مايكل يونغ

 

ستيفن هيرتوغ | أستاذ مساعد للسياسات المقارنة قي كلية لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب Princes, Brokers and Bureaucrats: Oil and the State in Saudi Arabia (Cornell University Press 2011)

كان محمد بن سلمان يُهيمن على كل التوجهات الاقتصادية والسياسات الخارجية قبل حملة التطهير الأخيرة، كما أن معظم أعضاء مجلس البيعة في آل سعود محضوه الولاء حين حلّ مكان محمد بن نايف كولي للعهد في حزيران/يونيو المنصرم. وبالتالي، حين يترك الملك سلمان السلطة، يجب أن يُصبح هو بلا منازع ملكاً، إلا إذا برز تحدٍ جماعي غير محتمل، على غرار بيان يصدره مجلس البيعة يعلن فيه أنه غير مؤهّل للحكم.

لقد استعدى محمد بن سلمان العديد من الأمراء، لكنه لم يُواجه أي مقاومة منظّمة تُذكر في العائلة حين اتخذ خطواته الحاسمة نحو ارتقاء العرش. بالطبع، لا أحد يعرف تماماً ماذا يجري داخل العائلة، لكن يبدو أن لحظة المجاهرة بمعارضته ولّت، خاصة الآن بعد أن سيطر الرجل على كل مفاتيح قطاعات الأمن في الدولة.

ينبثق في عهد محمد بن سلمان نظام سياسي مختلف، وسريع الحركة، وأكثر مركزة وشخصنة، لكنه ينطوي أيضاً على مخاطر سياسية واقتصادية أكبر. وفي حين أن الاقتصاد وجهاز الدولة ككل لم يشهدا تغييرات تُذكر حتى الساعة، إلا أن السعودية أضحت بالفعل (في مايتعلّق بسياسات النخبة) بلداً مختلفاً تماما.

برنارد هيكل | مدير برنامج دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، حيث يعمل أيضاً مديراً لمعهد الدراسات عبر الإقليمية للشرق الأوسط المعاصر وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى

يجب أن نحاول فهم الاعتقالات الأخيرة التي طالت حوالى 200 شخص، بمن فيهم العديد من الأمراء البارزين والموظفين الحكوميين ورجال الأعمال في القطاع الخاص، في ضوء جهود كلٍ من الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان لقلب أوضاع المجتمع السعودي ولتغيير الطريقة التي تُدار بها الأعمال في البلاد، وكذلك بوصفها (الاعتقالات) وسيلة لزيادة الدخل.

لقد جادل العديد من محللي المشهد السياسي السعودي بأن هذه الاعتقالات كانت تستهدف حصرياً تعزيز سلطة ولي العهد، لكنهم كانوا مخطئين، إذ كان هذا الأخير قد أنجز في الواقع تعزيز سلطته وضَمَنَ عملية الخلافة على العرش حين أطاح في حزيران/يونيو بإبن عمّه محمد بن نايف الذي كان آنذاك ولياً للعهد ووزيراً للداخلية. علاوةً على ذلك، لم يكن هناك من بين المعتقلين أي شخصيات تفرض تحدياً سياسياً لسلطته. لا بل الواقع أنهم كلهم دانوا الطاعة له، كما أنهم غير حائزين على أي موارد، سياسية كانت أم عسكرية، يمكنهم بواسطتها رفع سيف التحدي في وجهه.

إذن، ماذا تعني هذه الاعتقالات؟

باختصار، إنها جهد لكبح الممارسات القديمة للأمراء التي تستند إلى سلب الحكومة ونهبها، بالتواطؤ مع البيرقراطيين ورجال الأعمال. الاعتقالات في هذا السياق هي نهاية، أو ربما بكلمات أكثر دقة تقييدا، لثقافة الفساد، مع ما يستتبعها من حصانة لمرتكبيها. كان هذا الفساد يستنزف سنوياً مابين 10 إلى 30 في المئة من أموال الخزينة العامة، وهي ممارسات غير قابلة للاستمرار في رؤية 2030، أي الخطة الإصلاحية لتنويع الاقتصاد وانهاء اعتماده الحصري على عائدات النفط، والتي لن تشق طريقها إلى النجاح بوجود مثل هذه السلوكيات.

ثمة هدف ثانٍ للاعتقالات، هو توفير جزء كبير من الأموال للخزينة من جيوب أولئك الذين أُوقفوا. هذا سيتم إما من خلال تسويات فردية، كما فعل بعضهم بالفعل، أو عبر محاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال. واذا ما تمّ تحقيق هذا الهدف الثاني، يكون وارداً استعادة أكثر من 100 مليار دولار. ولاغَرو في أن تكون لهذه الخطوات في الرياض شعبية كاسحة في صفوف

الطبقتين الوسطى والدنيا- الوسطى السعوديتين، اللتين لطالما شعرتا بالحنق طيلة العقود المديدة الماضية جراء ارتشاء هذه النخب.

باختصار، نجاح هذه الجهود سيضمن أكثر فأكثر أن يكون محمد بن سلمان هو العاهل الجديد للسعودية.

جيمس سبنسر | محلل أمني ودفاعي مستقل حول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

لا شيء ينجح مثل النجاح. صحيح أن محمد بن سلمان جذب قدراً واسعاً من اهتمام وسائل الإعلام، إلا أنه لم يحقق في الواقع سوى النزر القليل من الإنجازات الملموسة. وإذا ما تداعت معظم جدران هذا البيت المُزعزع أو انهارت قبل أن يتمكّن الرجل من تحصين حكمه وتثبيته، فإن فرصته لأن يصبح ملكاً ستتراجع إلى حد كبير.

محلّياً، حمل محمد بن سلمان راية "رؤية 2030"، التي تسبّبت أصلاً باحتكاكات اجتماعية وتُهدّد بالمزيد منها. فطرح بعض أسهم أرامكو للبيع أمام المستثمرين يُهدّد مصالح أمراء آخرين، فيما تقييد المؤسسة الوهابية قد ينفّرها ويستعدي أتباعها. والأهم أن حملة ولي العهد على "الفساد" تشكّل خطراً على المستثمرين- السعوديين كما الأجانب- الذين تعتمد عليهم رؤية 2030. ثم أن سياسة محمد بن سلمان الخارجية الطائشة والمكّلفة ضد اليمن وقطر ولبنان لم تنجح. والآن، الانسحاب سيستجر الإحراج، ومع ذلك ليس هناك سوى القليل من البدائل. ومع وجود حفنة من المتملقين حوله، قد لايستمع محمد بن سلمان إلى النصائح التي يحتاج، وحينها ستساور الشكوك والتساؤلات السعوديين حول نفوذ ونوايا مرشده الخارجي محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي.

يتعيّن على محمد بن سلمان أن يأمل بأن يطول عمر والده بما فيه الكفاية كي يتمكّن من ستر عيوب العديد من سياساته. فالعديد من كبار الأمراء حجبوا ولاءهم حين عُيِّن ولياً للعهد، وقلة منهم ستدعم "الخاسر" ليصبح ملكا. ثم أن آل سعود عشيرة نكدة وحرون، وقد يعمل بعض عناصرها على تقويضه ربما بمساعدة "العلماء" ورجال الأعمال الذين نفّرهم، كما حدث لشاه إيران في السبعينيات.

من يرتدي التاج لاينام قرير العين قط.

بروس ريدل | زميل أول في مؤسسة بروكينغز في واشنطن العاصمة، حيث هو أيضاً مدير مشروع Brookings Intelligence Project

السعودية على مفترق طرق. فأسعار النفط الخفيضة جمّدت الاقتصاد، والحرب في اليمن ورطة مُكلفة، ومحاصرة قطر دمّرت مجلس التعاون الخليجي. كما أن حملة التطهير التي لا سابق لها في أوساط الأسرة الملكية والنخبة تثير شكوكاً عميقة حول استقرار المملكة. المستثمرون الأجانب يشعرون بالقلق من أن هذا البلد بدأ ينحدر إلى وضعية عدم الاستقرار.

محمد بن سلمان، نجل الملك، هو الآن في عين العاصفة. إنه رمز ونموذج لرجل على عجلة من أمره، ويشعر بالطموح والقلق في آن. فهو يطمح لإعادة تشكيل السعودية لتتلاءم مع القرن الحادي والعشرين، لكن ينتابه التوتر لأنه خلق العديد من الأعداء. صحيح أن الملك يوفّر له الآن عباءة الحماية والشرعية، لكن حين يموت هذا الأخير سيتبدّد معه الغطاء الذي يظّل الآن رأس ولي العهد.

يتمتع محمد بن سلمان برؤية عميقة وبعيدة المدى. والآن وقد ضمن موقعه، قد يكون من الأجدى له أن يصيخ السمع أكثر إلى النصائح التي يسديها إليه العرب والأميركيون. فصفارات الانذار التي يُطلقها أولئك الذين يعدونه بعمل حاسم في اليمن أو لبنان قد أثبتت عقمها. الدراما ليست هي نفسها عملية اتخاذ القرار الحصيف والحكيم. ثم أن المنطقة برمتها وما وراءها لها مصلحة في وجود سعودية مُستقرة يمكن الاعتماد عليها.

الخيارات دقيقة وخطيرة.

http://carnegie-mec.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق