بقلم: روبرت سكيدلسكي

لندن ــ كان جون مينارد كينز نصيرا قويا لخطة الصفقة الجديدة التي أطلقها الرئيس الأميركي فرانكلين ديلانو روزفلت. حيث كتب أن الطريق إلى مستقبل متحضر يمر عبر واشنطن، وليس موسكو - في رد مباشر على أولئك المثاليين، بما في ذلك بعض طلابه، الذين وضعوا ثقتهم في الشيوعية.

لكن روزفلت لم يسلم رغم ذلك من انتقادات كينز. على وجه التحديد، أشار كينز إلى خطأ روزفلت في الخلط بين التعافي والإصلاح. فالتعافي من الركود هو الأولوية الأولى؛ أما الإصلاحات الاجتماعية، "حتى الحكيمة والضرورية منها"، فقد تقف عائقا أمام التعافي من خلال تدمير الثقة في الأعمال التجارية. وكأنه تنبأ بنقاشات اليوم حول أولويات السياسة الاقتصادية لما بعد الجائحة، دفع كينز بفكرة أن ترتيب تسلسل الأولويات على النحو المناسب هو مفتاح نجاح الصفقة الجديدة.

كان المستشارون في "صندوق أفكار" فرانكلين روزفلت إصلاحيين، وليسوا من أتباع كينز، وكانت لديهم وجهة نظر مختلفة. حيث عزوا الكساد الكبير إلى القوة المفرطة التي كانت الشركات تتمتع بها، وتصوروا أن الطريق إلى الانتعاش يكمن في إحداث تغيير مؤسسي. نتيجة لذلك، كان ما يسمى بالتحفيز الكينزي مكونا ثانويا في الصفقة الجديدة - معالجة طارئة في انتظار تطوير علاجات أطول أمدا.

احتج كينز نفسه مرارا وتكرارا بأن الإنفاق الفيدرالي الإضافي الذي تضمنته الصفقة الجديدة لم يكن كافيا لتحقيق انتعاش كامل. حيث بلغ إجمالي حزمة التحفيز التي قدمها فرانكلين روزفلت بقيمة 42 مليار دولار - والتي أُنفق معظمها في السنوات الثلاث الأولى من رئاسته، من 1933 إلى 1935- نحو 5-6٪ من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة آنذاك. ورأى كينز، الذي تبنى وجهة نظر متفائلة عن المضاعف المالي، أن الحزمة لا بد أن تزيد إلى الضِـعف.

قال بول كروجمان، الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، الشيء ذاته تقريبا عن حزمة التحفيز التي قدمها الرئيس باراك أوباما عام 2009 بقيمة 787 مليار دولار، والتي بلغت 5.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى أساس مثل هذه الحسابات غير الدقيقة، تبدو خطة الإنقاذ الاقتصادي التي وضعها الرئيس جو بايدن البالغة 1.9 تريليون دولار، أي ما يعادل 9٪ من الناتج المحلي الإجمالي الحالي، مقاربة للصواب.

كان كينز يتحدث عن التحفيز المالي، واشتهر بكونه متشككا في التحفيز النقدي الذي حاول تطبيقه كل من الرئيس هربرت هوفر في عام 1932 وروزفلت في عام 1933 - والذي يُـشار إليه الآن "بالتدابير النقدية غير التقليدية"، أو ببساطة، التيسير الكمي. في ذلك الوقت، كما هي الحال الآن، كان الهدف يتمثل في إنعاش الأسعار عن طريق طباعة النقود.

كانت أكثر هذه المخططات إثارة للجدال، وهي موجة شراء الذهب التي قادها روزفلت، مصممة لتعويض الانهيار في أسعار السلع الأساسية. وكما أوضح فرانكلين روزفلت في إحدى خطابات "أحاديث المدفأة" الشهيرة، فإن ارتفاع أسعار الخنازير يعني ارتفاع أجور القطاعات الزراعية ومعها القوة الشرائية. لكن في الواقع، فشلت عمليات شراء الذهب الواسعة النطاق من قبل وزارة الخزانة الأميركية ومؤسسة تمويل إعادة الإعمار في تحريك أسعار الخنازير، أو أي شيء آخر.

كان رد فعل كينز لاذعا. فقال إن ارتفاع الأسعار يأتي نتيجة للتعافي، ولا يكون سببا له، مضيفا أن محاولة زيادة الإنتاج بزيادة كمية المال تشبه "محاولة زيادة الوزن بشراء حزام أكبر". كل ما حققه برنامج روزفلت لشراء الذهب هو استبدال اكتناز الذهب باكتناز العملات. ومع ذلك، يعيد الاقتصاديون اختراع العجلة الخطأ باستمرار. حيث جسدت برامج التيسير الكمي في الفترة بين 2009 و2016 النظرية المضللة ذاتها، وفشلت بالمثل في تعزيز مستوى الأسعار.

على نحو مماثل، انتقد كينز أحكام إدارة الإصلاح الوطني التي حاولت هندسة التعافي من خلال تعزيز موقف العمالة. فكان يرى أن هذه الطريقة أيضا خاطئة: حيث تأتي خطوة إرهاق سوق العمل بتكاليف إضافية بعد تأمين طريق التعافي، وليس قبل ذلك. وبينما لم يعترض كينز قَـط على وعد فرانكلين روزفلت بطرد الصيارفة من المعبد، لا بد أنه تساءل عن كيفية تأثير ذلك على ثقة نظام مالي مشلول.

أخيرا، صرح كينز عن قلقه من أن الخلط بين التعافي والإصلاح من شأنه أن يضع إدارة روزفلت أمام "الكثير مما يستوجب التفكير فيه دفعة واحدة". ويجب أن تُسجل هذه الملاحظة بمثابة تحذير لأولئك الذين يرون في أزمة اقتصادية فرصة لدفع جميع مخططاتهم المفضلة، بغض النظر عن الاتساق الزمني.

لا شك أن تأكيد كينز على أهمية تحديد التسلسل المناسب للسياسات أمر وثيق الصلة بما يحدث اليوم. لكن مع خروجنا من جائحة كوفيد-19، يبدو التمييز بين التعافي والإصلاح - وبالتالي بين السياسة الكلية والجزئية، وفي الأمدين القريب والبعيد - أقل وضوحا مما بدا لكينز (وآخرين) في الثلاثينيات.

بادئ ذي بدء، من الواضح أن سياسة التشغيل الكامل للعمالة ترتبط الآن بقابلية التوظيف، الأمر الذي لم يكن كذلك في الثلاثينيات. فلم يكن السبب وراء بطالة كثيرين في ذلك الوقت راجعا إلى افتقارهم إلى المهارات التي تتطلبها الصناعة، بل كان السبب أن الطلب الكلي لم يكن كافيا.

وهكذا كتب كينز في ديسمبر 1934 أن الغرض من إنفاق الحكومة "مبلغ صغير من المال" هو تشجيع "الأفراد والشركات على إنفاق مبلغ أكبر كثيرا". أما مصارف هذا الإنفاق فلم تكن مصدر قلق من منظور واضعي السياسات.

في عصر الأتمتة اليوم، لا تستطيع أي حكومة أن تتحمل ترف اتخاذ مثل هذا الموقف المتعجرف تجاه استدامة التوظيف. في الواقع، في وقت مبكر من عام 1930، توقع كينز ظهور البطالة التكنولوجية باعتبارها مشكلة خارج نطاق إدارة الطلب.

منذ ذلك الحين، أدى التهديد المتزايد بظهور وظائف زائدة عن الحاجة إلى توسيع ما أسماه كينز "أجندة" الحكومة. على وجه الخصوص، يجب أن تهتم الدولة بصورة أساسية بسرعة الابتكار التكنولوجي، واختيار التكنولوجيات، وتوزيع مكاسب الإنتاجية التي تتيحها التكنولوجيا.

في السنوات القادمة، سيحتاج تطبيق سياسة التوظيف الكامل الكينزية غير المعقدة إلى إفساح المجال ليس فقط لضمان التدريب، ولكن أيضا لضمان الدخل مع تغير طبيعة العمل وانخفاض كمية العمالة البشرية الضرورية. وبالتالي، قد يكون التوظيف المستدام مختلفا تماما عما نتصوره الآن عن التشغيل الكامل للعمالة.

ثم لدينا مسألة الاستدامة البيئية. فعلى الرغم من إدراك كينز أن الدولة تحتاج إلى توفير حصة أكبر كثيرا من الاستثمار، إلا أن هذا كان يتمحور بشكل أساسي حول تخفيف حدة التقلبات في دورة الأعمال، وليس التخطيط لمستقبل بيئي مستدام. (كانت مؤتمرات التغذية تشعره بالملل دائما). لقد كان ليبراليا للغاية، أو ربما ببساطة أغلب الوقت، على نحو يمنعه من الاعتقاد بأن أجندة الدولة يجب أن تتضمن صياغة المستقبل بشكل متعمد من خلال اختيارها لمشاريع الاستثمار والاستهلاك.

اليوم، يلقي الإصلاح الاقتصادي ظلالا على التعافي إلى حد أكبر بكثير مما كان عليه الأمر عندما ميَّز كينز بين الاثنين. لكن طريقته في تحديد العلاقة بينهما تمثل نقطة انطلاق واضحة يمكن من خلالها بناء كليهما على نحو أفضل.

* روبرت سكيدلسكي، أستاذ فخري لعلوم الاقتصاد السياسي بجامعة وارويك، وعضو في مجلس اللوردات البريطاني ومؤلف سيرة حياة ثلاثة مجلدات من جون ماينارد كينز
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق