إنسانيات - تعليم

غربيل دافوس

ليس ببعيد ذلك اليوم الذي تقف فيه الحكومة عاجزة أكثر مما هي عليه اليوم عن استيعاب سيول الخريجين من الجامعات العراقية الرسمية والأهلية، الصباحية والمسائية، وسيحاصرها الخريجون من الجهات الأربع، ولن تجد لها منفذا للخروج من هذه الأزمة المحتملة والخانقة للغاية، وربما تشكل تهديدا حقيقيا ليس للحكومة وانما للنظام السياسي برمته.

وان اغماض العيون عنها، او ترحيلها لسنوات قادمة لن يزيدها الا تعقيدا، فهي ككرة الثلج يزداد حجمها بدورانها وطول عمرها، ذلك ان جامعاتنا تخرج سنويا عشرات الآلاف من الطلبة الذين يأملون بعد التخرج بالحصول على وظيفة في مؤسسات الدولة، وهو هدف لا وجود لغيره في أذهانهم لبداية حياة شبابية لها استحقاقاتها المادية والمعنوية.

وسيُحاجج هؤلاء الخريجون الحكومة بأنهم من الكفاءات ولا يليق بهم العمل في مهن لا تتناسب مع شهاداتهم، مع ان الكثير منهم لم يحصلوا على التأهيل الكافي، ليس لقصور في الأداء الجامعي، بل لكثرة أعدادهم في الجامعة التي لا تتناسب مع بناها التحتية، وقدرات ملاكاتها التدريسية، اذ يتعذر ايلاء جميع الطلبة القدر نفسه من الاهتمام العلمي بسبب تشتت الجهود بين أعداد غفيرة لا تستوعبهم المختبرات وأحيانا حتى قاعات الدرس، وبالتالي عدم اكتساب الطلبة المهارات الوافية والمعرفة الكافية.

وكنا قلنا ان التوسع في القبول ليس بالضرورة صحيحا، وان عدد الحاصلين على الشهادات الجامعية ليس معيارا للتقدم، وان الموافقة على استحداث الكليات الأهلية التي وصل عددها الى المئات، لا يعني تطورا في مسيرة التعليم العالي. فقد أشرعت الكليات الأهلية أبوابها لقبول الكثير من الفاشلين، وقد يحصل هؤلاء بعد التخرج على فرص تعيين يُحرم منها خريجو الكليات الرسمية الأكثر تأهيلا وكفاءة، وهذا ما حصل في الكثير من الحالات.

وأكدنا مرارا ان علينا البحث عن النوع وليس الكم، فبناء الدولة والمجتمع يحدث بالنوع حصرا، وان تركيزنا يفترض أن ينصب على الطلبة الأذكياء الذين يستحقون التأهيل في أروقة الجامعة، لأن طاقات هؤلاء الطلبة تتبعثر وتتلاشى ضمن الكم الكبير من الطلبة.

فما العبرة من أعداد مهولة من الخريجين، لكننا لم نلمس ارتقاء ثقافيا في الواقع، وما فائدتهم عندما لا تكون هناك مشاريع تنموية لتوظيف امكانيات الأكفاء منهم، نريد أن نؤهل الناس للحياة، وليس لضياعهم في الوهم.

أرى ألا طريق لحلحلة هذه الأزمة سوى غربلة مخرجات المراحل الدراسية كافة، ويجري هذا بالتنسيق بين وزارتي التعليم العالي والتربية، واظن ان الغربلة يجب أن تكون على وفق نسبة محددة او معدل بعينه، بمعنى ان الطالب لن ينتقل الى المرحلة الاعدادية مالم يكن ضمن هذه النسبة او المعدل المحدد، وبقية الناجحين يذهبون الى الاعداديات المهنية ومراكز التدريب، فنحن بحاجة الى ملاكات وسطية في الحدادة والكهرباء والميكانيك والزراعة وغيرها، بل الأفضل لهؤلاء الطلبة ان يشقوا مسيرتهم الحياتية بتعلم مهنة بطريقة علمية في حال لم يحصلوا على وظيفة رسمية.

وكذا الحال بالنسبة للقبول في الجامعات التي يفترض أن تكون معدلاتها عالية جدا، وألا تقل معدلات القبول في الكليات الأهلية سوى بدرجتين فقط عما يسمى بالقبول الموازي وفي جميع الاختصاصات، وان يجري ذلك من خلال استمارة وزارية، يتعذر التلاعب بها، ومحاسبة الكليات التي تخترقها، فضلا عن اغلاق جميع الأقسام في الكليات الأهلية غير المستوفية للشروط المطلوبة، وان يطبق هذا الاجراء بشكل مخلص ودقيق بعيدا عن المجاملات وغيرها.

وأرى أن نضّيق القبول في الدراسات العليا الى أدنى حد ووفقا للحاجة، وألا يسمح لأي كان بالدراسة خارج العراق الا من كان معدله في التخرج مساو لأدنى معدل مقبول في الدراسات العليا في كلياتنا في السنة نفسها او التي قبلها، يراد لنا مؤتمر علمي حقيقي وليس اعلامي لمناقشة واقع التربية والتعليم في البلاد واتخاذ قرارات حاسمة، فما زالت صدمة دافوس ترن في الدماغ بالرغم من كونها متوقعة.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق