الحديث عن العمل الانساني يجعلنا أمام حتمية استقراء تاريخ الإنسانية المحفوف بالمشاكل والقرارات المثيرة للجدل، فبعد عقود من الحروب الدامية بين الدول، والكوارث الطبيعية واسعة النطاق والصراعات دون الوطنية الممتدة، لا يزال العمل الانساني يُنظر إليه على أنه منطقة ممزقة بالصراعات ومعرضة للكوارث بشكل خاص...

صادف اليوم العالمي للعمل الإنساني الذي يُحتفل به في 19 أغسطس/أوت من كل عام هذه السنة ظروفا استثنائية تزامنت مع تواصل الجهود العالمية المبذولة لمكافحة جائحة كوفيد-19 التي فرضت مزيدا من التوجه إلى العمل الانساني وتعزيز آلياته خاصة أمام الجدل الذي حصل حول ضرورة تنسيق استجابة عالمية ترقى إلى مستوى تطلعات الإنسانية لضبط نظام انساني مشترك مستقبلا ضد الأوبئة بما فيها التهديدات الأخرى على غرار الفقر والنزاعات والمناخ.

ففي مثل هذا اليوم وقف العالم وقفة إجلال مع العاملين في المجال الإنساني الذين لاقوا حتفهم في الهجوم الذي وقع في 19 أغسطس/أوت 2003 على فندق القناة في العاصمة العراقية بغداد مما أسفر عن مقتل 22 شخصا بمن فيهم كبير موظفي الشؤون الإنسانية في العراق، سيرجيو فييرا دي ميللو، وعلى إثر ذلك، قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بإضفاء الطابع الرسمي على هذه الذكرى بإعلان رسمي عن اليوم العالمي للعمل الإنساني في عام 2009 تخليدا لذكرى من قُتلوا في الحادثة أثناء أداء أعمالهم الإنسانية، واليوم لا يزال عمال الإغاثة يواجهون عقبات وتحديات غير مسبوقة في الوصول إلى الناس ومساعدتهم في أثناء الأزمات الإنسانية، كما يواجه العاملين في المجال الانساني بشكل عام بيئة معقدة بشكل متزايد مشحونة بالجدل والمعارك السياسية وتعدد المنظمات الدولية، فضلا عن تسع دول إضافية أدخلتها جائحة كوفيد-19 في دائرة الحاجة، ليصبح العدد أكثر من 55 دولة ضمن دائرة الفقر.

وبذلك فان الحديث عن العمل الانساني يجعلنا أمام حتمية استقراء تاريخ الإنسانية المحفوف بالمشاكل والقرارات المثيرة للجدل، فبعد عقود من الحروب الدامية بين الدول، والكوارث الطبيعية واسعة النطاق والصراعات دون الوطنية الممتدة، لا يزال العمل الانساني يُنظر إليه على أنه منطقة ممزقة بالصراعات ومعرضة للكوارث بشكل خاص، وبهذا الصدد كان تقديم المساعدة المادية للأشخاص المحتاجين موجودًا عبر تاريخ البشرية غالبًا في شكل مساعدات غذائية أو مادية يتم تقديمها أثناء المجاعة أو الجفاف أو الكوارث الطبيعية، ومع ذلك، فإن المفهوم والنظام الحديث للمساعدات الإنسانية كما نعرفها " تقديم المساعدة بشكل غير متحيز ومستقل ومحايد لمن يواجهون خطرًا مباشرًا" لم يكن موجودًا إلا منذ منتصف القرن العشرين.

لذا فإن وجه المساعدات الإنسانية اليوم يتسم بالتعقيد مع وجود عدد كبير من المنظمات غير الحكومية والمنظمات الأخرى، ناهيك عن العديد من البلدان التي تقدم مجموعة متنوعة من المساعدات وتساهم في التنمية، لكن تبقى النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية من بين أبرز أسباب تدهور الوضع الانساني، وقد تم تحديد أربعة مبادئ أساسية تحكم المساعدة الإنسانية، وتتمثل في: الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلال، إذ تم وضع هذه المبادئ رسميًا من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1991 (الإنسانية وعدم التحيز والحياد) ثم مبدأ الاستقلال في 2004.

فالإنسانية تشير إلى تقديم المساعدة لجميع المحتاجين أينما وجدت، بغرض حماية واحترام جميع البشر، أما الحياد هو مسؤولية منظمات الإغاثة عن عدم اختيار أطراف النزاع أو تفضيل اتجاه سياسي أو ديني أو إيديولوجي معين، أما النزاهة تتطلب تقديم المساعدة على أساس الحاجة وحدها وعلى أساس أي تمييز آخر بما في ذلك الجنس أو العرق أو الجنسية أو العرق أو الطبقة أو الحزب السياسي أو المعتقد الديني، فيما يشير الاستقلال إلى مطلب أن تكون منظمات المساعدة مستقلة عن أي أهداف سياسية أو عسكرية، وفق المفهوم الذي حددته الأمم المتحدة، والجدير بالذكر أنه تم اعتماد هذه المبادئ من قبل 492 منظمة إغاثة.

كما يشير مصطلح الاغاثة الانسانية humanitarian relief، أو المساعدات الانسانية Humanitarian Aid عند استخدامه في سياق التمويل إلى الموارد المالية للعمل الإنساني، وتعرفه الأمم المتحدة أنه "مجموعة الخدمات الفورية (إيواء- غذاء-كساء- دواء-...) التي تقدم للمتضررين نتيجة الكوارث والحروب"، فوفقا لميثاق الأمم المتحدة، ومبادئ القانون الدولي الإنساني، يتم التشديد على أهمية تقديم المساعدة الإنسانية لضحايا جميع الكوارث، الطبيعية أو الناجمة عنها".

أما مصطلح "العمل الإنساني" يشير وفق تعريف الأمم المتحدة على أنه "إنقاذ الأرواح، وتخفيف المعاناة، والحفاظ على كرامة الإنسان أثناء، وبعد الأزمات والكوارث التي يتسبب فيها الإنسان بسبب الأخطار الطبيعية، وكذلك لمنع وتقوية التأهب عند حدوث مثل هذه الحالات".

ورغم تصاعد الطلب على الإغاثة الإنسانية، والحاجة إلى تقديم استجابة إنسانية تتماشى مع المبادئ التوجيهية القانونية، والأخلاقية والمهنية، إلا أن عمال الإغاثة لا يستطيعون الوصول بأمان إلى المجتمعات الأكثر احتياجًا للمساعدة الإنسانية، وهو ما يعد انتهاكًا للقانون الإنساني الدولي، حيث يتم استهداف عمال الإغاثة والمدنيين والأماكن المحمية مثل المستشفيات ومخيمات اللاجئين والمدارس خاصة في دول النزاعات، وبذلك تتحدى أطراف النزاع القانون الإنساني الدولي بشكل متزايد، وهو ما يضع سلامة وأمن موظفي الإغاثة الإنسانية في خطر دائم رغم أن القانون الانساني الدولي يمنع العنف ضد العاملين في المجال الإنساني، وبالتالي أصبح الامتثال للقانون الدولي آخذا في الانخفاض.

ففي عام 2018 قتل 131 عامل إغاثة وخطف 130 في 400 هجوم، وفي 2019 وقع 791 هجوماً على العاملين الصحيين ومرافق الرعاية الصحية مما أدى إلى وفاة 171 شخصاً وفق احصائيات الأمم المتحدة، حيث لا يزال جنوب السودان يعاني من أكبر عدد من الهجمات كما زادت عمليات الاختطاف مرة أخرى في أفغانستان، وزاد العنف ضد عمال الإغاثة بشكل حاد في جمهورية الكونغو الديمقراطية بسبب زيادة النشاط الإجرامي وبداية سلسلة من الهجمات على المستجيبين للإيبولا، والتي تفاقمت في عام 2019 حسب تقرير الأمم المتحدة دائما.

ورغم ذلك شهد النظام الإنساني تحسنا ملحوظا حسب تقرير الأمم المتحدة 2019، حيث أصبح أكثر فاعلية ويحظى بأولويات أفضل وأكثر ابتكارًا وشمولية من أي وقت مضى سواء على مستوى تقديم المساعدات، أو على مستوى دور المنظمات، حيث تتمتع المنظمات الإنسانية اليوم بفهم أفضل لما هو مطلوب بشكل عاجل ومن يقوم بذلك، كما أتاح التمويل الاستباقي اتخاذ إجراءات مبكرة في العديد من الأزمات لدعم الاستجابة السريعة.

أما هذا العام كان COVID-19 التحدي الأكبر للعمليات الإنسانية في جميع أنحاء العالم بسبب القيود التي فرضتها الحكومات في جميع أنحاء العالم مما صعب وصول المساعدات إلى الفئات الهشة، وقد حدد تقرير الأمم المتحدة 2020 ما يقرب من 168 مليون شخص سيحتاج إلى المساعدة الإنسانية والحماية في 55 دولة، وهو أعلى رقم تم تسجيله على الإطلاق، إذ يمثل هذا واحدًا من بين كل 45 شخصًا في العالم، وهو أيضا أعلى رقم منذ عقود، وأكثر من 79 مليون شخص شردوا قسرًا بسبب النزاع وانعدام الأمن، كما تهدف الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة إلى مساعدة ما يقرب من 109 ملايين من الأشخاص الأكثر ضعفاً وهو ما سيتطلب تمويلًا بقيمة 28.8 مليار دولار.

وحسب التقرير دائما سيستمر الوضع في التدهور ما لم تتم معالجة تغير المناخ والأسباب الجذرية للصراع بشكل أفضل، حيث تُظهر التوقعات أن أكثر من 200 مليون شخص قد يحتاجون إلى المساعدة بحلول عام 2022، كما ستزداد صعوبة إنقاذ الأرواح مع تزايد تعقيد الأزمات والنزاعات، واستنزاف الموارد الشحيحة، وتعريض عمال الإغاثة لخطر جسيم، كما تخلق جائحة COVID-19 مخاطر إضافية لعمال الإغاثة.

وعلى صعيد الاستجابة الانسانية في ظل هذه الظروف، يساعد برنامج الأغذية العالمي ما يقرب من 100 مليون شخص في حوالي 83 دولة كل عام، وهو منظمة إنسانية رائدة تنقذ الأرواح وتغير حياتهم، وتقدم المساعدة الغذائية في حالات الطوارئ وتعمل مع المجتمعات لتحسين التغذية وبناء القدرة على الصمود، لأن المساعدة الغذائية هي لب النضال من أجل كسر حلقة الجوع والفقر في العالم.

فوفقًا للتقرير العالمي للأزمات الغذائية لعام 2020، يحتاج أكثر من 135 مليون شخص في 53 دولة إلى مساعدات عاجلة من الغذاء والتغذية وسبل العيش.

إذن من خلال ماسبق يمكن القول أنه رغم كل المبادرات والمحاولات لتعزيز الحماية الدولية للعاملين في المجال الانساني، والعمل على خلق نظام انساني مشترك، إلا أنه لا يوجد التزام عالمي، حيث كثيراً ما تتفاقم محدودية الامدادات الانسانية بل إن المشكلة تكمن أيضا في عدم وجود أشكال أخرى من الانخراط الدولي الإنساني في مختلف الأزمات، وهذا ما جعل والعاملين في مجال العمل الانساني، ووكالات الإغاثة تكافح للحصول على الإمدادات في البيئات الهشة التي يعيقها انهيار سلاسل التوريد العالمية من أجل سد الفجوة في الخدمات الأساسية مما يضمن بقاء المستجيبين الإنسانيين في الخطوط الأمامية للأزمات الإنسانية وتفعيل كل آليات الحماية الدولية لضمان أمن وسلامة عمال الإغاثة والعمل الانساني، من جهة تطفو في كل مرة يتم فيها التحدث عن العمل الانساني الدولي جدلية تسييس المساعدات الانسانية، وهو ما يشكل الحلقة الأصعب في ضمان نظام انساني عادل.

* باحثة أكاديمية متخصصة في الإدارة الدولية-باتنة/ الجزائر
[email protected]

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق