الأيقونات الثلاث للحركات الشبابيّة في تونس: تكريز، زواولة، مانيش مسامح


إن الحركات الشبابيّة نوعان سياسيّة وأخرى اجتماعية – وهي التي نروم الحديث عنها- وهي حركات يتّسم ظهورها بفجائيّة والتلقائية ولا تندرج تحت الهياكل التقليدية كالأحزاب وهي في الغالب حركات ثوريّة متمرّدة – لما يعرفه الشّباب في تلك المرحلة العمريّة من اندفاع – لا بل تتبنّى في غالبيتها مبدأ " أنارشيزم " (اللا سلطويّة) تلك الفلسفة التي تتبناها الحركات الشبابية/ الثوريّة وتعارض بموجبها توجّهات السلطة القائمة وتحاول تقويضها وإسقاطها، ويتّسم منتسبوها بالتنوّع الفكريّ والإيديولوجي- على عكس الحركات الشبابيّة السياسيّة- وتعرّف أيضا بكونها سلوك جمعيّ اوجهد جماعيّ يستخدم جميع الوسائل المتاحة لتحقيق هدف معيّن، وقد يكون لنشاط هذه الحركات أثر سياسيّ ولكنها بالنهاية ليست حركات سياسية لأنها لا تسعى للسلطة بل تمرّدت عليها، وقدّ تتنوع وسائل تحقيق الهدف التي اجتمعت حوله وتشكّلت بموجبه الحركة فتتبنى بعض الحركات العنف الثوريّ وتتبنى حركات أخرى النضال السلمي المدنيّ وتتبنى ثالثة التعبيرات الفنيّة الثائرة، هذه الحركات في الغالب ذات تنظيم أفقي لا رأس له وإن تقدّم هذا أوذاك ليكون ناطقا رسميّا أوغير رسميّ أملته الظروف وجرّاء كلّ الأشياء التي ذكرناها سابقا لا يمكن لهذه الحركات ان تتطوّر لتصير هيكلا أوحزبا لان وجودها محدد بالهدف الذي وجدت من اجله لذلك فمتى تحقّق أواستحال التحقّق ستتلاشى الحركة تدريجيّا وتذوب.

الثورة التونسيّة ثورة شبابيّة بامتياز، إذ كان الشّباب موقدها ووقودها وحطبها، لذلك كان من طبيعيّ جدّا عن نعيش على وقع حركات شبابيّة ثائرة متناسلة، تموت واحدة لتولد من رمادها ثانية وثالثة وألف كما العنقاء تماما.

1. حركة تكريز:

هي من أقدم الحركات الشّبابيّة في تونس (في العشريّتين الأخيرتين)، تأسّست سنة 1998 و"تكريز" هي كلمة عامية –باللهجة التونسيّة- تعني الغضب العارم الذي اكتسح نفوس الشّباب التونسي المتطلّع للحريّة والكرامة في ظل سلطة آلة القمع والدكتاتورية وتعرّف الحركة نفسها من خلال إحدى مدّوناتها بالتالي : " التكريز هي أول حركة رائدة في ميدان حرية التعبير والنضال الافتراضي في مجال الدفاع عن الحريات الفردية. يتبنى "التكريز" ايديولوجية ويتبع ميثاقا أسس على ثلاثة محاور: حرية صدق وسرية. حركة "التكريز" حركة مفتوحة لكل من يرى في نفسه تواصلا مع مبادئ الحركة ويمكنه الانضمام بمجرد التعبير عن الرغبة في الدفاع والذود عن الحقوق والحريات الفردية والمساس بهيبة الوطن..... "التكريز" موجة الانترنات منذ بلوغها سواحل قرطاج لتلعب دور الرّيادة في إيصال صوت شبابنا اليافع الى السلطات التونسية التي هدمت مستقبله وما انفكت تهمشه ولم تعطه الفرصة في بناء غد أفضل هوالمعني به بدرجة أولى وأمام قمع وتكميم أفواه الشباب المنادي بالحرية والرافض للركوع ومحاولات التهميش وجدنا أنفسنا نخوض حربا ضد الدكتاتورية والإرهاب الفكري فمنا من قتل ومنا من يقبع في السجون وسنظل نقاوم حتى يفهم الدكتاتور أن لا رئاسة مدى الحياة ولا توريث إلا إذا فرغت تونس من شبابها ورجالاتها".

عرفت هذه الحركة بقدرتها العجيبة على التخفّي والسريّة وعرفت أكثر بالقدرات التقنيّة الفائقة لمنتسبيها، تلك القدرات التي مكنتهم من زعزعة عروش نظام المخلوع بن علي وفضحه من خلال منشورات ورسائل مصوّرة في كثير الأحيان لم يتمكن النظام ومعاونيه -عمّار 404 - من فكّ شفرات مرسلها اومن يقف ورائه، اتسمت الحركة أيضا بتبنيها العنف الثوريّ – برغم حديثهم في التعريف عن سلميّة نضالهم – فكانت منشوراتهم في الغالب منشوارت تحريضية بخطاب فاحش ولكنّه مبرّر من حركة اختارت لها من الأسماء والعناوين، عنوان الغضب العارم، والغضب العارم لا يقيّم أخلاقاويّا لهذا يمكن ان يوضع خطابهم في سياقه الثوريّ والتاريخي، خاصة أن الشّجاعة التي اتّسموا بها لا نظير لها في ذاك الزمن وإن كانوا من وراء لوحة المفاتيح، والحديث هنا عن نضالهم الافتراضي لا ينفي وجودهم في ساحات وشوارع النضال وإن كانت هويّاتهم غير معلومة إلى اليوم فالسريّة مبدأ قامت عليه الحركة وأتقنوه. تلاشت الحركة اوخفت حضورها في السنوات الأخيرة خاصة بعد حظر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي في شهر ماي 2011 اذ اعتبرت وزارة الداخلية – زمن الحبيب الصيد – صفحة الحركة من الصفحات التحريضيّة .

2. حركة زواولة

"زواولة" كلمة عاميّة تعني الفقراء وهواسم حركة فنيّة ثائرة اختصت في فنون الشّارع " الغرافيتي " تحديدا، يوصف أعضاء هذه الحركة بــ"مقاتلي الخفاء من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية"، وكغيرها من الحركات الشبابية الثائرة اعتمدت على السرّية في تحركاتها الليليّة إذ تخيّر هذه الحركات عدم الإفصاح عن أسماء منتسبيها خوفا من الملاحقة القانونية وهذا ما حصل فعلا مع حركة "زواولة" التي اتخذت اسما حركيّا وشعارا في شكل( Z) لتذييل وإمضاء منجزاتها الفنيّة الثائرة، وتعرّف الحركة نفسها بــ: "نحن في "زواولة" نمثّل حركة شارع بأتم ما تعنيه الكلمة، ونحن نناضل ونحاول إيصال أصواتنا وأصوات الفقراء عبر فن الجرافيتي، ونضم في صفوفنا شبابا تخرّج من معاهد الفنون الجميلة، كما نضمّ شبابا درس الحقوق ومن اختصاصات أخرى، لكنهم موهوبون ويجيدون هذا الفنّ".

وبرغم السريّة التي طبعت اغلب تحركاتهم تمكنت يد النظام من الامتداد إليهم لتطالهم، اذ ظهرت الحركة للعلن من محافظة قابس الجنوبية اثر حادثة اعتقال أسامة بوعجيلة وشاهين بالريش اللذين ضبطا بصدد رسم بعض الشعارات على جدران كان هذا محتواها : "الزوالي يطلب ويساسي، واللعبة لعبة كراسي" و"الزوالي دفنوه وعينيه حية".... وتعرضا للتعنيف من طرف الشرطة وتمت إحالتهما على القضاء بموجب ثلاث تهم وجهت لهما وهي :الكتابة على عقار عام دون رخصة، خرق قانون الطوارئ، نشر أخبار زائفة من شأنها تعكير الصفوالعام، هذه المحاكمة التي أثارت الكثير من اللغط في بلد يعيش على وقع ثورة عارمة كان مطلب حريّة التعبير من أهم مطالبها،تواصلت المحاكمة الى حدود 10 ابريل 2013 يوم حكمت المحكمة الابتدائية بقابس بعدم سماع الدعوى وقررت تغريم أسامة بوعجيلة وشاهين بالريش بــ 100 دينار ، وتجدر الإشارة هنا بكون وجود الحركة لم يقتصر على قابس بل انتشرت في اغلب المحافظات التونسية، وكسابقاتها من الحركات الشبابيّة انحصر وجودها وتلاشت في السنوات الأخيرة.

3. حركة مانيش مسامح

عنوان حركة أو حملة " مانيش مسامح " هوعنوان بالعامية التونسيّة أيضا ويعني " لست متسامحا أومتصالحا " والخطاب هنا موجه للحكومة والنظام السّاعي إلى تبييض رموز الفساد في المنظومة القديمة عبر قانون المصالحة الذي يتعارض مع العدالة الانتقاليّة المشروطة بكشف الحقيقة والمحاسبة والاعتذار، تتكون الحملة من فئة شبابيّة تتبنّى " المقاومة المواطنيّة المجتمعيّة " المنحازة كلّ الانحياز للثورة ولمبادئها ولا تقدّم نفسها كمكوّن سياسي وان كان لفعلها ونشاطها اثر سياسيّ جلّي، فالحملة اوالحركة متنوّعة المشارب بل لا يعنيها التجانس ولا تقدم نفسها على أساسه لارتباط من فيها بهدف معلن وهوإسقاط قانون المصالحة المراد تمريره من طرف الحكومة والأحزاب الحاكمة، تعرّف الحملة نفسها بــ:" مانيش مسامح هي حراك مواطني مجتمعي مستقل يجمع كلّ الأفراد الرافضين لقانون تبرئة الفاسدين وتبييض الفساد المسمّى " قانون" المصالحة في المجال الاقتصادي والمالي، انطلق عمل الحملة منذ شهر جوان 2015 ونفّذ اوّل تحرّك ميداني يوم 28 أوت 2015 في ساحة محمّد علي "، وكما ذكرنا سابقا تشكّلت الحملة بموجب هدف معلن وهو:" الهدف الأساسي للحملة هوسحب مشروع قانون تبييض الفساد ورفض الانقلاب على مسار العدالة الانتقاليّة الذي يقوم على الكشف عن الحقيقة وحفظ الذاكرة، المساءلة والمحاسبة،جبر الضرر وردّ الاعتبار، إصلاح المؤسسات، المصالحة."

سنتان الآن من عمر هذه الحركة التي لم يخفت بريقها بل اتّسع انتشارها لتصل تحركّاتها الميدانية إلى مدنين بأقصى الجنوب التونسيّ ويعود هذا الانتشار لأنها رسمت الهدف وفقا لخطوط العرض لا الطوّل ولم تتبنى التنظيم الهرمي بلّ خيّرت الانسياب كالماء في عروق وطين هذه الأرض فأثمرت واشتدّ عودها ولسنا نجانب الصواب حين نقول انها نجحت في إرباك عجلة تمرير هذا القانون، فلم تجد الحكومة بدّا غير تأجيل النظر فيه ليتواصل فشلها في تمريره ويتواصل تعنّت الشّباب وتشبّثهم بمطلبهم وهدفهم الذي رسموه ولن يحيدوا عنه، حتّى انّ المتتبّع الموضوعيّ بوسعه أن يقرّ أن هذه الحملة قد نجحت في تنظيم ثاني اكبر تحرّك عرفته تونس بعد الحشد الذي رافق جنازة الشهيد شكري بلعيد، هذا الحشد الذي تحقق في تحرّك السّبت 13 ماي 2017 ناهز عدد المشاركين فيه 5 ألاف مشارك مع أن وزارة الداخلية في حينها قد نفت العدد المعلن من طرف بعض أعضاء الحملة وأعلنت عن 12OO مشارك فقط و مهما يكن العدد الحقيقي للمشاركين في ذاك التحرّك بوسع أي متتبع محايد أن يقرّ بنجاح الحملة والتحرّك، آخر المحطّات النضاليّة للحركة كانت في باردوبتاريخ يوم الخميس 28 جويلية2017 ليلا اذ خيّر الشّباب الاعتصام تمهيدا لمسيرة الغد إلا انه وبرغم سلميّته لم يخلومن مناوشات مع قوّات الأمن التي رفضت وجودهم وعارضت نيّة الشباب نصب خيمة فاجبروا على المبيت في العراء، لكن نجاح هذه الجولة -كمثيلاتها- قد يخفّف من معاناة وتضحيات الشّباب اذ أجّلت لجنة التشريع العام بمجلس نوّاب الشّعب النظر في قانون المصالحة إلى جلسة قادمة بعد العطلة البرلمانية،تأجيل المعركة لا يعني حسمها ولكنّه بالنهاية نجاح آخر للحملة.

في بلد يتنفّس شبابه الثورة لا يمكن أن نختصر الحركات الشبابيّة في ثلاث حركات لان العدد لا يتسّع له المقام ولكن على سبيل الذكر لا الحصر توجّب ان نذكر الكثير من الحركات الأخرى التي عرفتها تونس ومنها :" حركة اهل الكهف "، حركة" خنقتونا"، حركة" تمرّد "، حركة "فنّي رغما عنّي" ( التي تحوّلت إلى جمعيّة)، حركة "عدنا"، حركة "كش مات"، "الحركة الثقافية الثورية" وغيرها، كل هذا الزخم يؤكد أن الأرض التي يقف عليها أي معاد للثورة هي أرض رجراجة من الرمال المتحركة التي قد تعصف بها رياح الشّباب في أيّ حين.


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تقارير)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك