الشباب ثروتنا الحقيقية المتجددة

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

إن أكثر المجتمعات الحالية ما زالوا يقيّمون الإنسان بمقياس العمر والزمن؛ وما دام الشباب لم يقطعوا من الحياة إلا مسافة قصيرة فإن مجتمع الكبار لا ينظر إليهم نظرة ثقة واحترام، ولا يفسح لهم مجال التحرك والنشاط. وهذا على العكس تماماً من المقياس النبوي الذي جعل المعيار الحقيقي هو التقوى والكفاءة والقدرة على الإبداع...

(لعل أكثر المجتمعات الحالية ما زالوا يقيّمون الإنسان بمقياس العمر والزمن)

الإمام الشيرازي

يؤكد العلماء المعنيون بدراسة الإنسان ومراحل تطور المجتمعات، على أن مرحلة الشباب في حياة الإنسان تشكل الفتيل الحقيقي الذي تتفجر عنده الطاقات العقلية والبدنية، وهي الشرارة الأولى لنمو المواهب وتفتح المخيلة، فالشباب هم القلب النابض لكل أمة، والقوة المحركة للتغيير والابتكار والتطوير، ففي هذه المرحلة الفتية، يبلغ العقل ذروة نشاطه من حيث القدرة على الاستيعاب، والتحليل الفذ والرغبة العارمة في التعلم واكتشاف المجهول. 

بينما تتمتع الأجساد باللياقة والقدرة على تحمل المشاق والعمل الدؤوب دون كلل، وهذا المزيج الفريد بين النضج الفكري والنشاط البدني يولد دافعاً داخلياً عظيماً ينزع بالإنسان نحو إثبات الذات وتحقيق الأهداف المرجوة، كما أن هذه الإمكانيات الهائلة لا تكتمل قيمتها ولا تؤتي أُكلها إلا عندما تُترجم إلى دور فاعل في خدمة المجتمع والنهوض به، فالشباب هم الأكثر جرأة على مواجهة التحديات بأساليب مبتكرة تمزج بين الحماس والحكمة النامية. 

وعندما يجد الشاب المساحة المناسبة لإفراغ هذه الطاقات في البناء والعمل الجماعي والتطوع أو الإنتاج الفكري والاقتصادي، يتحول من مجرد فرد يسعى لتحقيق مآربه الشخصية إلى عنصر بناء أساسي، يسهم بفعالية في نهضة وطنه، ويصنع فارقاً حقيقياً يمتد أثره للأجيال القادمة، مؤكداً أن الشباب ليس مجرد عمر، بل ثورة إيجابية وعطاء لا ينضب.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (دور الشباب في إنهاض الأمة):

(عندما يمر الإنسان بمرحلة الشباب تتفجر طاقاته العقلية والبدنية وتتفتق مواهبه، وكل ذلك يؤهله ويشجعه لكي يقوم بدور ما في المجتمع). 

إن إفساح المجال للشاب ليمارس دوراً اجتماعياً حقيقياً يمثل الخطوة الأولى في مسيرة بناء الإنسان الصالح والمبتكر، فعندما يُمنح الشاب الثقة والفرصة للتعبير عن قدراته، مع توجيهه نحو المسار الذي يلائم مهاراته وميوله، يتحول حماسه الفطري إلى عمل ملموس يخدم أهدافه وأهداف مجتمعه. 

ترشيد الطاقات المتفجرة للشباب

فهذا التوجيه الرشيد لا يحد من حرية الشاب أو ابتكاره، بل يرشد طاقاته المتفجرة نحو قنوات إيجابية تجنبه التشتت، وتضمن استثمار جهوده في مجالات ذات أثر دائم، ومن خلال هذا الانخراط الاجتماعي الفاعل، تبدأ شخصية الشاب بالتبلور والنضج، حيث يتعلم تحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات، ومواجهة التحديات بثبات. 

كما أن هذا التفاعل المستمر ينمي كفاءاته الذاتية والمهنية، ويرتقي بأساليب تفكيره، ويمنحه خبرة اجتماعية عميقة تعزز قدرته على التواصل والإقناع والعمل الجماعي، ذلك لأن استثمار الشاب في الدور المناسب له يجعل منه عنصراً واثقاً بنفسه، قادراً على ترك بصمة مؤثرة ومفيدة في محيطه، ويصقل مهاراته الحياتية ليصبح قائداً مؤهلاً لصناعة المستقبل وخدمة وطنه برؤية واضحة وعزيمة لا تلين.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه النقطة:

(إذا فسحنا المجال للشاب لأن يمارس دوراً اجتماعياً، ووجهناه الوجهة المناسبة والملائمة له للقيام بدور صالح مفيد في المجتمع، يساعده ذلك على بناء شخصيته، وينمي فيه كفاءاته، ويزوده بالخبرة الاجتماعية).

إن حرمان الشباب من ممارسة رغبتهم المشروعة في أداء دور اجتماعي فاعل، وغياب التوجيه الصالح، ينذر بعواقب وخيمة تُربك كاهل المجتمع، فعندما تُغلق أبواب المشاركة أمام هذه الفئة الفتية، تؤول النتيجة حتماً إلى أحد مسارين أحلاهما مرّ: إما أن تخمد طاقات الشاب الهائلة وتُقتل مواهبه وتُدفن طموحاته تحت ركام الإحباط والتهميش، فيتحول إلى عنصر سلبي عاجز عن الإنتاج. 

وإما أن تنحرف تلك الطاقات الدفينة لتبحث عن متنفس لها في طرق غير مشروعة، فيبادر إلى ممارسة أدوار منحرفة والقيام بأعمال فاسدة تضر به وبمحيطه. ومن هنا تتجلى الأهمية القصوى لتعليم الشباب وتوجيههم الوجهة الصحيحة التي تستوعب تطلعاتهم، لتكون بمثابة الصمام الذي يحمي المجتمع من الانحراف، ويضمن تحويل هذه الطاقات الفائرة إلى قوة بناء وإعمار تؤتي أُكلها نماءً واستقراراً.

حيث يقول الإمام الشيرازي:

(إذا لم نهتم بهذه المسالة، ولم نفسح المجال للشباب في ممارسة رغبته المشروعة بأداء دور اجتماعي ضمن توجيه صالح، فستكون النتيجة أحد أمرين: إما أن تخمد طاقات الشاب وتقتل مواهبه وتدفن طموحاته، وإما أن يبادر إلى ممارسة أدوار منحرفة ويقوم بأعمال فاسدة، لذا لابد من تعليم الشباب وتوجيههم الوجهة الصحيحة).

لا لقياس العمر

ولابد من القول بأن السطحية في تقييم الإنسان بناءً على معيار العمر والزمن تظل إحدى الإشكاليات العميقة التي تعاني منها مجتمعاتنا المعاصرة، بما فيها بعض المجتمعات الإسلامية، حيث يسود الاعتقاد بأن الخبرة والحكمة حكرٌ على المتقدمين في السن، بينما يُنظر إلى الشباب، لمجرد أنهم قطعوا مسافة قصيرة في الحياة، بنوع من التهميش والقلة في الثقة والاحترام. 

إن مجتمع الكبار، في أحيان كثيرة، يحتكر مراكز القرار ويضع الفئة الفتية في خانة عدم الأهلية، مما يحرمهم من مساحات الحرية والتحرك الإيجابي، هذا الاحتجاز لقدرات الشباب يكرس الفجوة بين الجيلين، ويعطل طاقات هائلة قادرة على الابتكار والتجديد، مقيداً حركة المجتمع في إطار تقليدي جامد يفتقر إلى الحيوية والتطور المطلوب لمواجهة التحديات.

الإمام الشيرازي يقول عن هذه النقطة:

(لعل أكثر المجتمعات الحالية بما في ذلك بعض المجتمعات الإسلامية ما زالوا يقيّمون الإنسان بمقياس العمر والزمن... وما دام الشباب لم يقطعوا من الحياة إلا مسافة قصيرة فإن مجتمع الكبار لا ينظر إليهم نظرة ثقة واحترام ـ في بعض الأحيان ـ ولا يفسح لهم مجال التحرك والنشاط).

وقد أعلن النبي الكريم صلى الله عليه وآله رفض الإسلام القاطع لجعل العمر والسن مقياساً لتفاضل البشر أو استحقاقهم للمكانة والتكليف، وبدلاً من ذلك أرسى الإسلام معايير راقية تتجلى في التقوى والعمل الصالح والكفاءة، والقدرة على الإبداع والقيادة، وقد تجسد هذا المبدأ العظيم في المنهج النبوي عملياً حيث كان الرسول يكتشف الطاقات المتفجرة بين الشباب، ويعتمد على الخبرة والكفاءة بغض النظر عن الحداثة الزمانية، فيوليهم إدارة الشؤون وقيادة المسلمين في أحلك الظروف وأدق المهام. 

إن إسناد النبي المسؤوليات الجسام للشباب الذكي والمخلص أرسى قاعدة إسلامية أصيلة مفادها أن العطاء والقدرة على تحقيق النفع العام هما المعيار الحقيقي لمنح الثقة والقيادة، مما أتاح استثمار الطاقات البشرية بأقصى درجاتها لبناء مجتمع قوي متماسك.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي قائلا:

(وهذا على العكس من المقياس الذي اتخذه الرسول الكريم صلى الله عليه وآله في حياته الشريفة، فقد أعلن صلى الله عليه وآله رفض الإسلام لمقياس العمر والسن، وجعل المقياس الصحيح هو التقوى والعمل والكفاءة والقدرة على الإبداع، فكان يختار من بين أفراد المجتمع الإسلامي الطاقات المتفجرة، ويولّيهم إدارة وقيادة المسلمين).

وهكذا فإن طاقات الشباب تمثل الرصيد الثمين الذي تتوقف عليه نهضة المجتمعات واستمرار تطورها، كما أن تجاوز التقييم التقليدي المبني على العمر، والاقتداء بالمنهج النبوي الشريف في منحهم الثقة والتوجيه الصالح، هما السبيل الأمثل لبناء شخصياتهم وتحصينهم ضد الانحراف، لتنطلق إبداعاتهم في البناء والقيادة والإدارة الناجحة، وتتحول حماستهم إلى قوة إيجابية تصنع المستقبل وتضمن تقدم الأمة وازدهارها.

اضف تعليق