كنت قلت في مستهل حديثي في فعالية علمية نظمها بيت الحكمة بعنوان (الاعلام وادارة الأزمات): ان الاعلام لم يعد السلطة الرابعة، وهو التعبير المجازي الذي استخدم لوصف أدواره الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية وغيرهما من المجالات، بل أصبح السلطة الأولى في عالمنا المعاصر فعليا وليس مجازيا، بدءا من الاسرة التي انتهك فيها السلطة الأبوية، ووصولا الى الدولة التي اخترق سيادتها الاعلامية، فصار يثير أزمات، ويغير أنظمة، ويسقط حكومات، ويؤجج الجماهير، ويرسم معالم جديدة للبطولة.

فالأعلام خط الدفاع الأول عن الدولة والمجتمع، ورأس الرمح بين أدوات ادارة الأزمات، وليس (العربة) التي تتبع الفعل السياسي على حد تعبير استاذنا الكبير الدكتور حامد ربيع 1925ــ 1989 الذي قال ذلك يوم لم يكن الفضاء الاعلامي مفتوحا. وهذا هو ديدن الاعلام الفاعل، أي المؤثر.

فلا قيمة لإعلام ما لم يكن مؤثرا في الجمهور، وافتقاد التأثير لا يعني سوى بعثرة للطاقات وهدر للأموال ومضيعة للوقت، ويتوهم البعض بان التأثير يحدث بمجرد وصول الرسالة الى الجمهور، بينما المؤثر منها فقط تلك التي جرت صياغتها بمستوى عال من الجودة شكلا ومضمونا، والاعلام الفاشل ذاك الذي يركن الى (الوصول) ولا يتطلع الى التأثير.

وهذا ما ينطبق على غالبية عملنا الاعلامي بالرغم من كثرة وسائله وتنوع جهاته، ولأنه كذلك توزع جمهورنا بين وسائل اعلامية عربية واخرى أجنبية ناطقة بالعربية تتقاذفه أمواجها باتجاهات شتى، لتشكله بالطريقة التي تريدها، وتغرس في عقله ووجدانه ما تريد له أن يُغرس، بينما لا حضور حقيقي لإعلامنا وسط هذه الأمواج المتلاطمة سوى لبضع وسائل خاصة استطاعت بإمكانيات فردية ان تستحوذ على نسبة معينة من الجمهور المحلي وليس الخارجي، بينما وقف اعلامنا الرسمي عاجزا عن المجاراة والمنافسة، لا للإعلام الوافد، ولا للإعلام المحلي الخاص، في حين يفترض بهذا الاعلام الذي يستند الى امكانيات دولة أن يكون في المقدمة وصولا وتأثيرا، بحكم طبيعة الوظائف المطلوب منه القيام بها، كإشباع الجمهور بمفاهيم المواطنة والحرية والتسامح التي يتطلبها النظام السياسي الجديد، فضلا عن تعزيز النسيج الاجتماعي، وتعميق الوحدة الوطنية، وغرس حب الوطن لدى الناشئة، فبغير ذلك لا يمكن مواجهة التحديات التي تعترض البلاد، وحماية المجتمع من فعل اعلامي وافد قد ينطوي على ما هو تخريبي.

على الصعيد الخارجي فشل اعلامنا في عبور الحدود، وهذا ما أكدته دراسة محلية ان الجمهور العربي لا يعرف شيئا عما يدور في الساحة العراقية، وما يعرفه هو المنقول عبر القنوات العربية والأجنبية، فهو يرى العراق بعيونها، وليس بالضرورة أن تعكس رؤيتها الحقيقة دائما، فالانتقائية المبنية على المواقف المسبقة تحكم الكثير منها.

يجعلنا هذا بمواجهة سؤال كنا قد طرحناه مبكرا وبصيغ مختلفة: ما الذي يجعل الاعلام الرسمي ضعيف التأثير في الجمهور المحلي، وبلا حضور في الساحة العربية، مع ان العراق يمتلك الامكانيات، وبحاجة الى التعريف بوضعه، ومحو تلك الصورة السوداوية التي رسمتها له بعض الفضائيات التي تميعت مع القوى التي استهدفت تدمير العراق.

والجواب كيف لهذا الاعلام أن ينهض بمثل هذه المهام، اذا كان مرتعا للطارئين وغير الأكفاء، والذين وضعتهم الأحزاب في بعض حلقاته، فلم يحدث أن تولاه متخصصون يديرونه بطريقة علمية ومهنية، فضلا عن ضآلته من حيث الكم قياسا الى الاعلام الحزبي الذي تقف بعض أهدافه بالضد من القيم التي نريد لها الشيوع، فالجميع يدرك ان البيئة المتأزمة في العراق هي حصيلة عمل اعلامي عشوائي في جانب كبير منها، وكان للإعلام الحزبي فيها حصة الأسد. أسباب شتى تقف وراء هذا العجز، ولا يجد المرء تفسيرا لسلوك اللامبالاة ازاءه، والقبول بعمل اعلامي لا يمكن وصفه الا بالسطحي.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق