الرحمة النبوية ومقاصد الشريعة

شواهد ونماذج من الرحمة النبوية ودور مقاصد الشريعة، كسياق عام في عملية الاستنباط الفقهي


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)(1)

من بصائر النور في آية الكريمة

على ضوء قوله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) هنالك نقاط وإضاءات متسلسلة:

العلاقة التفاعلية بين غلظة القلب وفظاظة الجوارح

الأولى: أن الفظاظة تعني القسوة والخشونة المتجلية على الجوارح، أما الغلظة فهي القسوة القائمة بالجوانح، وهما أمران تتحكم فيها علاقة تفاعلية؛ فإن غلظة القلب تارة تنعكس على الجوارح فتصبغها بصبغتها فتنبعث عنها وتتناغم معها، وأخرى يكون الشخص من قوة الشخصية بحيث يسيطر(2) على جوارحه كي لا تتفاعل مع غلظة القلب ولا تستجيب لها. كما أن فظاظة الجوارح والعنف الجسدي تجاه الآخرين يتموج على القلب فيزيده قسوة على قسوة.

تأثيرات تموجات حالة القلب على العلاقات الاجتماعية

الثانية: إن من اجتمعت فيه الصفتان (فظاظة الجوارح وغلظة القلب) فإن الناس ينفضون من حوله سِراعاً كالجراد المنتشر وقَلّ أن يبقى معه أحد إلا اضطراراً.

ولكن ماذا عن من كان غليظ القلب لكنه لم يكن فظ الجوارح فإن الكثير من الناس بمقدوره التحكم في أفعاله وحركاته وتصرفاته بحيث لا تؤثر فيها حالاته النفسية وملكاته وصفاته الحقيقية؟ وماذا عن من كان على العكس من ذلك تماماً بأن كان طيبَ القلب ليّنَه، لكنه كان قاسياً خشناً في تعامله مع الناس؟

إن من الواضح أن كلّاً منهما أهون حالاً ممن جمع كلتا الصفتين المنفِّرتين لخلق الله عن الالتفاف حول رسل الله وخلفائهم والعلماء والرساليين والعاملين، كما أن من الواضح أن من كان طيب القلب بسيط الطوية ساذج السريرة لكنه كان، لعادةٍ أو لسوء تربية أو سوء تقدير واجتهاد، شديداً في تعامله مع الناس فإن الناس ينفضون من حوله وإن كانت طيبة قلبه تشفع له في الجملة فقد يتحمله البعض ممن يعرف جوهر نفسه وواقع أمره إلا أن الأكثر لا يتحملون.

ولكن ماذا عن العكس؟ وهل لغلظة القلب الواقعية إذا لم تنعكس على الجوارح أبداً بل كان ليّناً في تعامله معهم دائماً، تأثير سلبي؟ الظاهر أن الجواب هو نعم! وذلك لأنه إذا فرض قدرة الشخص على تحييد الملكات الراسخة عن التأثير في أفعاله وردود أفعاله بالمطلق، وهو فرض بعيد إذ "مَا أَضْمَرَ أَحَدُكُمْ شَيْئاً إِلَّا وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ"(3)، لكنه على فرض ذلك فإن القلب وحالاته يبقى له حيّز من التأثير على أنفس الآخرين فقد ثبت علمياً أن للقلب وللمخ تموجات تنعكس –سلباً أو إيجاباً- على قلوب وأفكار الآخرين مهما جرى التحفظ عليها وأُخفيت؛ ولذا قيل (القلب يهدي إلى القلب) ولذلك نجد أننا قد نكره شخصاً ونحب آخر من غير أن يكون لذلك سبب ظاهر ويكون السبب الواقعي هو تموجات أفكاره وأمواج عواطفه التي إن وَجَدَت مستقبِلاً قد ضُبِطت تردداتُه على موجة الإرسال الخاصة هذه فإنها تترك أكبر التأثير، وذلك كله على نحو المقتضي وليس بالعلة التامة.

ومن هنا نجد أن من يحسد الآخرين أو يحقد عليهم أو يحمل عليهم الضغائن فإنهم يشعرون نحوه بانكماش من حيث قد لا يعلمون سببه بل قد يلومون أنفسهم على ذلك!.

الانفضاض وليد مجموع الصفتين

الثالث: إن ظاهر الآية أن النتيجة والغاية هي (لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) قد رُتّبت على من جَمَع مجموع الصفتين (فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ) دون أحداهما فقط، ولكن نقول:

ولكنها لكونها تشكيكية فالانفضاض درجات حسب درجات الغلظة والفظاظة.

إن مقتضى القاعدة في كل أثر وحكم رُتِّب على مجموع أمرين أو على أمر مقيد بوصفين، كونه معلقاً على تحققهما جميعاً فلو تحقق أحدهما دون الآخر لما ترتّب ذلك الأثر أو الحكم إن لم نقل بالعكس، وأما في مرحلة عالم الأدلة فإن الدليل الدال على ثبوت الحكم لمن جمع صفتين مثلاً لا يكون دالاً على ثبوته لمن اتصف بإحداهما فقط إن لم نقل بأنه دال على العكس.

ولكن هذا هو الأصل والقاعدة التي قد نخرج عليها بالدليل، ومن الأدلة مناسبات الحكم والموضوع وهي التي تدل، في مورد الآية الشريفة، على أن الأمر لهو على خلاف القاعدة. توضيحه: أن غلظة القلب لها درجات وفظاظة الجوارح لها درجات أيضاً وكذلك فإن انفضاض الناس من حول الإنسان له درجات وشدة وضعف، ومن الواضح بل والوجداني أن درجات القسوة والغلظة والفظاظة تؤثر في درجات الانفضاض فكلما زادت قسوة الإنسان وغلظته قلباً وقالباً ازداد انفضاض الناس من حوله والعكس بالعكس فهذا من جهة.

ومن جهة أخرى: فإن من الوجداني أيضاً أن من جمع الصفتين ازداد نفور الناس منه دون من تفرد بإحداهما كما سبق.

وعليه فالمستفاد من الآية وبلحاظ مناسبات الحكم والموضوع: أن أعلى درجات إنفضاض الناس من حول الإنسان تكون عند تواجد أعلى درجات الفظاظة والغلظة وأن درجات الانفضاض تتناقص كلما تنازلت درجات الفظاظة والغلظة أو كلما انفصلت إحدى الصفتين عن الأخرى.

والدرس المستفاد من ذلك كله هو ضرورة اختيار اللّيِّن الجوارح والجوارح لقيادة الشعب أو الحزب أو العشيرة أو النقابة أو الجامعة أو الحوزة أو لإدارة الشركة أو المعمل والمصنع أو غير ذلك، وانه كلما ابتعدنا عن اللِّين الجوارحي أو الجوانحي باتجاه العنف والقسوة كلما زهد الناس فينا وانفضّوا من حولنا أكثر فأكثر.

لقطات ومشاهد من لين النبي (صلى الله عليه وآله) ورحمته ورفقه بالناس

وسنستعرض الآن نماذج سريعة من لِين النبي (صلى الله عليه وآله) وعطفه ورحمته بالناس عسى أن تكون مرشداً لنا في دروب الحياة:

من مواصفاته النموذجية في التعامل مع الناس

(قال أنس: ما إلتقَمَ أحد أُذُنَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فينحّي (صلى الله عليه وآله) رأسه حتّى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه.

وما أخذ أحد بيده فيرسل (صلى الله عليه وآله) يده حتّى يرسلها الآخر.

وما قعد إليه رجل قطّ فقام (صلى الله عليه وآله) حتّى يقوم.

ولم يُرَ (صلى الله عليه وآله) مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له.

وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة.

ولم يُرَ (صلى الله عليه وآله) قطّ مادّا رجليه بين أصحابه.

وكان يكرم من يدخل عليه وربّما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليه إن أبى.

وكان يكنّي أصحابه ويدعوهم بأحبّ أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه)(4).

ومن الواضح أن الالتزام بذلك صعب جداً بل يكاد يكون أشبه بالمحال العرفي إذ أن كثيراً من الناس لا يقدِّرون للوقت قيمةً والكثير منهم يثرثر بالرطب واليابس بل قد يأخذون وقت القائد في سرد منام (طيف) رآه يستغرق عدة دقائق وأكثر! ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله) مع ذلك كله ومع أن بعض الناس ثقيل جداً في مضمون كلامه أو في أسلوبه أو في بذاءة لسانه، كان (صلى الله عليه وآله): ما إلتقَمَ أحد أُذُنَ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو التارك والمنصِرف... وما قام حتى يقوم الرجل... الخ.

كان (صلى الله عليه وآله) يغمس يده في المياه الباردة كل صباح!

(وروي أيضا: كان خدم المدينة يأتون رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إذا صلّى الغداة بآنيتهم فيه الماء، فما يؤتى بآنية الاّ غمس يده فيها وربّما كان ذلك في الغداة الباردة يريدون به التبرّك)(5)

ومن الواضح أن ذلك يشكل ضغطاً على القائد فإن الاستجابة لكل أولئك الناس ووضع اليد في الماء البارد في الشتاء صعب جداً خاصة وإنه لا يبعد أن عدد الذين كانوا يصطحبون الأواني إليه (صلى الله عليه وآله) كان كبيراً في الكثير من الأحيان بسبب تزايد عدد المسلمين بمرور الأيام ولأن التبرك بماءٍ وَضَعَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه يده أمرٌ سهلٌ، من جهةٍ، فلم لا يطلبونه! كما انه أمر هام جداً لديهم فلم يتركونه! إذ كانوا يستشفون به بشربه أو وضعه في طعامهم أو غسل وجوههم وأيديهم به أو غير ذلك.

تعامله (صلى الله عليه وآله) مع الأصحاب تعامل الأخ مع الأخ

و(روي: انّه خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الى بئر ليغتسل، فأمسك حذيفة بن اليمان بالثوب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وستره به حتّى اغتسل، ثمّ جلس حذيفة ليغتسل فتناول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الثوب وقام يستر حذيفة فأبى حذيفة وقال: بأبي أنت وأمّي أنت يا رسول اللّه لا تفعل!، فأبى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الاّ أن يستره بالثوب حتّى اغتسل، وقال: "مَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ إِلَّا كَانَ أَعْظَمُهُمَا أَجْراً وَ أَحَبُّهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَرْفَقَهُمَا بِصَاحِبِهِ"(6) )(7).

من توجيهاته (صلى الله عليه وآله): تصدقوا بأعراضكم على الناس!

ومن لطائف توجيهاته (صلى الله عليه وآله) في مجال العفو واللين مع الناس ما ورد من "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ كَانَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَصَدَّقُ بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ عَامَّةً"(8) )(9).

معنى العِرض

والمقصود من (العِرض) هو ماء الوجه والسمعة الحسنة بين الناس والوجاهة، فإن الإنسان –عادة– حريص على ماء وجهه أكثر من أي شيء آخر بل قد يبذل الناس الملايين وعشرات الملايين لمجرد تحسين صورتهم أمام الآخرين، والمشاهَد أن أحدهم لو اغتاب شخصاً أو اتهمه أو تكلم ضده فإن هذا الشخص قد ينفجر من الغضب، وقد يصاب بعضهم بمرض الكآبة من الحزن بل قد يؤدي ذلك بالبعض إلى جلطة قلبية أو في المخ وقد يثير ذلك فِتَناً بين العشائر والأحزاب والجماعات بل قد يصل إلى إعلان الحرب أيضاً! ولكن تعاليم الإسلام الحنيف المبني على الرحمة واللين بالناس واضحة وهي التي عبرت عنها هذه الرواية "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كَأَبِي ضَمْضَمٍ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا أَبُو ضَمْضَمٍ؟ قَالَ: رَجُلٌ كَانَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَصَدَّقُ بِعِرْضِي عَلَى النَّاسِ عَامَّةً" فالمنهج الإسلامي هو منهج الرحمة والعفو عن كل ذلك والتصدق على من ظلمك بالعفو عن كل ما وجهه إليك من إساءات! فهلا نكون كذلك؟

وكان السيد الوالد قدس الله نفسه الزكية من المصاديق الجلية للمتصدقين بهذا النوع من أنواع الصدقة إذ كان يعفو عمن ظلمه وتكلم ضده حتى إذا كان مستمراً على ذلك لعشرات السنين!! بل انه أعلن مراراً أنه قد عفى عن كل من هاجمه وتكلم ضده ماضياً وحاضراً ومستقبلاً! وذلك رغم علمه بأن البعض كان قد اتخذ من الهجوم عليه وغيبته مهنةً يتقرب بها إلى بعض كبار القوم ويحصل بها على البعض من فتات الدنيا الزائلة!!.

من تجليات مقاصد الشريعة في تقنين القواعد الفقهية

سبق أن الرحمة من أهم مقاصد الشريعة بل هي والحكمة منشأ عالم التكوين وعالم التشريع جميعاً، ولهذه المقصد المفتاحي من مقاصد الشريعة تجليات تشريعية عظمى وسنقتصر ههنا على مظهرين وتجليين من تلك التجليات أحدهما مشهور، طرقه الفقهاء في كتب القواعد الفقهية وفي الفقه والأصول بشكل موّسع والآخر هو ما نستظهر ضرورة تقنينه استناداً إلى أدلة أصولية فقهية عديدة يعضدها هذا المقصد الهام من مقاصد الشريعة: أما المشهور فهو:

أ- الرحمة الإلهية في محور قاعدتي الإمضاء والإلزام

وهاتان قاعدتان أساسيتان عامتان:

الأولى: (قاعدة الإمضاء) وتعني أن ما كان لأهل الكتاب من الأحكام التي تصب في صالحهم فهو ممضى شرعاً لهم على الرغم من أننا نرى انهم على خطأ وباطل، لكن الرحمة الإلهية اقتضت ما صرح به الحديث الشريف "يَجُوزُ – أي يمضي وينفذ - عَلَى أَهْلِ كُلِّ ذِي دِينٍ مَا يَسْتَحِلُّونَ"(10)

الثانية: (قاعدة الإلزام) وتعني: أن أحكامهم التي عليهم هي الأخرى تكون نافذة المفعول في حقهم وإن كانت باطلة لدينا، فلو رجعوا إلى قضاتنا وقضائنا كان للقاضي الحكم عليه على طبق دينهم أو على طبق ديننا، موكَلاً ذلك إلى اختيارهم وإرادتهم.

والمنطلَق الأول لقاعدة الإلزام والإمضاء هو قوله تعالى: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)(11) وقد فصلنا الحديث عن هذه الآية الكريمة في كتاب (بحوث في التفسير والتدبر) فراجع، كما تدل عليه الروايات الشريفة ومنها "أَلْزِمُوهُمْ بِمَا أَلْزَمُوا (بِهِ) أَنْفُسَهُمْ"(12).

لا تؤخذ الزكاة والخمس من الكفار رغم أنهم مكلفون بالفروع

قال السيد الوالد رضوان الله عليه في الفقه الجهاد: (وقد ذكرنا في شرح العروة أنهم لا تؤخذ منهم الزكاة والخمس وإن كانا واجبين عليهم، بمقتضى مخاطبة الكفار بالفروع كخطابهم بالأصول، وإنما لا يؤخذان منهم لأن مقتضى إقرارهم على دينهم ذلك، كما لا يؤمرون بالصلاة والصيام والحج وسائر أحكام الإسلام إلاّ ما دل الدليل الخاص عليه)(13).

وعلى ضوء قاعدة الإمضاء فانه: لو تزوج مجوسيُّ أمّه مثلاً – وذلك من أقبح المنكرات لدينا ولدى كافة الملل والنحل إلا أنه لديهم جائز - فانه يُمضى ولا يعاقب ولا يلاحق قانونياً ولا اجتماعياً بل تجرى عليه أحكام الزوجية، وعليه: فلو ماتت وَرِث منها إرثين: من جهة كونه ولداً ومن جهة كونه زوجاً لها، كما انه لو مات هو فانها ترث منه إرثين باعتبارها أماً وباعتبارها زوجة.

وهكذا لو طلق العامي زوجته بطلاق باطل عندنا، صح ونفذ.

ولذا عبر المشهور عن مفاد قاعدة الإلزام والإمضاء بأنه حكم واقعي ثانوي وليس بحكم ظاهري كما هو حال الأصول العملية.

وقد فصلنا الكلام عن قاعدة الإلزام في كتاب مستقل وهو (فقه قاعدة الإلزام والإمضاء).

وأما ما نستظهره فهو:

ب- الرحمة الإلهية في محور كونفدرالية شرائح المقلدين

المستظهر أنه لو قامت دولة إسلامية جامعة للشرائط بمعنى أن تكون أسماً ومسمّىً إسلامية تعمل بقوانين الإسلام في السياسة والاقتصاد والحقوق وغيرها، وانتخب الناس بملأ رضاهم فقيهاً جامعاً للشرائط أو مجموعة من الفقهاء (وقد فصلنا في كتاب (شورى الفقهاء – دراسة فقهية أصولية)(14) أنه لا يجوز للفقيه أن يفرض نفسه على الناس بل انهم إن اختاروه بملأ إرادتهم ثبتت له السلطة والولاية في حدود تفويضهم لها إليه، وحسب السقف الزمني المقرر له كخمس سنين مثلاً، وذلك يعني أن ولايته اقتضائية وإن كان الأعلم ولا تكون فعلية إلا بانتخاب الناس)..

يحرم على الفقيه الحاكم أن يفرض آراءه على مقلدي سائر المراجع

فانه لا يجوز له أن يفرض آراءه الفقهية على مقلدي سائر المراجع بل يكون لكل مرجع ولمقلديه الحق في العمل على حسب ما يرتأيه من غير أن تنفذ عليهم الأحكام الولائية (الولوية) أو غيرها. نعم لهم إن شاءوا إتباعه بناء على جواز العدول في التقليد(15).

وعليه: فلو كان رأي الفقيه وجوب فرض الضرائب لحالةٍ ثانويةٍ طارئة أو كأصل أولي في نظره، فانه ينفذ على مقلديه فحسب أما الفقيه الآخر الذي يرى حرمة الضرائب أو لا يرى وجوبها فيجب أن يكون مقلدوه مُعفَون من الضرائب..

وكذلك لو كان رأي الفقيه الحاكم فرض الحدود والكمارك والجنسية والجوازات والفيزا والإقامة وغيرها من القيود التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكان رأي مرجع آخر حرمة ذلك وجب على الحاكم الشرعي التعامل، قانونياً، مع مقلدي كل مرجع على حسب فتاوى مراجعهم فإن آرائهم هي الحجة في حقهم.

وكيف نلتزم بقاعدة الإمضاء والالزام بالنسبة لأهل العامة والكفار ولا نلتزم بها بالنسبة لفقهاء أهل البيت (عليهم السلام) ومقلديهم؟.

وقد فصلنا في كتاب (شورى الفقهاء والقيادة الإسلامية) البحث عن ذلك وأدلته، وذكرنا أيضاً: أن باب الفتوى غير باب الحكم وأنهما غير باب الحكومة والشؤون العامة وأن الذي نستظهره تبعاً للسيد الوالد (قدس سره) وبعض آخر من الفقهاء أن ولاية الفقيه غير فعلية ولا منجزة إلا برضا الناس به أولاً، وأنّ الولاية هي لمجموع الفقهاء ثانياً بمعنى أن الفقيه الواحد لا يصح أن يتولى الحكم بمفرده ولا أن يستفرد بالقرار، بل يجب أن يكون الأمر شورى بين الفقهاء وشورى بين الناس باختيارهم شورى الفقهاء لقوله تعالى (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(16) ولغير ذلك من الأدلة على التفصيل المذكور في الكتاب.

وإذا عدلنا عن ذلك وتنازلنا عنه فرضاً فلا مناص من اشتراط رضا الناس بالفقيه في ثبوت الولاية – بحدودها – له عليهم.

فرق باب الـحُكم عن باب الحكومة

وأما باب (الحكم) فقد ذكر المشهور أن حكم الفقيه نافذ على سائر الفقهاء، ولكن يرد عليه:

أولاً أنه لا ينفذ إذا علموا خطأه أو خطأ مستنده.

وثانياً: أنه على فرض التسليم به فان حكم الأسبق منهم نافذ لا الحاكم المتصدي فقط! فإذا أصدر أحد المراجع وإن كان مغموراً حكماً نفذ حتى على المرجع الحاكم!، ولا مرجِّحية لكونه حاكماً أبداً إذ ليس مقياس نفوذ قول الفقيه هو السلطنة والقوة أبداً بل هو اجتماع شرائط المرجعية فيه واسبقيته في إصدار الحكم (حسب هذا المبنى).

وثالثاً: إن باب الحكم غير باب الحكومة؛ فان الحكومة هي في الشؤون العامة كالحرب والسلم والمعاهدات الدولية والسياسة النقدية للبلاد.. الخ وهي التي تجب فيها الشورى واختيار الناس، وأما الحكم فهو في الموضوعات التي لم تكن من دائرة الشؤون العامة كالهلال وشبهه فهذا هو الذي يكون حكم الأسبق منهم هو النافذ في حق الآخرين.

وتفصيل ذلك أخذاً ورداً ومناقشةً وأجوبةً من زاوية أصولية وفقهية موكول إلى كتاب (شورى الفقهاء والقيادة الإسلامية) إنما الذي نريد طرحه هنا هو تقريب هذه النظرية عقلائياً، فنقول:

إن ما ندعو إليه ونستظهره هو إحدى صيغتين: الفدرالية الفقهائية أو الكونفدرالية المرجعية، والفدرالية والكونفدرالية صيغتان عقلائيتان لا شك فيهما.. وتوضيح ذلك:

ما هو المقصود بالفدرالية؟

1- الفدرالية هي: (شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمداً أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة.

أما ما يخص الأقاليم والولايات فانها تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم، أو الجهات أو الولايات منصوصا عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.

والحكم الفدرالي واسع الانتشار عالميا، وثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي. وأقرب الدول لتطبيق هذا النظام الفدرالي على المستوى العربي هي دولة الإمارات العربية المتحدة أما على المستوى العالمي فهي دولة الولايات المتحدة الأمريكية.

ما هو المقصود بالكونفدرالية؟

2- الكونفدرالية هي: (الاتحاد الكونفدرالي هو رابطة، أعضاؤُها دول مستقلة ذات سيادة، وهي التي تفوض بموجب اتفاق مسبق بعض الصلاحيات لهيئة أو هيئات مشتركة لتنسيق سياساتها في عدد من المجالات وذلك دون أن يشكل هذا التجمع دولة أو كيانا وإلا أصبح شكلا آخرا يسمى بالفدرالية.

والكونفدرالية تحترم مبدأ السيادة الدولية لأعضائها وفي نظر القانون الدولي تتشكل عبر اتفاقية لا تُعدَّل إلا بإجماع أعضائها.

وفي السياسة الحديثة، فالكونفدرالية هي اتحاد دائم للدول ذات السيادة للعمل المشترك فيما يتعلق بالدول الأخرى. وعادة ما تبدأ بمعاهدة ولكنها غالبا ما تلجأ في وقت لاحق لاعتماد دستور مشترك، وغالبا ما تنشأ الكونفدراليات للتعامل مع القضايا الحساسة مثل الدفاع والشؤون الخارجية أو العملة المشتركة، حيث يتعين على الحكومة المركزية توفير الدعم لجميع الأعضاء.

وفي سياق اخر تستعمل كلمة الكونفدرالية لوصف نوع من الهيئات التي يكون أحد مكوناتها شبه مستقل مثل الكونفدراليات الرياضية أو النقابية.

وتختلف طبيعة العلاقة بين الدول التي تشكل الكونفدرالية بشكل كبير، وبالمثل، فإن العلاقة بين الدول الأعضاء والحكومة المركزية فيما يختص بتوزيع السلطات فيما بينها متغير بدرجة كبيرة أيضا. بعض الكونفدراليات تتمتع بمرونة مماثلة للمنظمات الحكومية الدولية، في حين أن الكونفدراليات المتشددة قد تشبه الاتحادات الفدرالية.

ومن أبرز الكونفدراليات الحديثة الاتحاد الأوروبي، أما كندا وسويسرا وبلجيكا، فتعتبر فدراليات)(17).

الفدرالية في دائرة مقلدي المراجع في إطار الدولة الإسلامية

ومقتضى قاعدة العدل والإنصاف وغيرها أن يكون وضع المرجعيات الدينية وجماهير المقلدين بالنسبة إلى الدولة كوضع الفدراليات بأن يجري تقسيم الصلاحيات القانونية والحقوقية دستورياً في مختلف المجالات: من مناهج التعليم في المدارس والجامعات إلى الضرائب، ومن قوانين التجارة إلى قوانين العقود والإيقاعات إلى أبواب القضاء والإرث إلى غير ذلك.

نعم يستثنى من ذلك الحوادث العامة الارتباطية والتي لا يمكن التفكيك بينها أبداً، وقد جرت قوانين الفدراليات على استثناء بعض الوزارات من تفويض الصلاحيات وهي وزارات الدفاع والخارجية والداخلية، ولكنه نافذ بالنسبة إلى مقلدي المراجع الآخرين في الجملة فقط وذلك لأنه ليست كل قضايا الدفاع والداخلية والخارجية حقائق ارتباطية لا يمكن التفكيك بينها هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فان اللازم في القضايا الارتباطية هو أن تكون المرجعية لمجلس شورى يتشكل من عامة مراجع التقليد ويكون الحكم النافذ هو ما حكمت به أكثريتهم.

الكونفدرالية في دائرة مقلدي المراجع

بل نقول: أن من الممكن أن تكون صيغة الكونفدرالية هي الحاكمة بين المرجعيات الدينية والدولة الإسلامية فتكون السيادة من الأساس موزعة على أساس تقليد الناس، والذي هو أمر اختياري طوعي، لا على مقياس الولادة في أرض معينة ذات حدود جغرافية خاصة.

وهذا أقرب جداً للإنسانية والعدالة إذ توزيع السيادة على أساس تقليد الناس هو في الواقع قمة الديمقراطية والحرية فلكل إنسان حرية الاختيار أولاً وفي مرحلة العلة المحدثة ثم له الحرية ثانياً وفي مرحلة العلة المبقية بأن ينتقل من داخل دائرة إلى دائرة أخرى في المرجعين المتساويين أو في المجهول حالهما أو لدى التحير، بل مطلقاً حسب المنصور إذ لا يتعين تقليد الأعلم كما فصلناه في كتاب (تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول)(18).

أما الحدود الجغرافية والولادة أباً عن جد في بلدٍ ما أو حتى ولادة الشخص في البلد أو كونه من قومية أو جنس أو عرق معين فإن هندسة الحقوق والقوانين السيادية لتكون قائمة على تلك الأسس غير الاختيارية يعد من أسوأ أنواع الاستبداد والظلم والاوليغارشية.. وللبحث صلة.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

.................................
(1) سورة آل عمران: آية 159.
(2) سيأتي أن هذه السيطرة محدودة وليست مطلقة.
(3) بحار الأنوار: ج65 ص316.
(4) سفينة البحار ومدينة الحِكَم والآثار: ج2 ص691.
(5) نفس المصدر.
(6) الكافي: ج2 ص120.
(7) سفينة البحار ومدينة الحكم: ج2 ص692.
(8) بحار الأنوار: ج68 ص423.
(9) سفينة البحار ومدينة الحكم: ج6 ص305.
(10) الإستبصار: ج4 ص148.
(11) سورة الكافرون: آية 6.
(12) وسائل ‏الشيعة: ج26 ص319.
(13) الفقه (الجهاد): ج48/2 ص23.
(14) وقد سمي في طبعته الجديدة (شورى الفقهاء والقيادة الإسلامية) مع تغييرات وإضافات كثيرة.
(15) إن أدرجنا المسألة في التقليد وليس كذلك كما فصلناه في كتاب الشورى.
(16) سورة الشورى: آية 38.
(17) من الموسوعة الحرة (ويكيبيديا).
(18) هذا مع قطع النظر عن أن الشؤون العامة ليست من دائرة التقليد بالمعنى المصطلح فلها أحكامها الخاصة، كما فصلناه في كتاب (شورى الفقهاء).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (القرآن الكريم)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك