يعد مفهوم الاستلاب من المفاهيم الأكثر استعمالا وتداولا في خطابنا العربي المعاصر لتوصيف علاقة المثاقفة الواصلة بيننا وبين الغرب. ولفظ الاستلاب دال مفهومي يستعمل، خاصة من قبل الاتجاه الناقد لتقليد الغرب، وذلك للدلالة على حالة التبعية الثقافية ونقدها.

لكن ماذا عن الاستلاب في الاقتصاد كيف يكون وماهي الصورة التي يتجسد فيها، في كتابه (التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) يسلط الدكتور مصطفى الحجازي على وضعية المرأة حيث يشير إلى أن المرأة هي أفصح الأمثلة على وضعية القهر بكل أوجهها ودينامياتها ودفاعاتها في المجتمع المتخلف.

ويتجسد الاستلاب الاقتصادي فيما تتعرض المرأة له من عملية تبخيس دائم لجهدها، مما يسمح باستغلال هذا الجهد دون مقابل احيانا، وبقابل هزيل احيانا اخرى، كما تتعرض لتبخيس امكاناتها، مما يدفع بها دوما الى مواقع انتاجية ثانوية، بعيدة عن الخلق والابداع، وتتعرض الى طمس هذه الامكانات والطاقات من خلال حرمانها فرص التدريب الملائمة وبشكل متوازن مع الرجل، وتتعرض لغرس عدم الثقة بنفسها وامكاناتها مما يجعلها تكتفي بمكانة مهنية هامشية وتتوجه كي تحقق ذاتها الى ميادين اخرى لا تعطيها سوى وهم تحقيق تلك الذات.

هناك طبقية واضحة في توزيع النشاطات المعنية بين الرجل والمرأة فهي تعطى دوما الاعمال الثانوية او الهامشية او الرتيبة التي تخلو من الابداع، وتظل في حالة تبعية للرجل الذي يحتكر الاعمال الاساسية مما يتيح له بسط نفوذه عليها، ويقسم العمل عادة انطلاقا من اعتقاد ضمني بالدونية المهنية للمرأة، وتحاط هذه بمجموعة من الاساطير والمعتقدات حول امكاناتها الذهنية، اثبتت الدراسات النفسية الحديثة بطلانها بشكلا قاطع واسطورة عدم صلاحية المراة للنشاطات العقلية والرياضية والعلوم المجردة والتطبيقية والبحث العلمي العالي، وحال المراة في ذلك تماما كحال الفئة دون الكادحة التي توكل اليها الاعمال المبخسة او فضلات النشاط المهني الذي يرفضة المحظوظون حتى حين تتساوى الكفاءة المهنية، متأصلة في عقل الانسان المتخلف المبني على نمط طبقي اساسا، على نموذج السيادة والتبعية والتفوق والدونية. هذه القناعة تؤدي بدورها الى فقدان المراة للثقة بنفسها مهنيا مما يولد لديها عقدة انعدام الكفاءة الاجتماعية.

هذه العقدة متضخمة بالضرورة عند المراة نضرا لحشرها في اكثر ىالامكنة قهرا، ان الامر لا يستند الى اي اساس بايلوجي او ذهني بقدر ماهو نتاج عملية تشريط اجتماعية تخضع لها المراة منذ نعومة اضفارها، فمنذ البداية حرمت المراة في المجتمع المتخلف، كل فرص الارتقاء النفسي والذهني وكل فرص التقدم المهني.

منذ البداية تعد المرأة لمكانة هامشية ولوضعية التبعية للرجل انها في دراستها وفي اعدادها المهني تحرم الكثير من الفرص التي تسمح بتفتح امكانتها وطاقاتها وتساعدها على الانطلاق في الحياة اسوة بالرجل، اما الاعداد المهني للمرأة فهو جهد ضائع في نظر الاهل معظم الاحيان او هو مجرد خسارة مالية طالما مصيرها هو الزواج والبقاء في المنزل، ولذلك فهم يختارون لها معظم الاحيان مجالات مهنية متوسطة المستوى قصيرة المدى لن تقودها الا الى مكانة هامشية او وضعية تبعية ومن الطريف هنا ملاحظة ردود فعل الاهل على الفشل الدراسي و التأهيلي لكل من الصبي و البنت، فبينما يعتبر الامر كارثة في حالة الاول اذا به يؤخذ بكثير من اللامبالاة في الحالة الثانية.

هذا التشريط ادى الى خمول المرأة وطمس طاقتها الذهنية وغرس في نفسها دونية ذهنية ومهنية من الصعب علاجها، لقد حول اهتمامها من الكيان الابداعي الى المظاهر المثيرة وحول توجهها الى ميادين الاستهلاك والظهور التي الصقت بطبيعة الانثى كمجالات لتحقيق ذاتها، وغرس في نفسها القناعة بأن العلم والعقل امران ثانويان طارئان وان الاهتمام المهني امر عابر او مستبعد، وبعد ان يبخس كيانها هذا الغرار نرى الرجل المتسلط يتخذ من هذا التبخيس حجة وسلاحا يحاربها به ويطمس كيانها أكثر فأكثر في التبعية.

لقد تغلغل هذا التشريط في اعماق المرأة لدرجة بدأت معها تقتنع فعليا انها غير مخلوقة الا للمكانة التي اعطيت لها وان ليس من مجال للخروج الى الحياة واثبات الذات في اعمال بناءة تضمن لها الاستقلال والمساواة مع الرجل.

اضافة الى الاجحاف في نوع العمل ومستوى الاعداد المهني يلحق بالمرأة حيف واضح على مستوى التقويم المادي لعملها الى وقت قريب كان هناك ميل لتبخيس ثمن عملها على شكل اجور زهيدة واجحاف في الترقية.

ولكن الاخطر من ذلك والاكثر جورا هو تجاهل تقويم الجهد المنزلي الذي يكاد يعتبر مجانيا او كجزء من مهمات المرأة التي لا تدخل نطاق التقويم وهكذا فالمرأة العاملة في الخارج تعود الى منزلها كي تعمل عددا موازيا من الساعات دون مقابل في تدبير شؤون المنزل والعناية بالأولاد بينما ينصرف الرجل الى متعة ولهو في المنزل وخارجه وهكذا تبدل المرأة جهدا مزدوجا كي تحصل على اجر اقل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0