بناء قدرة إقليمية مستقلة نسبيًا، لا تقطع مع واشنطن، ولا تتحول إلى حرب دائمة مع إيران، ولا تجعل إسرائيل مركز النظام الأمني الجديد. إذا استطاع اتفاق مكة الانتقال من النص السياسي إلى المؤسسات العسكرية، فقد يمثل بداية لنظام «الأمن متعدد الطبقات»: تتحمل فيه القوى الإقليمية جزءًا أكبر من مسؤولية ردع...
جاء توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس/آب 2026 في لحظة لم تعد فيها قضية الأمن الإقليمي مرتبطة فقط بالخلافات التقليدية بين دول الشرق الأوسط، بل بمشكلة أكبر: كيف تستطيع دول المنطقة حماية نفسها عندما تتحول المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران إلى حرب تمتد آثارها إلى أراضيها وموانئها ومنشآتها النفطية وطرق تجارتها؟
الاتفاق ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا عليها جميعًا، ويستهدف تعزيز الردع المشترك وتطوير التعاون الدفاعي. ومع ذلك، لم تكشف الدول الثلاث حتى الآن عن التزامات عملياتية تفصيلية تحدد متى وكيف تتحرك كل دولة عسكريًا إذا تعرضت الأخرى لهجوم. كما أكدت الرياض وأنقرة أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، وأنه ليس مشروعًا لتكتل مذهبي أو سباق تسلح نووي.
لكن أهمية الاتفاق تتجاوز نصوصه المعلنة. فهو يجمع السعودية، مركز الثقل الخليجي وأحد أكبر مصدري النفط في العالم، وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي وصناعة دفاعية متنامية، وباكستان التي تملك جيشًا كبيرًا وقدرة نووية. والأهم أنه يأتي بعد خمسة أشهر تقريبًا من الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وبعد وصول الرد الإيراني إلى دول الخليج وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وتجدد هجمات الحوثيين، وظهور مخاوف سعودية من عمليات متزامنة تنطلق من العراق واليمن.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان اتفاق مكة «تحالفًا جديدًا» فحسب، بل ما إذا كانت المنطقة تشهد بداية انتقال من الأمن الذي تديره الولايات المتحدة بصورة شبه حصرية إلى أمن متعدد الطبقات تشارك القوى الإقليمية نفسها في إنتاجه، من دون الاستغناء عن واشنطن.
اتفاق سابق على الحرب سرّعته الحرب
الاتفاق لم يولد نتيجة أحداث الأسبوع الأخير وحدها. فقد أفادت رويترز بأن المفاوضات حول الإطار الثلاثي استمرت نحو عام، وأنها كانت مطروحة قبل انفجار المواجهة الحالية. لكن التطورات العسكرية سرّعت التوصل إليه، بحسب مصدر قريب من الجيش السعودي نقلت عنه وكالة فرانس برس. وهذا التفصيل مهم لأنه يمنع قراءته بوصفه رد فعل عابرًا على هجوم محدد، وفي الوقت نفسه يوضح كيف أعطته الحرب معنى استراتيجيًا أكبر من المعنى الذي كان سيحمله في الظروف الطبيعية.
منذ الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير، لم يبق القتال محصورًا بين واشنطن وتل أبيب وطهران. إيران وحلفاؤها استهدفوا دولًا خليجية وطرق نقل الطاقة، وتعرضت السعودية لهجمات، بينما تعطلت الملاحة في هرمز وارتفعت كلفة الطاقة عالميًا. وفي مطلع أغسطس اتسعت الأزمة مع تحذير إيراني مباشر لدول الخليج بأن منشآت النفط والطاقة والكهرباء والمياه والنقل يمكن أن تصبح أهدافًا إذا سمحت واشنطن باستمرار الهجمات أو لم تعمل على وقفها.
ومن هذه الزاوية، أحدثت الحرب تحولًا في مفهوم التهديد. ففي السابق كانت دول الخليج تنظر إلى الوجود الأميركي باعتباره عنصر الردع الرئيس ضد الهجوم الخارجي. أما الآن، فقد أصبحت تواجه مفارقة: الولايات المتحدة هي الضامن الأمني، لكنها في الوقت نفسه طرف في حرب يمكن أن تستجلب الرد الإيراني إلى أراضي الحلفاء الأميركيين أنفسهم. وهذه المفارقة هي التي تمنح اتفاق مكة أهميته.
لماذا السعودية وتركيا وباكستان؟
يكشف تكوين الاتفاق عن محاولة جمع قدرات مختلفة أكثر مما يكشف عن مجرد تقارب سياسي.
السعودية تمتلك المال والطاقة والموقع، لكنها اكتشفت خلال أزمات متتالية أن الإنفاق العسكري الكبير لا يساوي تلقائيًا قدرة مستقلة على الدفاع عن البنية التحتية شديدة الحساسية. هجمات أرامكو في 2019 شكلت إنذارًا مبكرًا، والحرب الحالية أكدت مجددًا أن صواريخ وطائرات مسيرة قليلة يمكن أن تضع منشآت الطاقة والمطارات والموانئ في قلب المعركة.
تركيا تضيف عنصرًا مختلفًا. فهي قوة عسكرية كبيرة، عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك خبرة قتالية وصناعة متقدمة نسبيًا في الطائرات المسيّرة والصواريخ والذخائر والسفن وأنظمة الدفاع. كما أن علاقاتها العسكرية مع السعودية وباكستان قائمة أصلًا، وليست نتاج الاتفاق الجديد. السعودية مشتَرٍ مهم للمسيّرات التركية، فيما تتمتع أنقرة وإسلام آباد بتعاون في التدريب والسفن والطائرات.
أما باكستان فتضيف القوة البشرية والخبرة العسكرية، إلى جانب العامل النووي. لكن هذا العامل يحتاج إلى ضبط تحليلي. فوجود دولة نووية داخل اتفاق دفاع جماعي يرفع من قيمته النفسية والردعية، إلا أن إسلام آباد سبق أن قللت من التكهنات بشأن تمديد مظلتها النووية إلى السعودية، وقالت إن السلاح النووي لم يكن جزءًا من الاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني السابق. ولذلك لا توجد حتى الآن قاعدة تسمح بالحديث عن «مظلة نووية باكستانية» للسعودية أو تركيا.
المهم إذن أن الدول الثلاث تقدم عناصر متكاملة نسبيًا: التمويل والطاقة، والقدرة الصناعية والعسكرية، والخبرة والقوة البشرية. وإذا انتقل الاتفاق لاحقًا إلى دفاع جوي وصاروخي مشترك وإنذار مبكر واستخبارات وأمن بحري وصناعات دفاعية متكاملة، فستصبح هذه العناصر أهم بكثير من التعهد السياسي ذاته.
ليس محورًا مذهبيًا رغم لغة بعض التغطيات
وصفت بعض التغطيات الاتفاق بأنه اجتماع لـ«قوى سنية»، وهو توصيف يرتبط بالتركيبة الدينية للدول الثلاث وبمقابلتها مع إيران ذات الأغلبية الشيعية. إلا أن تبني هذا الوصف كتعريف سياسي للاتفاق قد يكون مضللًا.
السعودية أعلنت رسميًا أن الاتفاق لا يشكل «تكتلًا طائفيًا أو مذهبيًا»، وتركيا شددت على أنه ليس موجهًا إلى دولة محددة. كما أن الدول الثلاث نفسها لا تتطابق بالكامل في مواقفها من الحرب: تركيا وباكستان انتقدتا جوانب من الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وفي الوقت ذاته اعترضتا على امتداد الرد الإيراني إلى دول المنطقة.
لذلك الأدق هو قراءة الاتفاق من منظور توازن المصالح والقوة، لا من منظور الانقسام المذهبي. فالرياض وأنقرة وإسلام آباد تريد منع الهيمنة الإيرانية، لكنها لا تريد بالضرورة الدخول في حرب لإسقاط إيران. كما يقلقها السلوك العسكري الإسرائيلي المتوسع، من دون أن يعني ذلك أنها تشكل جبهة عسكرية ضد إسرائيل. وهنا تظهر الطبيعة الأكثر تعقيدًا للاتفاق: إنه محاولة لإنتاج مركز قوة إقليمي لا يكون تابعًا بالكامل لأي من محوري الصراع.
إيران: الردع من دون إعلان العداء
من الناحية الرسمية، لا يستهدف الاتفاق إيران. ومن الناحية العملية، لا تستطيع طهران تجاهله.
السبب أن الحدث الذي سرّع توقيعه هو بالدرجة الأولى توسع دائرة الرد الإيراني إلى الخليج. وقد أفادت السعودية في 7 أغسطس بأنها تتوقع هجمات منسقة من فصائل عراقية من الشمال والحوثيين من اليمن من الجنوب، تستهدف مواقع مدنية واقتصادية بينها منشآت الطاقة والمطارات والموانئ. كما قالت إنها رصدت تحركات طائرات مسيرة وصواريخ مرتبطة بالاستعداد لهذه العمليات.
وقبل ذلك بيوم واحد، نقلت رويترز عن مصادر إيرانية وخليجية أن طهران أبلغت دول المنطقة بأن جولة أميركية جديدة تستهدف بنيتها التحتية ستقابل بهجمات على حقول النفط والمصافي وشبكات الكهرباء والمياه والنقل في الخليج. وتحاول إيران بهذه الاستراتيجية رفع كلفة أي ضربة أميركية على حلفاء واشنطن، بحيث تتحول عواصم الخليج نفسها إلى قوة ضغط على البيت الأبيض.
هنا يغير اتفاق مكة الحساب جزئيًا. فإذا أصبح الهجوم على السعودية يعني مبدئيًا استدعاء التزامات من تركيا وباكستان، فإن تكلفة توسيع المواجهة تصبح أعلى، حتى إذا ظلت طبيعة تلك الالتزامات غير واضحة.
لكن ذلك لا يعني أن الاتفاق يهيئ لحرب مع طهران. على العكس، يمكن أن يؤدي الردع الجماعي إلى تعزيز الدبلوماسية؛ لأن الهدف السعودي الظاهر هو رفع ثمن مهاجمة المملكة، وفي الوقت نفسه إقناع واشنطن وإيران بأن التسوية أقل كلفة من استمرار التصعيد.
المفارقة السعودية: تحالف دفاعي ومفاوضات مع إيران في الوقت نفسه
من أكثر مظاهر السياسة السعودية الحالية أهمية أنها لا تتجه في مسار واحد. ففي الوقت الذي أبرمت فيه الرياض الاتفاق الدفاعي الجديد، كانت تضغط على واشنطن لتأجيل ضربات جديدة ضد إيران والعودة إلى التفاوض. ووفق رويترز، تحدث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع الرئيس دونالد ترامب وحثه على منح الدبلوماسية فرصة بعد التهديدات الإيرانية الأخيرة. كما واصلت الرياض الاتصال بطهران، فيما تشير الاتصالات إلى جهود لإعادة فتح مضيق هرمز ووقف توسع الحرب.
هذه السياسة تكشف أن الهدف السعودي ليس تشكيل جبهة هجوم، بل بناء معادلة من ثلاثة أجزاء:
دفاع أقوى، وردع أوضح، ودبلوماسية أكثر فاعلية. فالدولة التي لا تمتلك قدرة دفاعية كافية تدخل المفاوضات وهي أكثر عرضة للضغط. أما إذا استطاعت أن تجعل مهاجمتها مكلفة، فإنها تستطيع التفاوض من موقع أفضل.
لهذا قد يكون من الخطأ وضع اتفاق مكة ومفاوضات خفض التصعيد في مسارين متناقضين. بل يمكن النظر إليهما باعتبارهما جزأين من السياسة نفسها: الردع لخدمة التفاوض.
ما الذي يعنيه الاتفاق للولايات المتحدة؟
هنا تظهر الدلالة الأكثر عمقًا. لمدة عقود، تأسست معادلة أمن الخليج على الوجود العسكري الأميركي، والقواعد الأميركية، والقدرات الدفاعية التي تشتريها دول المنطقة من واشنطن. ولا يوجد في اتفاق مكة ما يدل على أن الدول الثلاث تريد إنهاء هذه العلاقة.
تركيا باقية في حلف شمال الأطلسي وأكدت أن الاتفاق الجديد لا يتعارض مع التزاماتها فيه. السعودية ما تزال حليفًا أمنيًا رئيسًا للولايات المتحدة. وباكستان رغم تقلبات العلاقة، ما تزال صاحبة تاريخ طويل من التعاون العسكري مع واشنطن. لكن الجديد هو أن الحلفاء بدأوا يبحثون عن طبقة أمنية إضافية.
وقد وصف أندرياس كريغ من جامعة كينغز كولدج الاتفاق بأنه من أوضح العلامات على ابتعاد الشرق الأوسط عن نظام أمني «منظم أميركيًا حصريًا»، مشددًا في الوقت نفسه على أن الدول الثلاث لا تحاول استبدال الولايات المتحدة، وإنما تريد بناء قدرة على حماية مصالحها عندما لا تستطيع واشنطن القيام بذلك أو لا ترغب فيه. هذا التوصيف يقدم مفتاح فهم الاتفاق: المسألة ليست «أميركا أو اتفاق مكة»، وإنما الانتقال من مظلة أمنية واحدة إلى مظلات متراكبة.
وقد تشمل المعادلة الجديدة:
القدرات الوطنية لكل دولة، ثم التعاون الخليجي، ثم تركيا وباكستان، ثم التحالفات البحرية، ثم الشراكة الأمنية الأميركية. وهذه المنظومة تمنح السعودية تحديدًا خيارات أكبر، وتقلل خطر أن يصبح قرارها الأمني رهينة خيار واحد.
هل تخسر واشنطن نفوذها؟
ليس بالضرورة، على الأقل في المرحلة الأولى. فمن منظور الولايات المتحدة، يمكن لاتفاق يوفر قدرات دفاعية إضافية لحلفائها أن يخفف العبء العسكري الأميركي. واشنطن دأبت أصلًا على مطالبة الحلفاء بتحمل نصيب أكبر من كلفة الدفاع.
لكن الفرق سيظهر في من يحدد القرار. فإذا بقي الاتفاق أداة للتدريب والدفاع الجوي وحماية الملاحة والتعاون الصناعي، فقد يكون مكملًا للنظام الأميركي. أما إذا تطور إلى تنسيق سياسي واستراتيجي يسمح للدول الثلاث باتخاذ مواقف مشتركة مستقلة عن واشنطن، فستكون المسألة أكثر عمقًا.
وقد يكون المثال الأكثر وضوحًا الحرب الحالية نفسها. السعودية تريد منع ضربات أميركية جديدة على إيران خشية الرد على أراضيها. فإذا أصبح لديها تحالف إقليمي أكثر قوة، فقد تكون أقدر مستقبلًا على القول لواشنطن: مصالحنا الأمنية لا تتطابق دائمًا مع خياراتكم العسكرية. وهنا يبدأ التحول الحقيقي.
ماذا يعني الاتفاق لإسرائيل؟
لم يصدر حتى الآن موقف إسرائيلي رسمي مفصل؛ فقد رفض مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التعليق على الاتفاق عند سؤال رويترز. ولذلك يجب تجنب المبالغة في الحديث عن رد إسرائيلي لم يظهر بعد.
لكن من الناحية الاستراتيجية، الاتفاق يهم إسرائيل لثلاثة أسباب.
الأول أن تركيا، إحدى الدول الثلاث، تمر بعلاقة شديدة التوتر مع تل أبيب. وبالتالي فإن زيادة وزن أنقرة داخل بنية الأمن العربي والخليجي تمنحها قدرة أكبر على التأثير في الملفات التي تتقاطع مع إسرائيل.
الثاني أن السعودية كلما امتلكت خيارات أمنية إضافية قلّ احتياجها إلى بناء شراكة أمنية مع إسرائيل أساسها مواجهة إيران. فقد استندت تصورات كثيرة خلال السنوات الماضية إلى فكرة أن الخطر الإيراني سيدفع الرياض وتل أبيب بالضرورة نحو تعاون أمني أعمق. اتفاق مكة يقدم للسعودية مسارًا آخر: الردع مع تركيا وباكستان من دون الاضطرار إلى إدخال إسرائيل في معادلة أمنها الأساسية.
أما الثالث فهو الأهم: ظهور كتلة إقليمية كبيرة لا تقودها إيران ولا إسرائيل. فالنظام الإقليمي خلال السنوات الأخيرة بدا وكأنه يتجه نحو استقطاب بين محور إيراني وشبكة تحالفات أميركية–إسرائيلية. أما التعاون السعودي–التركي–الباكستاني فيفتح مجالًا لقطب ثالث يريد الحد من النفوذ الإيراني، لكنه لا يريد في الوقت نفسه أن يصبح جزءًا من نظام أمني تقوده إسرائيل.
وقد لخصت الباحثة بورجو أوزجليك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة هذا الاتجاه بقولها إن الاتفاق يركز على موازنة الهيمنة الإيرانية وبناء ردع إزاء إسرائيل، لا على التحرك باتجاه مواجهة مع طهران. وهذا ربما يكون أكثر تأثيرًا في إسرائيل على المدى البعيد من أي التزام عسكري مباشر.
هل يقيد الاتفاق إسرائيل عسكريًا؟
في الوقت الحالي لا. حيث لا يوجد مؤشرات على أن هجومًا إسرائيليًا على إيران أو سوريا أو طرف آخر سيؤدي تلقائيًا إلى دخول السعودية وباكستان وتركيا في الحرب. كما لا توجد آلية واضحة تفسر متى يعتبر الهجوم على مصالح دولة عضو سببًا لتفعيل الدفاع الجماعي.
لكن التأثير غير المباشر قد يكون أكبر. فالتنسيق العسكري والسياسي بين الدول الثلاث قد يرفع قدرتها على رفض استخدام مجالها الجوي أو بنيتها العسكرية في صراعات لا تريدها، وقد يمنحها وزنًا تفاوضيًا أكبر أمام واشنطن وإسرائيل وإيران معًا. إذن، تأثير اتفاق مكة على تل أبيب سياسي واستراتيجي قبل أن يكون عسكريًا.
هرمز والبحر الأحمر: الدفاع عن الدولة يصبح دفاعًا عن الاقتصاد العالمي
أزمة الحرب الحالية كشفت أن أمن السعودية لا يتوقف عند الحدود. فقبل الحرب كان نحو خُمس النفط المستهلك عالميًا يمر عبر مضيق هرمز، وفق رويترز، وأدى اضطراب الممر إلى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم. الولايات المتحدة تقول حاليًا إنها تتوقع اتفاقًا بين إيران وعُمان يسمح بعودة الشحن التجاري الطبيعي، وأنها سترفع حصارها عن الموانئ الإيرانية إذا دخل الترتيب حيز التنفيذ.
وفي الجهة الأخرى من شبه الجزيرة العربية، أعلن الحوثيون مهاجمة ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر وخليج عدن، بعدما أعلنوا حظرًا على الملاحة السعودية في البحر الأحمر. ورغم أن الرياض لم تؤكد الواقعتين، فإنها تعكس طبيعة التهديد الذي بات يطوق السعودية من جهتين: هرمز شرقًا والبحر الأحمر وخليج عدن غربًا. لذلك دعمت تركيا وباكستان أيضًا تحالفًا دفاعيًا بحريًا أعلنت السعودية تشكيله لحماية خطوط الملاحة ومسارات نقل الطاقة.
ومن هنا، لا يتعلق اتفاق مكة فقط بحماية أراضي الدول الثلاث، بل يمكن أن يتطور ليصبح جزءًا من منظومة أمن الطاقة: حماية الناقلات، الموانئ، خطوط الشحن، المنشآت النفطية، وممرات التجارة.
وهذا البعد يمنح الاتفاق أهمية عالمية؛ لأن أمن الخليج والبحر الأحمر ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد الدولية.
العامل النووي الباكستاني: قوة نفسية أكثر منها ضمانًا معلنًا
من الطبيعي أن يثير دخول باكستان في الاتفاق أسئلة عن الردع النووي. لكن الأدق التفريق بين وجود قوة نووية في التحالف وبين وجود مظلة نووية مشتركة.
المتاح حتى الآن يثبت الأول فقط. فقد أكدت باكستان سابقًا أن الأسلحة النووية لم تكن جزءًا من التفاهم الدفاعي مع السعودية. كما نفت الرياض أن يرتبط اتفاق مكة بطموحات نووية أو سباق تسلح.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الأثر النفسي. فالخصم الذي يحسب قدرات المجموعة سيضع في ذهنه أن إحدى دولها نووية، حتى لو لم يكن هناك تعهد رسمي باستخدام السلاح دفاعًا عن بقية الأعضاء. وهذا يخلق نوعًا من الغموض الردعي قد يكون مفيدًا سياسيًا، لكنه لا يساوي ضمانًا نوويًا ولا ينبغي تقديمه على هذا الأساس.
هل يصبح الاتفاق «حلفًا أطلسيًا إقليميًا»؟
الجواب حاليًا: لا. فحلف شمال الأطلسي ليس مجرد مادة تقول إن الهجوم على دولة اعتداء على الجميع؛ بل يمتلك هياكل قيادة، وخططًا عسكرية، وتنظيمًا مؤسسيًا، وقواعد تشغيل، وتدريبات متواصلة، وآليات تشاور وقدرات متكاملة.
أما اتفاق مكة فلم تكشف الدول الثلاث بعد عن تفاصيل مماثلة، ورويترز أشارت صراحة إلى أن البيان لم يوضح طبيعة الالتزام العسكري المترتب على التعرض للهجوم. لذلك يمكن وصفه حاليًا بأنه إطار دفاع جماعي ناشئ.
وستتحدد قيمته الحقيقية من خلال ما يأتي بعده:
هل ستنشأ قيادة أو أمانة دائمة؟ وهل ستوحد أنظمة الإنذار المبكر؟ وهل ستنتشر قوات أو دفاعات جوية مشتركة؟ وهل ستُجرى تدريبات دورية؟ وهل ستتكامل الصناعات الدفاعية؟ وهل ستوضع خطط فعلية للتعامل مع الصواريخ والمسيّرات والأمن البحري؟
إذا حدث ذلك، يصبح الاتفاق تحولًا مؤسسيًا. أما إذا بقي عند التعهد السياسي، فسيظل وزنه الرمزي أكبر من قدرته العملياتية.
العراق: الدولة الواقعة بين إيران والمنظومة الجديدة
العراق هو إحدى الدول الأكثر تأثرًا بالاتفاق، حتى وإن لم يكن طرفًا فيه. فهو يقع بين إيران والسعودية وتركيا، وتوجد داخله فصائل مسلحة مرتبطة بطهران، فيما تقول السعودية إن هجمات على منشآتها انطلقت من العراق. وقد نفذت الرياض والقيادة المركزية الأميركية في أواخر يوليو ضربات ضد مواقع لفصائل في العراق قالت إنها مسؤولة عن هجمات على منشآت النفط السعودية.
وفي 7 أغسطس، وهو يوم توقيع اتفاق مكة، التقى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي رئيس الاستخبارات السعودية خالد الحميدان في بغداد، وجدد أن الحكومة لن تسمح باستخدام الأراضي العراقية في أعمال تستهدف دولًا أخرى. وفي اليوم نفسه أعلنت فصائل عراقية تأجيل رد كانت تعده على الضربات الأميركية–السعودية، بعد دعوة من هادي العامري ومواقف لقادة سياسيين. كما جددت الرياض دعوتها للزيدي لزيارة السعودية بعد إلغاء زيارة سابقة إثر الضربات.
هذه التطورات تكشف أن السعودية لا تريد وضع العراق رسميًا في خانة الخصم، وإنما تريد دفع بغداد إلى منع القوى المسلحة من استخدام أراضيها في الصراع الإقليمي.
ومن هنا، فإن اتفاق مكة يزيد الضغط على العراق في ثلاثة اتجاهات.
أولًا، يصبح حصر السلاح بيد الدولة قضية تتعلق بعلاقات العراق الإقليمية، لا بالشأن الداخلي فقط.
ثانيًا، يحتاج العراق إلى منع تحوله إلى الحد الجغرافي الفاصل بين إيران وتحالف أمني يضم السعودية وتركيا.
ثالثًا، تستطيع بغداد الاستفادة من علاقاتها مع إيران والسعودية وتركيا للتحول إلى مساحة وساطة، إذا استطاعت أولًا فرض قرار الدولة على النشاط العسكري داخل أراضيها.
ولهذا يرتبط اتفاق مكة بصورة غير مباشرة بمستقبل مشروع الدولة العراقية نفسه.
من المظلة الواحدة إلى الأمن متعدد الطبقات
ربما تكون هذه هي النتيجة المركزية للاتفاق. فالنظام الأمني الذي بدأ يتشكل لا يقوم على إلغاء الولايات المتحدة، ولا على إعلان إيران عدوًا دائمًا، ولا على التحالف مع إسرائيل أو ضدها بصورة تلقائية. بل يقوم على توزيع أدوات الأمن بين مستويات متعددة:
القدرة الوطنية أولًا، التعاون الإقليمي ثانيًا، الشراكات العسكرية الدولية ثالثًا، والدبلوماسية مع الخصوم رابعًا.
السعودية مثلًا تحافظ على علاقتها الأمنية بواشنطن، وتبني شراكة مع تركيا وباكستان، وتؤسس تعاونًا بحريًا، وفي الوقت نفسه تتحدث مع إيران وتضغط من أجل إعادة فتح هرمز ووقف الحرب.
هذا النموذج أكثر مرونة من الاصطفاف التقليدي. إنه يقول إن الدولة تستطيع أن تكون حليفة للولايات المتحدة، وشريكة لتركيا وباكستان، ومنافسة لإيران، ومتفاوضة معها في الوقت نفسه.
ويمكن أن يصبح ذلك شكلًا جديدًا للسياسة الإقليمية بعد سنوات من المحاور الصلبة.
السيناريوهات المحتملة
يمكن تصور أربعة مسارات رئيسية لمستقبل الاتفاق:
الأول: أن يبقى إطارًا دفاعيًا محدودًا. يركز على التدريب والصناعات العسكرية وتبادل المعلومات، من دون التزام عملياتي قوي بالدفاع المشترك. وهذا هو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب بالنظر إلى غموض الالتزامات المعلنة.
الثاني: أن يتحول إلى منظومة ردع إقليمية فعلية. ويحدث ذلك إذا تطور التعاون نحو الدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر والأمن البحري والتدريبات والقواعد التشغيلية المشتركة. في هذه الحالة يصبح الاتفاق عنصرًا حقيقيًا في توازن القوة مع إيران، ويكتسب أيضًا وزنًا أمام إسرائيل.
الثالث: أن تدفع الحرب الاتفاق نحو اصطفاف مضاد لإيران. فإذا استمرت الهجمات الإيرانية أو هجمات حلفائها على السعودية، فقد تصبح الاعتبارات الدفاعية أكثر مباشرة. لكن السياسة السعودية والتركية والباكستانية الحالية تشير إلى محاولة تجنب هذا المسار، لا السعي إليه.
الرابع: أن يصبح نواة لاستقلال استراتيجي أوسع. وهذا لا يعني القطيعة مع واشنطن، بل بناء قدرة إقليمية تتيح للدول الثلاث التأثير في قرارات الحرب والسلام بدل الاكتفاء بالتكيف مع القرارات الأميركية أو الإيرانية أو الإسرائيلية.
وهذا السيناريو الأخير هو الأكثر أهمية إذا استمر الاتفاق وتعمقت مؤسساته.
استنتاجات
1. اتفاق مكة ليس وليد الحرب وحدها، لكن الحرب سرعت توقيعه وغيّرت معناه. فقد تحول من تعاون دفاعي قيد البحث إلى استجابة لحاجة عاجلة إلى الردع الإقليمي.
2. الاتفاق لا يمثل حتى الآن حلفًا عسكريًا متكاملًا. فالتعهد بالدفاع الجماعي واضح سياسيًا، بينما تبقى آليات التنفيذ والتدخل العسكري غير معلنة.
3. إيران هي العامل الأمني الأكثر مباشرة في توقيته، لكنها ليست الهدف الوحيد. فالدول الثلاث تقلق أيضًا من اتساع النشاط العسكري الإسرائيلي ومن محدودية قدرة الولايات المتحدة على منع انتقال الحرب إلى أراضي حلفائها.
4. السعودية لا تختار بين الردع والتفاوض مع إيران، بل تجمع بينهما. فهي تبني قدراتها الدفاعية، وفي الوقت نفسه تعمل على إقناع واشنطن وطهران بخفض التصعيد.
5. الاتفاق لا يستبدل المظلة الأميركية، لكنه ينهي عمليًا فكرة الاكتفاء بها. وهذا ربما يكون أهم تحوّل استراتيجي يحمله الاتفاق.
6. بالنسبة للولايات المتحدة، يمكن للاتفاق أن يكون تقاسمًا للأعباء أو بداية لاستقلال أمني أكبر، ويتوقف ذلك على مقدار الاستقلال السياسي الذي ستكتسبه المنظومة الثلاثية.
7. أما إسرائيل، فالتأثير عليها سياسي واستراتيجي أكثر منه عسكريًا مباشرًا. فظهور مركز قوة يضم السعودية وتركيا وباكستان يقلل احتمال اختزال أمن المنطقة في مواجهة ثنائية بين إسرائيل وإيران.
8. باكستان تمنح الاتفاق وزنًا ردعيًا إضافيًا، لكن لا توجد أدلة على قيام مظلة نووية مشتركة.
9. أمن الطاقة والممرات البحرية سيكون على الأرجح من أول المجالات التي تظهر فيها القيمة العملية للاتفاق بسبب هرمز والبحر الأحمر وخليج عدن.
10. العراق سيكون أحد أكثر البلدان تأثرًا بالمنظومة الجديدة. فكلما تعزز الردع السعودي الإقليمي، ازدادت كلفة نشاط الفصائل العراقية عبر الحدود، وازدادت أهمية حصر القرار العسكري بيد الدولة.
الخلاصة
اتفاق مكة الدفاعي لا يعني أن السعودية وتركيا وباكستان أسست في يوم واحد نظامًا أمنيًا جديدًا للشرق الأوسط، لكنه يعكس تحولًا أعمق بدأ بالفعل: دول المنطقة لم تعد مستعدة للاكتفاء بدور المتلقي لنتائج الصراع الأميركي–الإيراني–الإسرائيلي.
لقد كشفت الحرب أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة يحمل مفارقة واضحة؛ فالضامن الأمني نفسه قد يخوض حربًا تستجلب الرد إلى أراضي حلفائه. وفي المقابل، فإن التفاهم مع إيران وحده لا يضمن الأمن ما دامت طهران قادرة على استخدام الصواريخ والفصائل والممرات البحرية أدوات للضغط. كما أن إدخال إسرائيل في قلب النظام الأمني الإقليمي يواجه قيودًا سياسية واستراتيجية كبيرة.
من هنا يظهر الخيار الرابع: بناء قدرة إقليمية مستقلة نسبيًا، لا تقطع مع واشنطن، ولا تتحول إلى حرب دائمة مع إيران، ولا تجعل إسرائيل مركز النظام الأمني الجديد.
إذا استطاع اتفاق مكة الانتقال من النص السياسي إلى المؤسسات العسكرية، فقد يمثل بداية لنظام «الأمن متعدد الطبقات»: تتحمل فيه القوى الإقليمية جزءًا أكبر من مسؤولية ردع التهديدات، وتحافظ على تحالفاتها الدولية، وتمتلك في الوقت نفسه مساحة أوسع لمنع القوى الكبرى أو المنافسين الإقليميين من نقل صراعاتهم إلى أراضيها.
وبهذا المعنى، قد لا تكون الدلالة الأهم للاتفاق أنه يضيف تحالفًا جديدًا إلى تحالفات الشرق الأوسط، وإنما أنه يشير إلى تحول في السؤال الذي تطرحه دول المنطقة على نفسها: من «من سيحمينا؟» إلى «كيف نبني قدرة تحمينا وتمنحنا تأثيرًا في قرار الحرب والسلام؟».



اضف تعليق