نفسر رفضها لعدم انضمامها لمعاهد الحظر الشامل للأسلحة النووية، لان انضمامها قد يفقدها خاصية الردع التي تنشدها وقد يقيد طموحتها التوسعية في المنطقة، إلا أنه على الرغم من ذلك يتمثل الوضع الحالي في المنطقة بعدم التوازن الاستراتيجي، إذ تكاد أن تكون اسرائيل الدولة النووية العظمى الخامسة في العالم...

أولاً: البرنامج النووي الإسرائيلي

تتمتع إسرائيل بمساحة جغرافية صغيرة تفقدها الأمن الاستراتيجي، وموضوع الأمن هو مصدر قلق بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فقد وضعت إسرائيل محددات أمنها القومي منذ نشأتها والتي رسمها "ديفيد بن غوريون" وبلورها، وباستراتيجيته التي استمرت في الحفاظ على جميع مكتسبات إسرائيل التي حققها في حرب عام 1948، ولهذا بدأت إسرائيل برنامجها النووي منذ اللحظات الأولى لنشأة كيانها عام 1948، أي منذ البدايات الأولى لانطلاق العصر الذري وبعد سنوات قليلة من تفجير أول قنبلة نووية عام 1945، لم تكن هناك أمم كثيرة تمتلك هذا السلاح، وفي هذا السياق وضع بن غوريون أسس نظرية الأمن الإسرائيلي وفرضياتها، فقد كان إذا تحدث عن الدفاع عن وجود إسرائيل في تلك الفترة وفى الفترات اللاحقة يتم ذلك عن طريق تعزيز قوة إسرائيل في الحصول على السلاح النووي، وبدأ بن غوريون في ذلك العام يخطو الخطوات الأولى في السعي نحو الحصول على السلاح النووي وإحاطته بسد منيع من السرية التامة والغموض المحكم، وما شجع إسرائيل على حيازة السلاح النووي هو أن العرب ما زال أمامهم طريق طويل لحيازته وذلك لضمان التفوق على الجيوش العربية، وتعد اسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرة في مجال أسلحة التدمير الشامل، وبخاصة في الاسلحة النووية، وقد اتخذت اسرائيل موقفها النووي المتسم بالغموض استجابة منها لظروف البيئة الامنية، إذ تعدا سرائيل أن السلاح النووي هو رصيد قيم في حمايه أمنها القومي، فضلاً عن ذلك ترى اسرائيل ان اسلحتها النووية تشكل دعامة مهمة في قوتها الاقليمية فقد رأى أيهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أن صورة اسرائيل في الوعي العربي بوصفها دولة تمتلك قدرات نووية، وهو من أهم المقومات الاستراتيجية لإسرائيل.

وثم في عام 1963 عبر شيسمون بيريز عن سياسة الغموض النووي الاسرائيلي حيث لم يؤكد البرنامج او ينكره، معبرا عن ذلك بقوله) لن تكون اسرائيل أول دولة تمتلك أسلحة نووية في الشرق الاوسط (وحصل العالم على بعض المعلومات عن برنامج اسرائيل النووي عن طريق تسريب المعلومات، والتعليقات الغير حذرة لبعض القادة السياسيين).

ويوضح موقف اسرائيل الرسمي أنها ملتزمة بتطوير برنامج طاقة نووي مدني، إذ قررت الحكومة الاسرائيلية منذ سبعينات القرن الماضي انتاج الطاقة الكهربائية باستخدام المفاعلات النووية، ولا يوجد تقدير دقيق لحجم المخزون الاسرائيلي من السلاح النووي، ولكن يعتقد على نطاق واسع ان حجم مخزونها يقدر بحوالي 100 رأس حربي من البلوتونيوم، ووفقاً لأحد التقديرات تملك إسرائيل حتى كانون الاول من العام 2006 ما بين 340 و 650 كغم من البلوتونيوم العسكري، او ما يعادل 110 رؤوس حربية، على افتراض ان كل رأس حربي يحوي على خمسة كغم من البلوتونيوم، اذ يعتقد الكثير من المحللين ان لدى إسرائيل ترسانة نووية ضخمة وثمة تخمينات وان كانت غير مؤكدة تشير الى ان إسرائيل قامت ربما بإنتاج اسلحة نووية غير استراتيجية، بما فيها قذائف مدفعية وذخائر تدمير نووية.

ومن هذا المنطلق فان هناك ثلاث مراحل تتعلق بالخيار النووي الإسرائيلي هي:

1- مرحلة الخيار النووي: وتعني ان السلاح النووي لم ينتج بعد رغم توفر القدرة على انتاجه في فترة زمنية قصيرة.

2- القنبلة في القبو: وتعني ان سلاحاً نووياً تم انتاجه فعلياً، بيد ان امر الافصاح عنه لايزال سراً.

3- الاعلان عن السلاح النووي: ويعني ان موضوع انتاج السلاح النووي قد اعلن على الملاء، واصبح جزءاً من ادوات الردع المعروفة وسلاحاً لا يُخفى على احد.

ومن هذا يتضح أن اسرائيل قد تجاوزت المرحلة الاولى وهي الان بصدد المرحلة الثانية، ولم تصل الى المرحلة الثالثة وذلك ذلك لأنها تهدف بصورة او بأخرى الى توظيف الشك حول قدراتها النووية لتكسب بذلك الردع بالشك، مما يجعل العرب في حالة من الخوف واليأس تدفعهم بقبول شروطها بالسلام وعدم المجازفة في الحرب معها، ومن هنا نفسر رفضها لعدم انضمامها لمعاهد الحظر الشامل للأسلحة النووية، لان انضمامها قد يفقدها خاصية الردع التي تنشدها وقد يقيد طموحتها التوسعية في المنطقة.

إلا أنه على الرغم من ذلك يتمثل الوضع الحالي في المنطقة بعدم التوازن الاستراتيجي، إذ تكاد أن تكون اسرائيل الدولة النووية العظمى الخامسة في العالم حيث حلت محل بريطانيا وتنافس فرنسا والصين من حيث حجم ترسانتها النووية، وتحظى إسرائيل بالاعتراف العالمي كقوة نووية، وقالها نوبلكس الرئيس السابق للجنة الامم المتحدة للرصد والتحقق والتفتيش في العراق): العالم بأسره متأكد تماما من أمتلاك اسرائيل حوالي 200 قنبلة نووية، ويعتقد أن المراوغة لا تغير من واقع الامر شيئا، فهي جزء من المشهد النووي).

اما بالنسبة لانضمامها لمنطقة خالية من الاسلحة النووية في الشرق الاوسط، فانها تبدي موافقة من حيث المبدأ، بيد أنها في الوقت ذاته كانت وما زالت من أكثر معوقات اقامة هذه المنطقة، وكذلك ترفض الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكذلك التفاوض حول إقامة منطقة خالية من هذه الأسلحة بحجة أن هذا سيأتي بعد تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط وتوقيع اتفاقيات صلح مع الدول العربية، وعلى الرغم من عدم انضمام إسرائيل للاتفاقية، إلا انها عضو في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وترفض الكشف عن برنامجها أو السماح للوكالة بتفتيش منشأتها أو مراقبتها وذلك تصنيفاُ لما تسميه سياسة الغموض النووي، فهي تربط ذلك في أولوية اقرار سلام شامل في المنطقة، كما أنها تدعو الى توسيع الحدود الجغرافية للمنطقة بحيث تضم اليها دول متاخمة اخرى مثل تركيا وباكستان.

ثانياً: الولايات المتحدة الامريكية وموقفها في التعامل مع الملف النووي الإسرائيل

إن الراي السائد في المنطقة عن السياسة الأمريكية تجاه القضايا النووية المثارة في الشرق الأوسط هي انها مزدوجة المعايير، فهي تتقبل وجود سلاح نووي لدي إسرائيل، بينما تعمل على منع الدول العربية وخاصة إيران من الاقتراب من المساحة النووية، فالولايات المتحدة كانت تعلم تماماً بالبرنامج النووي الإسرائيلي الذي تم ابتداء بمساعدة سرية مع فرنسا إلى أن حققت إسرائيل أهدافها في صنع ما يتراوح ما بين 200و300 قنبلة ذرية، فإسرائيل انطلق برنامجها النووي من حيث انتهي علماء الذرة في فرنسا والولايات المتحدة بمعنى أنها لم تبدأ من نقطة الصفر إلا بمساعدتهما وبمساعدة عديد من الدول كالنرويج والهند وجنوب إفريقيا، وعلى الرغم من أن هذا البرنامج السري انفضح تماماً منذ ان كشف "موردخاي فعنونو "منذ منتصف الثمانينات، حين هرب من إسرائيل وكشف أسراره في الصحف البريطانية، إلا أن الولايات المتحدة تجاهلت القضية تماماً في إطار دعمها لإسرائيل، وذكر موقع "نيوز وان " الإخباري الإسرائيلي أن التقرير الذي حمل اسم " التكنولوجيا الحيوية لإسرائيل ودول حلف الأطلسي" يكشف أن الولايات المتحدة قامت بخرق اتفاقيات تحظر تقديم المساعدة المادية إلى تطوير أسلحة نووية، وكشف الموقع أنه من الصعب تقدير حجم الخسائر التي يمكن أن تحصل عليها إسرائيل نتيجة الكشف عن هذه المعلومات، ومنها قيام إيران باستخدام هذه المعلومات كأداة ضغط على الولايات المتحدة من أجل وقف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها.

* باحثة متخصصة في الشؤون الدولية-العراق

.............................................................................................
المصادر:
1- حسناء رجب ذكي واخرون، القدرة النووية وتاثيرها على عملية صنع القرار في السياسة الخارجية دراسة حالة ايران إسرائيل، دراسة بحثية منشورة، المركز الديمقراطي العربي، برلين- المانيا، 2017.
2- كرار أنور ناصر، معوقات اخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، دراسة بحثية منشورة، المركز الديمقراطي العربي، برلين- المانيا، 27 أيلول 2014.
3- مجموعة مؤلفين، الخيار النووي في الشرق الأوسط، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت-لبنان، 2001.

اضف تعليق