لا تجلس في سلبية منتظرا أن تفعل حكومتك الصواب. افعل ذلك بنفس. إذا كنت غنيا بالقدر الكافي الذي يسمح لك بالذهاب إلى أحد المقاهي وطلب فنجان من القهوة هناك، فإنك بهذا ربما تنفق أكثر من ذلك الذي ينفقه واحد من كل عشرة أشخاص تقريبا على هذا الكوكب ليوم كامل...
بقلم: بيتر سنجر

ملبورن ــ في مارس/آذار من عام 1964، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن 38 شاهدا رأوا أو سمعوا هجوما وحشيا ممتدا لفترة طويلة، ومميتا في نهاية المطاف، على امرأة تدعى كيتي جينوفيز، ولكن لم يفعل أي منهم أي شيء لمساعدتها، أو حتى استدعى الشرطة. تبين في وقت لاحق أن ذلك التقرير لم يكن صحيحا، لكن "تأثير المتفرج السلبي" حقيقي. كما أظهرت العديد من تجارب علم النفس، يكون الفرد أقل ميلا إلى مساعدة شخص آخر إذا رأى أن أشخاصا آخرين قادرين على المساعدة يمتنعون عن تقديمها.

في الشهر الماضي، في وضح النهار وفي شارع مزدحم في بلدة تشيفيتانوفا ماركي الإيطالية، هوجِـمَـت وقُـتِـلَـت البائعة المتجولة النيجيرية أليكا أوجورشوكو على يد رجل استخدم يديه العاريتين لقتلها. على الرغم من استعداء الشرطة، وقيام شخص ما بتصوير الهجوم، لم يتدخل أحد. وسط حالة من الغضب العام، اعتبرت افتتاحية صحيفة لا ستامبا الإيطالية هذا الحدث علامة على أننا نشهد "انحطاط الحضارة".

لو كنت هناك، هل كنت لتساعد أليكا؟ ضع في اعتبارك، قبل أن تجيب، أن التدخل كان لينطوي على بعض المخاطر الشخصية. لم يكن المعتدي يستخدم سلاحا، ولكن كيف كنت لتعرف أنه لا يحمل سلاحا؟ وحتى بدون سلاح، من الواضح أنه كان غاضبا بشدة وقويا.

أيا كان ما تشعر أنك كنت لتفعل لو كنت حاضرا، فإن تأثير المتفرج حاضر في المشهد الآن بقوة أكبر كثيرا. في هذه الحالة يمكنك المساعدة في إنقاذ حياة آخرين، دون أن تعرض نفسك لأي خطر. علاوة على ذلك، بعض أولئك الذين قد تكون قادرا على إنقاذهم نيجيريون، وهو ما يجعل من الممكن أن تفكر في المساعدة كرمز لمعارضتك للتقاعس عن مساعدة أليكا النيجيرية.

حَـذَّر تقرير صادر حديثا عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمي من مجاعة قد تؤثر من الآن وحتى سبتمبر/أيلول على 49 مليون شخص في 46 دولة. البلدان الأكثر عُـرضة للخطر هي أفغانستان وإثيوبيا ونيجيريا والصومال وجنوب السودان واليمن. وتشكل الحرب الأهلية أحد عوامل الخطر الرئيسية في المجاعة في هذه البلدان، لكن التقرير يشير أيضا إلى أحداث الطقس القاسية، مثل العواصف والفيضانات والجفاف، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة نتيجة للحرب في أوكرانيا.

مع ذلك، يتجلى بوضوح اتجاه مثير للقلق: فالآن تقدم حكومات الدول الغنية مساعدات خارجية أقل. المثال الأشد وضوحا هنا هو المملكة المتحدة، الدولة التي شقت طريقها تدريجيا، باتفاق من حزبيها الرئيسيين، نحو تحقيق هدف المساعدة الخارجية الذي حددته الأمم المتحدة بنسبة 0.7% من الدخل الوطني الإجمالي. حققت المملكة المتحدة الهدف في عام 2013 ثم في كل عام حتى 2020. ولكن في عام 2021، انخفضت ميزانية المملكة المتحدة للمساعدات الخارجية إلى 0.5% من الدخل الوطني الإجمالي، ومن المرجح أن تظل عند هذا المستوى في عام 2022.

كما أشار مارك لوكوك، السكرتير الدائم السابق لوزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة، في مقابلة أجريت معه مؤخرا، فإن بلده، الذي اعتاد أن يكون رائدا على مستوى العالم في جعل الفقر المدقع أولوية واضحة لبرنامج مساعداته، يركز بدرجة أقل الآن على مساعدة البلدان الأشد فقرا وضعفا. الواقع أن المساعدات المقدمة إلى بلدان مثل اليمن وجنوب السودان والصومال شهدت انخفاضا شديدا، مما يؤدي إلى زيادة الخسائر في الأرواح من جراء كوارث إنسانية. بدلا من ذلك، كما يقول لوكوك، تذهب المساعدات إلى بلدان متوسطة الدخل حيث لا يكون تأثيرها على حياة الناس كبيرا بقدر تأثيرها عندما تذهب إلى أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع الذي حدده البنك الدولي بما يعادل 1.90 دولارا في اليوم.

بوسعك أن تتجنب كونك متفرجا سلبيا على ملايين الوفيات التي يمكن تجنبها في الأشهر المقبلة بطريقتين مهمتين.

أولا، وفقا لأرقام أولية صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في عام 2021، حققت لوكسمبورج والنرويج والسويد وألمانيا والدنمرك فقط الهدف 0.7% من الدخل الوطني الإجمالي للمساعدات الخارجية، أو تجاوزته. لا تزال الولايات المتحدة متخلفة بالقرب من القاع على جدول الدول المانحة، حيث تعطي 0.18% فقط من دخلها الوطني الإجمالي، في حين لم يكن أداء أستراليا أفضل كثيرا عند مستوى 0.22%. إذا كنت تعيش في بلد غني لا يلبي الهدف 0.7%، فعليك أن تتصل بالممثلين المنتخبين وتخبرهم أنك تشعر بالخجل إزاء تقاعس بلدك عن القيام بنصيبها من العمل لخلق عالم حيث يستطيع الجميع تلبية احتياجاتهم الأساسية. انضم إلى آخرين لإنشاء حركة من أجل مساعدات خارجية أكثر وأفضل.

ثانيا، بعد أن تفعل ذلك، لا تجلس في سلبية منتظرا أن تفعل حكومتك الصواب. افعل ذلك بنفس. إذا كنت غنيا بالقدر الكافي الذي يسمح لك بالذهاب إلى أحد المقاهي وطلب فنجان من القهوة هناك، فإنك بهذا ربما تنفق أكثر من ذلك الذي ينفقه واحد من كل عشرة أشخاص تقريبا على هذا الكوكب ليوم كامل.

إن كنت لا تعرف كيف تحصل على أفضل قيمة مقابل ما يمكنك تقديمه، فسوف تجد المساعدة عبر الإنترنت. اذهب إلى الرابط www.thelifeyoucansave.org أو الرابط www.givewell.org، واختر إحدى المؤسسات الخيرية المدرجة هناك. جميع هذه المؤسسات مُـقَـيَّـمة بشكل مستقل على أنها فَـعّـالة للغاية وتقدم قيمة ممتازة مقابل المال. آنئذ فقط، لن تصبح متفرجا سلبيا، ولن تكون حياة أليكا ضاعت سُـدى.

* بيتر سنجر، أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون من مؤلفاته كتاب تحرير الحيوان، أخلاق عملية، انتخبه معهد جوتليب دوتويلر كثالث مفكر معاصر من الأكثر تأثيرا في العالم
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق