إنَّ تجميدَ قواعدِ القانونِ الدوليِّ لحسابِ قانونِ القوةِ سيؤدي إلى سيادةِ الفوضى العالميةِ، وسيكونُ أكثرُ المتضررينَ منه الدولُ الصغيرةُ والشعوبُ الفقيرةُ. لا يمكنُ حلُّ الأزماتِ العالميةِ وإحلالُ السلامِ دونَ قواعدَ ناظمةٍ بعيداً عن المعاييرِ المزدوجةِ والمواقفِ الانتقائيةِ، فالمسألةُ ليستْ أخلاقيةً فحسب، بل هي معياريةٌ هيكليةٌ تتطلبُ العودةَ لجوهرِ ميثاقِ الأممِ المتحدةِ...

تلقّيت خلال الفترة القريبة المنصرمة عدداً من الأسئلة، بعضها من طلبة الدراسات العليا في جامعة اللّاعنف، وبعضها الآخر من صحافيين وناشطين مدنيين وسياسيين، وغالبية هذه الأسئلة تدور حول حرب الإبادة على غزة، وأين فاعلية القانون الدولي؟

هجوم عسكري

وهل بقي دور للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بعد تشكيل «مجلس السلام» برئاسة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، لتحويل غزّة إلى ريفييرا ثانية؟ وهل قواعد القانون الدولي بإمكانها حماية الدول من العدوان؟ أم أن قانون القوّة هو الحاكم؟ وبعد ذلك، كيف نفسّر الهجوم العسكري العدواني الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بزعم برنامجها النووي وامتناعها عن التخلي عن الصواريخ البالستية البعيدة المدى؟ ثمّ ألا يُذكّر ذلك بالعدوان على العراق العام 2003 بحجّة امتلاكه أسلحة دمار شامل وضلوعه بالإرهاب الدولي؟ ثم أين قوّة القانون الدولي في ظلّ استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2024؟ لقد استمرّ قصف الجنوب اللبناني يومياً وعلى مدى 13 شهراً، واليوم تجتاحه إسرائيل وتتوسّع بالعمليات العسكرية العدوانية، الأمر الذي ترك مئات الآلاف من النازحين في العراء، والهدف هو جعل الحياة مستحيلة.

فهل نشهد استقالة مجلس الأمن الدولي من دوره؟ وهل طوينا عهد الأمم المتحدة وقرأنا السلام على ميثاقها؟ وأين نظام الأمن الجماعي الذي تأسست وفقاً لمتطلّباته؟ وكيف أجازت تل أبيب وواشنطن لنفسيهما شن الحرب دون قرار من مجلس الأمن؟

لقد قامت الأمم المتحدة على قاعدة حفظ السلم والأمن الدوليين والحل السلمي للمنازعات الدولية، وحرّمت استخدام القوّة في العلاقات الدولية أو التهديد بها إلّا باستثنائيين؛ الأول – بإذن من مجلس الأمن الدولي؛ والثاني – دفاعاً عن النفس ضدّ هجوم مسلّح حسب المادة 51، ولا ينطبق أي من هذين الاستثنائيين على الحرب الدائرة منذ 28 شباط / فبراير 2026. لقد زعمت واشنطن بعد الهجوم على إيران فجر 22 حزيران / يونيو 2025 (حرب 12 يوماً) أنها دمّرت البرنامج النووي الإيراني بالكامل، أو على أقل تقدير ألحقت ضرراً بليغاً به، بحيث لم يعد بوسعه أن يشكّل تهديداً، فهل ثمة «مبرِّر» للحرب الجديدة أم أنه طغيان قانون القوّة؟

حرب وقائية

تزعم تل أبيب وواشنطن أيضاً أن شنّ الحرب إنما هو إجراء وقائي أو استباقي، لكن مثل تلك التبريرات تعود إلى القانون الدولي التقليدي، الذي كان سائداً ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث كان يمكن للدولة أن تأتي الحرب أنّا شاءت ضدّ خطر وشيك الوقوع أو تحقيقاً لمصالحها القومية وتأميناً لمجالها الحيوي، ووفقاً لعهد العصبة (1919)، ولاحقاً ميثاق بريان كيلوك (ميثاق باريس – 1928)، وبشكل أكثر جذرية وعمقاً في ميثاق الأمم المتحدة (1945)، تم تحريم استخدام القوّة وليس تقييدها فحسب، فلم يعد القانون الدولي تصنعه أوروبا أو الغرب، إنما أصبحت دول الجنوب العالمي والدول الصغيرة متساوية مع دول الشمال والدول الكبرى، ولا يمكن تجاهلها، دون نسيان ما منحه الميثاق من امتياز للدول الخمس الدائمة العضوية من استخدام حق الفيتو (النقض).

تعريف العدوان

استناداً إلى ما تقدّم، يرى الباحث أن هذه الحرب غير قانونية وغير شرعية بموجب قواعد القانون الدولي، بل هي وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص تعريف العدوان رقم 3314 (1974) تمثّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، وهي حرب عدوانية بكل ما تعني الكلمة، ومن حق إيران الدفاع عن نفسها، دون أن يعني تجاوزها إلى استهداف عدد من دول الخليج العربي ودول المنطقة، خصوصاً ضربها أهدافاً مدنية. إن ذلك عمل عدواني هو الآخر، كما أنه ليس في مصلحتها، فضلاً عن كونه خطأً استراتيجياً.

كما أن دخول دول أخرى في الحرب دعماً للعدوان على إيران، مثلما هدّدت فرنسا وبريطانيا وألمانيا هو مشاركة في العدوان، ولا بدّ هنا من التمييز بين هدف الدفاع عن النفس، وبين دعم الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي، خصوصاً وأن دساتير العديد من الدول الأوروبية لا ترخّص لحكوماتها دعم العدوان على بلد آخر، وإنما تحظر شن حرب عدوانية.

خلاصة الاستنتاج، لا يمكن حل الأزمات العالمية وإحلال السلام دون قواعد ناظمة للعلاقات الدولية بعيداً عن المعايير المزدوجة أو المواقف الانتقائية، فالحرب الروسية على أوكرانيا (24 شباط / فبراير 2022) مدانة من وجهة نظر الدول الغربية، لكن حرب الإبادة على غزّة، واليوم الحرب العدوانية على إيران ولبنان، يجري تبريرها على حساب قواعد القانون الدولي ووفقاً للمصالح الأنانية الضيقة.

قانون القوّة

إن تجميد قواعد القانون الدولي لحساب قانون القوّة سيؤدي إلى سيادة الفوضى العالمية، وسيكون أكثر المتضررين منه الدول الصغيرة والشعوب الفقيرة، التي ستكون ضحية لذلك، ولهذه الأسباب ندعو إلى التمسّك بالقانون الدولي، على الرغم من النواقص والثغرات والمثالب والعيوب فيه، بسبب عدم وجود قوّة عليا تستطيع فرض إرادة القانون الدولي وإنفاذه على من ينتهك قواعده، والمسألة ليست أخلاقية فحسب، بل هي معيارية هيكلية حسبما يقرّره الميثاق، ولن يتحقّق المنال إلّا حين تتلاقى مصالح الدول الكبرى بما يضمن السلام، في ظلّ توازنات وتقييدات، وهو ما تأسس عليه النظام العالمي منذ معاهدة ويستفاليا (1648) التي أنهت حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، وأقرّت بالتعدديّة الدولية وسيادة الدول ومساواتها القانونية، حتى وإن بقيت دون مساواة سياسية، وتلك حقيقة الفوارق بين السياسي والقانوني، التي ستظل قائمة، وستبقى تبحث عن معايير جديدة للعدالة والقيم الأخلاقية والإنسانية.

اضف تعليق