محمد الطاهر

 

ومن سخريات القدر أن فرنسا وقطر كانتا أكثر الدول حماسة لإسقاط نظام القذافي، وبادرتا بمساعدة المنتفضين ضده، وأرسلتا قواتهما إلى ليبيا لتحقيق هذا الهدف، إلا أن فسيفساء الفوضى الليبية فرضت واقعا جديدا لاحقا. ويبدو أن فرنسا بغض النظر عن طبيعة دعمها العسكري لقوات حفتر، تتخندق عمليا الآن في مواجهة قطر.

ويمكن القول إن الوضع الحالي الذي أدى إلى ما يمكن أن نصفه بشرارة التماس بين فرنسا وقطر قد بدأ منذ انطلاق قوات البنيان المرصوص، التي يتبع معظمها مدينة مصراتة، إلى سرت لمواجهة داعش، في تلك الفترة جدد مفتي ليبيا الصادق الغرياني فتواه بوجوب مقاتلة حفتر وقواته.

وأعقب ذلك تشكيل ما يعرف بسرايا الدفاع عن بنغازي وتضم في صفوفها قادة ميدانيين كانت قوات حفتر طردتهم من المدينة في القتال المتواصل هناك منذ نحو سنتين. وأعلن هؤلاء أن مرجعيتهم هي دار الافتاء التي يترأسها المفتي الصادق الغرياني.

وكان مجلس النواب في طبرق قد عزل الصادق الغرياني من منصبة فيما مضى إلا أن المفتي ظل في عمله في طرابلس المنقسمة بين حكومتي الانقاد برئاسة خليفة الغويل، وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج والتي يسعى المجتمع الدولي منذ مدة ومن دون جدوى إلى أن تتولى إدارة سائر أرجاء البلاد، وأن تختفي حكومتا عبد الله الثني من طبرق وخليفة الغويل من طرابلس.

وهكذا وفيما كانت قوات حفتر تحاول السيطرة على آخر معاقل خصومها في بنغازي، ظهرت قوات تابعة لسرايا الدفاع عن بنغازي فجأة على تخوم بنغازي الغربية وسيطرت على عدة مناطق، إلا أن قوات حفتر تصدت لها وتمكنت من إبعادها واستعادة منطقة المقرون التي شهدت إسقاط المروحية ومقتل العسكريين الفرنسيين الأحد الماضي خلال مهمة استطلاعية، بحسب السلطات الفرنسية.

وكانت سرايا الدفاع عن بنغازي أعلنت في وقت سابق مقتل 13 عنصرا من قواتها في غارات لـ"طيران أجنبي" على مواقعها في منطقة الجليداية، فيما أعلنت وسائل إعلام تابعة لحكومة الغويل والمفتي عن مقتل جنديين أجنبيين في إسقاط المروحية التابعة لحفتر في منطقة المقرون.

وكانت وسائل إعلام دولية تحدثت عن وجود قوات فرنسية في مدينة بنغازي تقدم دعما لوجستيا لقوات حفتر الذي يتولى منصب القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب في طبرق، وأن عسكريين فرنسيين يتولون توجيه القوات البرية التابعة لحفتر وتسيير طائرات الاسطلاع من دون طيار وتحليل الصور الجوية.

وبالإضافة إلى تمركز مفارز من القوات الخاصة الفرنسية في ليبيا، تتواجد قوات بريطانية وأمريكية، ذكرت تقارير أنها تتمركز في مدينة مصراتة، وتقدم بدورها دعما لوجستيا للقوات الليبية التي تقاتل تنظيم داعش في مدينة سرت، مسقط رأس الزعيم الليبي السابق معمر القذافي.

وسارع المفتي الصادق الغرياني بعيد الإعلان عن مقتل العسكريين الفرنسيين في ليبيا، إلى الدعوة إلى النفير العام لمواجهة "الاحتلال الفرنسي"، لافتا إلى أن الفرنسيين يقاتلون مع "عصابات حفتر" الثوار، ودافع عن سرايا الدفاع عن بنغازي بالقول إنها توجهت إلى المدينة "لرد الظلم".

وعلى الرغم من عدم وضوح طبيعة الدعم العسكري الفرنسي الذي تتلقاه قوات حفتر، إلا أن تأكيد وجود عسكريين فرنسيين في معسكره يشير إلى أن باريس تخوض من هناك "معركة سرية في ليبيا"، معركة ذكرت صحيفة لوموند في وقت سابق أن الرئيس فرانسوا هولاند أقرها باعتبارها "عملا عسكرية غير رسمي" تشارك فيه القوات الخاصة والاستخبارات، ويشمل "عمليات على الأرض، وتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف زعماء الإسلاميين".

وبالمقابل تواصل قطر دعم الإسلاميين في طرابلس بكافة السبل. ويمكن رؤية مدى نفوذ هذا البلد بليبيا من خلال الموقف التي اتخذه مفتي الديار الليبية الصادق الغرياني من مواطنيه المنتقدين لتدخلها في شؤون بلادهم، حيث قال في تصريح تلفزيوني شهير "من لا يشكر قطر يكون أقل مرتبة من الكلب".

ومن غير الواضح حتى الآن كيف ستواجه باريس انتقادات حكومة الوفاق الوطني وحكومة الإنقاذ الوطني لتدخلها العسكري في ليبيا، وهل ستواصل دعم قوات حفتر في إطار ما يبدو أنها حرب فرنسية ضد الإرهاب على الأرض الليبية.

كما يصعب التكهن بموقف فرنسا من دعم قطر للإسلاميين في ليبيا، ووبمدى استعدادها لتصعيد المواجهة رسميا مع هذا البلد مع تزايد تناقض مواقفهما من فرقاء الصراع، لاسيما عقب حدوث تماس خطير بين قوات فرنسية وتشكيل عسكري يدعمه هذا البلد.

ومن جهة أخرى، تبدو خارطة النفوذ الدولية في ليبيا معقدة ومتداخلة، حيث تدعم مصر والإمارات وفرنسا حفتر، في حين تدعم قطر بقوة أعداءه اللدودين إلى جانب تركيا، يحدث ذلك فيما يتواصل تفتت ليبيا وانهيارها على كافة الصعد يوما بعد آخر.

اضف تعليق