناعة عبر التطور التدريجي (التاريخي والاجتماعي)، ومن الخطأ بمكان الخلط بين جوهر الحضارة ومنتوجاتها. فإننا نستطيع استعارة واستيراد منتجات الحضارة، ولكننا لا يمكننا استيراد جوهر الحضارة والتطور التاريخي الاجتماعي، الذي حدث لمجتمع من المجتمعات الإنسانية.. لهذا فإن الحضارية تعني صناعة التطور التاريخي الاجتماعي، وإيصاله إلى مستوى يؤهله تأهيلا فعليا للمشاركة الحضارية في هذا العالم. ومن هنا نجد أن الجهود التي بذلتها الدولة العثمانية في نقل منتجات الغرب وتقليده الحضاري، لم تؤت ثمارها المرجوة من تحقيق التقدم والوصول إلى مستويات حضارية رفيعة.

فقد قام العثمانيون في سبيل إنفاذ خطتهم واستيراد مظاهر الحضارة من الغرب، بإحراق الفرق العسكرية العثمانية التقليدية في ثكناتها، حينما عارضت خطة السلطة العثمانية، في نقل مظاهر الحضارة، وتكوين الفرق العسكرية الجديدة على النمط الأوروبي.. ومن المعلوم كحقيقة من حقائق التاريخ أن تلك الخطة في التقليد وذلك الأسلوب في المحاكاة، لم يفلحا في تحقيق القوة ومواجهة التحدي ونقل المعرفة واستنباتها في كيان الأمة.. إذ استمر تقهقر القوة العثمانية أمام أوربا واستمر نمو القوة الأوروبية.

ثم كان أن أخذت الدولة العثمانية بمزيد من خطة التقليد لأوربا، وقامت بإرسال البعثات الدراسية وعاد التركي المثقف ثقافة غربية ليضيف منطلقا جديداً في التقليد وهو ضرورة الإصلاحات السياسية والاجتماعية على النمط الأوروبي، لتوفير البيئة الفكرية والاجتماعية للإصلاحات العلمية والإدارية والعسكرية، إذا شاء العثمانيون لتلك الأدوات النجاح في إعادة بناء الأمبراطورية. وتمخض ذلك الفكر عن عدد كبير من التغييرات والإصلاحات الاجتماعية والسياسية الليبرالية توجت في النصف الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي بما عرف بدستور مدحت باشا.

ولهذا لم تثمر الجهود العثمانية نتاجا حسنا على المستوى الحضاري.. بل ازدادت أوضاع الأمبراطورية سوءا، وتضخم الدور الأجنبي في سياساتها، وتوسعت دائرة الامتيازات الأجنبية في أرجاء البلاد التي كانت تحت السلطة العثمانية.

وكانت المحصلة النهائية لكل ذلك هو خروج العثمانيين، من آخر حروبهم بهزيمة نكراء، لم يسبق لها مثيل في تاريخ العثمانيين، نجم عنها احتلال قلب الأرض (الأناضول) من أولئك الذين كانوا يعدونهم أحقر تابعيهم وهم اليونان على حد تعبير الدكتور (أبو سليمان).

- الوعي بالتاريخ: التقدم وبناء الحضارة عملية إنسانية تعتمد على عملية تراكم إنساني متواصل.. لذلك لا يمكن أن يكون نسقنا في بناء الحضارة وتحقيق التقدم الإنساني، هو استعارة مظاهر الحضارة والتقدم من الآخرين.. وإنما من الضروري أن نعي التاريخ وحركة تطوره وإن جميع مظاهر الحضارة، ما هي إلا وليدة حركة تطور مستمرة حدثت في ذلك المجتمع المصنع أو الحاضن لتلك المظاهر.

وهذا ما يفسر لنا مثلا عدم نجاح النهضة الصناعية المطلوبة في مصر.. مع العلم أنها بدأت من مئة وثلاثين عاما بينما احتاجت هذه النهضة إلى عشرين سنة فقط في كوريا الجنوبية.

وإن الدرس الحقيقي الذي ينبغي أن نستفيده من حركة التقدم والتطور في أوروبا، أنها ليست حركة مجلوبة من الآخرين، أو مفروضة من الخارج.. بل هي من داخل السياق الاجتماعي والحضاري الأوروبي حيث أن عواملها ومكوناتها متوفرة في الداخل.. وهذا ما نصطلح على تسميته ب (الوعي التاريخي).

ثالثاً: الشمولية:

إن الدرس الأساسي الذي ينبغي أن نستفيده من تجربة مسيرة النهضة في العالم العربي والإسلامي خلال القرنين الماضيين، هو أن الأزمة التي تعانيها الأمة، ليست أزمة في بعد واحد، بل هي شاملة لجميع أجزاء الجسم وعلى هذا ينبغي أن تكون استراتيجية النهوض شاملة، بحيث تنهض بالواقع الاجتماعي، كما الثقافي والحضاري.

فلأن التخلف الذي تعانيه أمتنا تخلف شامل، لذلك ينبغي أن تكون استراتيجية المعالجة شاملة بشمول الأزمة التي نعانيها.. وهذا هو المنطق السليم المنسجم وسنن الكون ونواميس الخلق، في أن معالجة الأزمة الشاملة، لا تتم إلا بمعالجة شاملة في المنطلقات والبواعث، كما هي شاملة في الغايات والأهداف، بحيث أن المعالجة تتم على المستوى الجزئي في كل المناطق والأبعاد، بما يخدم الاستراتيجية الشاملة في معالجة أزمة التخلف الحضاري التي يعانيها العالم العربي والإسلامي.

فاستراتيجية الخروج من التخلف، ينبغي ألا تكون خاصة ببعد واحد من أبعاد الحياة، وإنما تكون شاملة لجميع الأبعاد والحقول.. فلا يكفي أن نهتم مثلا فقط بالجانب الاقتصادي، كما لا يكفي أن نهتم بالحقل التقني والعلمي.. وإنما من الضروري وحتى تؤتي استراتيجية الخروج من التخلف ثمارها، من أن نهتم بالاقتصاد كما نهتم بالعلم والتقنية، كما نهتم بالاجتماع، كما نهتم بالثقافة وكهذا دواليك، بحيث تستوعب استراتيجية المعالجة جميع الحقول والجوانب.

والشمولية هنا لا تنحصر في الأهداف والغايات، وإنما تتعدى ذلك إلى الوسائل والأساليب المستخدمة في المعالجة.. لذلك ينبغي الاهتمام بالوسائل المستخدمة في عملية الخروج من واقع التخلف.. بحيث تكون وسائل شاملة بشمول الأهداف والغايات.

وأخيراً: إن الشمولية في معالجة ظاهرة التخلف الحضاري، تعني أن يكون اهتمامنا على جميع الأطر والجوانب، والعمل على توظيف إمكاناتها والنهوض بها باتجاه التقدم والبناء.. والابتعاد عن كل التوجهات الفكرية والسياسية، التي تدعو إلى حصر الاهتمام في فئة واحدة أو شريحة اجتماعية معينة باعتبارها أداة التغيير ووسيلته.

وهكذا يبقى المجال مفتوحا لإبداع الأفراد والمجتمعات في اجتراح معجزة تقدمهم، ووسائل تطورهم المجتمعي.

فالمجتمعات الإنسانية قاطبة، تختزن الكثير من الطاقات والإمكانات، ومهمة الأطر النظرية والمرجعية، هي بلورة مقاصد هؤلاء، وشحذ هممهم، وتجميع طاقاتهم، ومنعها من التبعثر والتشتت.

والمجتمع الذي يمتلك الإطار النظري، الذي يجعل لحركته اليومية أهدافا وتطلعات كبرى، ويزيل عوامل التناحر الداخلية، ويوجهها صوب البناء بدل الهدم، ويفتح المجال واسعا للإبداع والمبادرة، فإن هذا المجتمع سيصنع مشروع تقدمه بذاته. لأنه يمتلك كل العوامل المفضية إلى التقدم والتطور والحضارة.

والمعالم النظرية لمشروعات التقدم الإنساني، ليست حلولا سحرية لمشكلات المجتمعات المستعصية، وإنما هي التي تنير الدرب، وتبلور المقصد، وتجمع الطاقات صوب الهدف الأسمى والمستحق. لذلك ينبغي أن نتعامل مع الأطر النظرية والمعالم الفكرية والثقافية لمشروعات النهضة والتقدم، وفق هذا النسق والرؤية، وبعيدا عن كل الآراء الطوباوية ووجهات النظر البلهاء، التي تعتقد أن امتلاك النظرية يكفي لاجتراح معجزة التقدم.

إن امتلاك النظرية السليمة، المستندة على تشخيص دقيق وواع للداء الحقيقي، شرط من شروط التقدم، وليس من المعقول أن يحلّ هذا الشرط محل الشروط الأخرى الضرورية. من قبيل توفر إرادة جمعية للتقدم، ووجود أطر ومؤسسات تستوعب طاقات الناس وتوجهها نحو الهدف الأسمى، وقيم جديدة تصقل المواهب، وتنظم العلائق المجتمعية وفق أسس جديدة وأهداف منسجمة وحركة المجتمع الحضارية.

فالمطلوب بدقة، هو التعاطي الإيجابي مع الأطر النظرية لمشروع التقدم، حتى تتحول هذه الأطر بتعاملنا الإيجابي والفعال، وإرادتنا وسعينا المتواصل، إلى حقائق ووقائع قائمة في وجودنا المجتمعي.

فالخروج من دهاليز التخلف والانحطاط، واجتراح مشروع تقدمنا الحضاري، هو وليد كسبنا واجتهادنا المستديم في هذا السبيل. فخيارنا الاستراتيجي الذي يعيد مجدنا كأمة، ليس التغني بأمجاد الماضي والهروب من الراهن، والانزواء عن قضاياه الكبرى. وإنما هو في طرد كل العوامل والأسباب المفضية إلى هروبنا وانزوائنا وتقاعسنا من جسمنا العام، حتى تتهيأ وتنغرس في محيطنا كل عوامل الانطلاقة الحضارية الشاملة.

فالخروج من واقع الانحطاط، لا يتأتى دفعة واحدة أو بصورة مستعجلة، وإنما هو بحاجة إلى جهود متواصلة وفق السياق الحضاري المرسوم، ووعاء زمني تنتظم فيه هذه الجهود والطاقات، واشتراك لجميع الفئات والشرائح في عملية الإقلاع وبناء وقائع التقدم.

اضف تعليق