رسول الله محمد (ص).. إشراقة خالدة أنقذت البشرية


لم يولد الرسول محمد ( ص) لكي يموت بعد ان قال بحقه الله سبحانه وتعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وقد تمثلت هذه الرحمة برسم خارطة طريق من نور لحياة الدارين، الحياة التي ارادها الله وامر رسوله الكريم ان يغدق بها على عباده بعد سلسلة طويلة من الاف الانبياء والرسل الذين بعثهم الله لهداية البشرية.

وقد يسال سائل ما الذي فضّل محمد (ص) على هؤلاء كلهم وختم به الرسالة هل كانوا مقصرين وحاشاهم ذلك بعد ان اختارهم الله في ارضه؟!، ولكن هي كلمة الله في الرسول محمد ً(ص) بان يكون صاحبا وممهدا لحياة عمادها اطروحة عادلة وكاملة يعيش فيها الانسان بكرامة وطمأنينة بعيدا عن التعصب والفتن والجهل والتخلف ابتدأها الرسول محمد (ص) من قريش اقرب الناس اليه (وأنذر عشيرتك الأقربين) وانتهاء الى ابعد نقطة في العالم.

وقد لا نستطيع الإحاطة بمسيرة خاتم الانبياء (ص) في هذا التحقيق لـ(شبكة النبأ المعلوماتية) لكن لابد لنا ان نقف على اهم المبادئ والأسس الاستراتيجية التي أخذ بها الرسول محمد (ص) وأراد من الانسانية ان تستمر عليها على مدى الدهور والعصور.

كيف تعامل الرسول محمد (ص) مع المجتمع حينئذ دينيا سياسيا واجتماعيا وماذا اراد من استتراتيجيته تلك لجميع الازمان والمجتمعات؟.

مواجهة مباشرة.. لكن باقتدار

الباحث الاسلامي الشيخ مازن الساعدي يقول لـ(شبكة النبأ المعلوماتية): "ان رسالة النبي محمد (ص) واجهت العديد من التحديات التي تمثلت بالإغراء والاستهزاء والسخرية ومع هذا فان قائد الاسلام لم يستسلم، وقد اثبت للجميع ان العقيدة فوق المغريات والماديات، ووفقا لذلك على المجتمع اليوم التحلي بمبادئ الرسول وان يضعوا نصب اعينهم حبهم لعقيدتهم ووطنهم لا كما يحصل من اتباع المناصب والشهوات والمصالح الدنيوية وهذا يحتاج الى تضحية ودفع ضريبة كبرى مثلما دفعها الرسول محمد (ص)". وأضاف الساعدي قائلا: "فقبل أن يعلن دعوته كان لدى قريش يلقب بالصادق الامين وعندما اعلن رسالته اصبح بمنظارهم الكذاب والساحر لذلك علينا ان نتعلم من الرسول الصبر والقدرة على الصمود وان لا نجعل الاتهامات والتسقيط عائقا امام مسيرتنا وان لا نتوقف كما فعل في وقت قريب الشهيدان الصدران قدس الله سريهما فلم يستسلما امام مسيرة اعلان الحق ونصرته ومستلهمين ذلك من الرسول الكريم ووصيته التي اكدت على التمسك بكتاب الله وعترته اهل بيته عليهم السلام فهما سفينة النجاة فمن خلال هاتين الوسيلتين يمكن للمجتمع ان ينجوا من البلاءات، وان احد اسباب تدهور المجتمعات حاليا هو عدم الاخذ بهاتين الوسيلتين فالبعض تمسك بالقرآن وتخلى عن العترة والاخر تمسك بالسنة وقصّر مع القرآن فاذا اردنا ان ننهض من جديد وان نرتقي الى مستوى تحديات المرحلة الحرجة التي يمر بها المجتمع الاسلامي فعلينا بالرجوع الى وصية الرسول لنطبقها نظريا وعمليا على ارض الواقع".

الطائفية.. خط أحمر

على صعيد ذو صلة يتابع الشيخ الساعدي قوله "ان الرسول محمد (ص) قد عالج آفة الطائفية لعلمه ان اعداء الاسلام يعزفون على هذا الوتر وهو سلاح فتاك بايديهم عن طريق بث التفرقة وزرع بذور الخلاف بين ابناء المجتمع الاسلامي لذلك اول خطوة اتخذها الرسول عند وصوله المدينة المنورة هي مؤاخاته بين المهاجرين والانصار تطبيقا لقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)، وأضاف الشيخ" اليوم الكثير ممن يدعي الانتماء الى الاسلام ويدعو اليه عن طريق تبني ثقافة العنف على الرغم من انها غير موجود في أبجديات الرسول كيف يكون ذلك وهو صلوات الله عليه قد وضع آلية للعمل الرسالي تقوم على اساس الحكمة والموعظة الحسنة استنادا الى قوله تعالى (ادعوا الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة). ومع ذلك تشهد المجتمعات الحالية نمو افكار ارهابية وتكفيرية تدعي الانتماء الى الرسالة المحمدية وهي بعيدة كل البعد عن روح الاسلام الذي بني على قاعدة احترام الآخر ( وجادلهم بالتي هي احسن)".

فصل الدين عن السياسة!!

على الصعيد نفسه يرى الشيخ الساعدي ان من الاخطاء التي غرست في الاذهان وتجذرت في مجتمعاتنا هو وجوب فصل الدين عن السياسة الا ان هذا من الاخطاء الشائعة بدليل ان الرسول (ص) كان قائدا سياسيا ودينيا في نفس الوقت لذلك فان السياسة والدين تسيران في طريق واحد وفق المنظور الاسلامي .

الريحانة ماذا أراد لها نبي الرحمة (ص)؟

المرأة محرومة, جاهلة, توأد وتذبح, تظلم, مغيبة عن الحياة والمشاركة فيها كيف قلب الرسول محمد (ص) هذه المعادلة؟.

الباحثة والاكاديمية الدكتورة ندى العابدي تقول حول هذا الموضوع لـ(شبكة النبأالمعلوماتية) :لقد كانت المرأة في الجاهلية محرومة من حقوق الحياة كافة، فقد كانت توأد وتعد عارا على من يهتم بها ونال الحصة الاكبر من هذا الظلم نبي الاسلام حينما نعت بالابتر، وترى العابدي ان الظلم الذي وقع على المرأة طيلة العصور هو نتيجة الاعراف والتقاليد البعيدة عن الفكر الاسلامي والامر ينسحب على المرأة في الغرب التي تعاني من ازمة فكر وعرف، فالمرأة منعت من الإرث ويحرم زواجها بعد وفاة زوجها وهناك سلطة على حياتها من اهلها بشكل مباشر، هذه اهم الأمور التي واجهها الرسول محمد في تغيير النظرة الفكرية للمجتمع اتجاه المرأة التي صورت على انها مخلوق دوني بعيد عن الانسانية فكان من نماذج ثورة الرسول العالمية هو تغيير حال المرأة وفق المنظور الاسلامي فابتدأ بتهيئة الارضية المناسبة لذلك لكي تأخذ معادلة اخراج المرأة الى النور دورها التشريعي وحجمها الطبيعي والتي ظلت كذلك طيلة الرسالة الاسلامية.

وأضافت الدكتور العبادي قولها أن المرأة المسلمة "مثلت نقلات نوعية في خلق نموذج مجتمعي يتمثل في شقين الاول الرجل الذي يحترم المرأة ويعطيها مجالا واسعا في الرأي والقيادة في المجتمع ونموذج امرأة تمثل مكانة اجتماعية وقيمة انسانية عليا اساسها القران الكريم حينما ضرب الله مثلا للذين امنوا تمثل بامرأة فرعون واخر للذين كفروا تمثل بامرأة لوط وهو ما يمثل حالة ايقاظ للشعور الانساني تجاه المرأة في المجتمع والرسول المصطفى (ص) قد اخذ بالنموذج الاول في تعامله مع السيدة خديجة حتى قال ما قام الاسلام الا بسيف علي واموال خديجة"، ومن جانب آخر تعامله مع زوجاته وكيف كان يعاملهن بالرفق واللين والعدالة وطريقة تعامله مع بنته فاطمة الزهراء عليه السلام عندما قال فاطمة ام ابيها وهذا يعد اكبر نقلة نوعية لمكانة المرأة في الاسلام وكان مصدر هذا التفاخر القران الكريم عندما قال (انا اعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ان شانئك هو الابتر) فالله سبحانه وتعالى يفاخر بفاطمة على سائر المخلوقات وهذه الرسائل تمثلت في ان تتصدر نساء المسلمين ابواب العلم والاجرة واحيانا في الجهاد عندما ترافق اخيها الرجل في الطبابة وغيرها من الحقوق حتى اخذت المرأة المسلمة حجما واسعا من الحرية لايمكنلاي من المجتمعات ايجاده.

وتابعت الدكتورة ندى "أن من الحقوق الاخرى التي جاء بها الاسلام للمرأة هو تفريقها بينها وبين زوجها وسورة المجادلة دليل على ذلك فقال الله سبحانه وتعالى (وقد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما) بمعنى ان الله بعظمته وجلالته يستمع لهذه المرأة التي تشتكي الى الرسول في زوجها وكان لا يؤذيها بل فقط لا تستطيع العيش معه كما تقول للرسول .وغيرها من الحقوق التي جاء بها الاسلام وانطلق بها الرسول لتأسيس نظام مجتمعي عالمي يحترم المرأة".

الزهراء (ع).. خير من يمثل المرأة

من جانب مهم تشير الدكتورة ندى العابدي الى ان رسالة النبي محمد (ص) جاءت بخير نموذج تمثل بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام فأخذت دورها الاسلامي واسست اشبه بالحوزة العلمية التي تجمع نساء المؤمنين فيها للتدريس والتوجيه والارشاد وما الى ذلك وقران فاطمة عليه السلام دليل على ذلك ففيه احاديث نبوية حصلت عليها (عليها السلام) من ابيها (ص) عن طريق الوحي واية المباهلة تتويج رئيس لدور المرأة واهميتها عندما باهل الرسول نصارى نجران بالايةالقرآنية التي تقول ونساءنا ونساءكم التي اعطت بعدا هاما بان المرأة جزء من هذه المنظومة التي يفخر بها المجتمع".

لماذا المرأة الصالحة؟

الى ذلك وضحت الدكتورة ندى العابدي بان علماء النفس والتربية والبيولوجي بدأوا يهتمون ويعون بما جاء به الرسول محمد (ص) في عملية اختيار الزوجة والام الصالحة عندما قال (تخيروا نطفكم فان العرق دساس) فهؤلاء العلماء يؤكدون - وفقا لاشارة الرسول هذه - على اهمية الجينات الوراثية التي يتلقاها الطفل من الام مباشرة عن طريق الرضاعة او عن طريق الاتصال بالدورة الدموية طيلة التسعة اشهر فالام تزرع في طفلها القيم الاخلاقية التي يسير عليها في المستقبل وتمضي العابدي بالقول ان المراة استنادا لمنهاج نبي الرحمة (ص) ليست نصف المجتمع بل هي المجتمع كله بدليل ان الرجل تربى في حضن واحد .

ومن ضمن مكملات المرأة الصالحة في الاسلام هو تشريع الحجاب لكي نخرج بامراة يكون لها صدى مجتمعي لا صدى يثير الغرائز والشهوات كما في الثقافة الغربية التي جعلت المرأة سلعة رخيصة تباع وتشترى وبالتالي التركيز ليس على شكل المراة بمقدار ما يركز الاسلام على مكانتها المعنوية وقالوا وراء كل عظيم امرأة سواء انسان او أي عمل اخر وهذا بحد ذاته تكريم لها في تربية الاجيال واوكل للرجل اهمية تحصيل الرزق وشتان بين الاثنين.

أزمة هوية

تقول الباحثة العابدي مجتمعاتنا اليوم تعاني من ازمة هوية وهذا يعود الى تعدد في المرجعيات المجتمعية وعدم وجود مرجعية مجتمعية ثابتة وتعدد الولاءات فمرة للعشيرة واخرى للطائفة ومرة للقانون متناسين ولائهم الحقيقي الا وهو الاسلام وقوى المعادية للدين الاسلامي لها دور في هذا الموضوع فهي تشن حربها على الاسلام بكافة المستويات ونتيجة لذلك جعلت منه مجتمعا مستهلكا غير منتج وتبين العابدي ان من بين الاسباب الاخرى لهذا الخلل هو نشوء طبقة مثقفة تتبنى الثقافة الغربية وتعد اكثر خطورة من الغرب لانهم ينطلقون من داخل المجتمع المسلم واكثر قدرة وفعالية على التأثير نظرا لمعرفتهم بطبيعة البيئة التي يعيشون عليها ومع هذا فان الرسول تعامل مع هذه الطبقة ودعانا ان نتعامل معها باسلوب الحكمة والموعظة الحسنة وخلق منهم نماذج صالحة وهو الاساس الذي تبناه الرسول محمد (ص) في تعامله مع المجتمع بدلا من المقاطعة والتكفير وتخطئة الاخر.

السياسة عند نبي الاسلام

من المعروف ان المجتمع الذي ظهر به الرسول محمد (ص) كان مجتمعا معقدا من الناحية الفكرية والولاءات المتعددة كيف استطاع الرسول (ص) سياسيا التعامل مع ذلك؟؟، يجيبنا عن ذلك الباحث السياسي الدكتور محمد نعناع فيقول صحيح ان المجتمع الذي عاش فيه الرسول محمد صلى الله عليه واله وسلم كان متعدد الولاءات ولكنه لم يكن مجتمعا معقدا بدرجة كبيرة لوجود نمطين واضحين من القيادة فيه، النمط الاول هو النمط القبائلي الذي تسيطر عليه قريش، والنمط الثاني هو النمط التجاري الذي تتقاسم قريش مع قبائل وشخصيات تجارية اخرى القوة والنفوذ والتأثير فيه، وكان هذان النمطان يسيطران على حركة الناس من خلال ارزاقهم فطبقة العبيد كانت مرتبطة بالسادة والقادة، وطبقة عامة الناس تحت تأثير النفوذ التجاري والمعيشي لهؤلاء السادة والقادة القبائليين، وكانت هذه التركيبة صعبة الاختراق ولكن الرسول الاكرم استخدم آليتين للتأثير في هذا المجتمع، الالية الاولى هي الية الاستقطاب السري للاتباع وخصوصا الشباب المؤثرين ومنهم ابناء بعض رؤساء القبائل واستمر ذلك لمدة ثلاث او اربع سنوات، وساعدت هذه الآلية الرسول الاكرم على افهام هؤلاء المستقطبين بأن الدين الاسلامي رحمة وقارب نجاة للمظلومين، وهذا الفهم فتح المجال للآلية الثانية وهي آلية الخطاب الشامل التي وجه فيها الرسول النداء للمظلومين والمقهورين للانضمام الى دعوته الاصلاحية، وكل هذا حصل بدون أي تأثير او ضغط او خطاب تهديدي من الرسول الاكرم او الجماعة الذين انضموا الى دعوته.

الرسول باعتباره صاحب الرسالة الإسلامية العالمية كان لزاماً عليه أن يحيط بما يجري حوله في الدول المجاورة ماهي الاستراتيجية التي عمل بها نبي الاسلام (ص) في سبيل ذلك؟ فيقول الدكتور محمد نعناع: بالإضافة الى البعد الغيبي في توجيه الرسول الخاتم والمدد واللطف الإلهي الذي أحاطه به المولى عز وجل فقد كانت للرسول الخاتم ملكات وقابليات ذاتية وشخصية ومنها انه كان صافي الذهن عميق الفكرة لم تلوثه أدران الجاهلية واوساخ العبودية، وكان امينا في قوله وفعله، هذا على المستوى الشخصي، اما على المستوى المجتمعي فقد ابتكر الرسول محمد صلى الله عليه واله مبكرا عدة وسائل للتواصل مع البلدان الاخرى، فقد كان يلتقي بالقبائل الوافدة الى مكة للحج والتجارة ويتعرف منهم على امور بلدانهم التي يسكنون فيها، وقد قام الرسول بعدة هجرات او سفرات للدعوة او الاستطلاع ومنها الهجرة الى بني شيبان الذي تعرف منهم على طبيعة تعامل الدولة الفارسية مع عرب العراق ودرس تفاصيل العقد او الاتفاق المبرم بينهم وبين ملك الفرس، وبعد انتصارهم بمعركة ذي قار الشهيرة قال الرسول (اليوم انتصف العرب من العجم وبي انتصروا)، وكان تشخيص الرسول في محله عندما وجه جماعة المسلمين للهجرة الى الحبشة وكان مؤشره على عدم تسليمهم لقريش من قبل حاكم الحبشة كونه حاكم عادل فقد سمع الرسول عن آبائه وهم سادة قريش قصص الحكام الذين تحيط دولهم بالمجتمع المكي الذي يحكمه سادة قريش، وبعد ذلك وعند وصول الرسول الى المدينة المنورة تعرف على ديانات جديدة منها اليهودية وتعامل معهم بفقه مثالي لم يألفوه من قبل ، اما بعد سنة 8 هجرية حيث فتح الرسول الاكرم مكة المكرمة فقد بدأ بتوسيع وسائل الاتصال حيث ارسل عدة رسائل الى الدول المجاورة ومنها رسائل الدعوة للانضمام الى الدين الحنيف.

اليوم المجتمع يشهد تشرذما وضياعا فكريا وسياسيا ويختلف كثيرا عن ما سار عليه الرسول محمد (ص) سياسيا بطريقة تعامله مع الآخر وعلى مستوى جميع النواحي، ما معالجات ذلك في ضوء الرسالة المحمدية؟

يضيف الباحث السياسي محمد نعناع ان القيادة السياسية والادارة الاسلامية الحالية ابتعدت كثيرا عن المسار الحقيقي للاسلام وعن ممارسات الرسول الخاتم التي اشبعت بالرحمة والثقة والمرونة، وتحول الفكر السياسي الرشيد الذي نشره الرسول الاكرم الى فكر سياسي مشوه يسمى ظلما وخطأً بانه "فكر سياسي شرعي او اسلامي"، ومن اهم المعالجات للنسق الفكري الاسلامي هي الابتعاد عن التعنت والتزمت والتطرف والغلو عند تطبيق الفكر الرشيد للرسول الخاتم ومحاولات الاستنباط الفقهي من مصادر الشريعة السمحاء، ويبدو ان العالم الاسلامي قد ملئ بالافكار الخاطئة وانقسم المجتمع الاسلامي الى تيارات وجماعات تخطئ كل منها الاخر، وهذا ما يجب الاسراع في معالجته على المستوى الفكري اولاً لان المحرك لممارسات هذه الجماعات والتيارات هو الفكرة التي تكونت على شكل عقيدة ثابتة وهي عقيدة باطلة لا مجال لها في الدين الاسلامي ، ولذلك يجب ان تكون هناك عملية بحث عميق ودقيقة جدا لفرز الصحيح من الخاطئ من تلك الافكار والعقائد والاعتقادات، ومن هذه الافكار التي تؤثر في مجتمعنا حاليا هي طبيعة التعامل مع الاخر التي يؤسس لها القرآن بشكل ايجابي بقوله تعالى (قل تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم) وغيرها من الآيات التي تسمح بالتعايش مع الاخر في ظل مجتمع الدولة الاسلامية او في مجتمع تعددي لا تحكمه الشريعة الاسلامية، كما يحرص الاسلام كمنظومة دينية منفتحة على قبول الافكار التي تتفق مع روح الشريعة ويسمح بالاقتراح على الامام او القائد في مجالات العلوم والصناعة والزراعة والحرب وهذا ما مارسه الرسول الخاتم عمليا في اثناء قيادته للامة الاسلامية.

السياسة الاقتصادية في منهج الرسول (ص)

الباحث في الفكر الاسلامي ومسؤول قسم البرامج الدينية في فضائية العراقية محمد البخاري يقول انه لابد ان نعرف البعد الاقتصادي للدين الاسلامي كمنهج لقيادة المجتمع الانساني عموما مقارنة بالنظريات المطروحة قديما وحديثا من بينها النظرية الاشتراكية الروسية التي اندحرت والتي تلغي الخصوصية الفردية للفرد الانساني والرأسمالية التي تعطي للفرد الملكية المطلقة على حساب الاخر هاتان الرؤيتان اختلف معها النبي محمد (ص) منذ بعثته المباركة.

ويضيف البخاري ان المميز في المنظور الاقتصادي النبوي هو التعاشق ما بين النص القرآني والحديث النبوي فهونظام اخلاقي قيمي مؤسس للبنى اقتصادية قادرة على صناعة اقتصاد ينعكس ايجابيا على المجتمع واكد منهج المصطفى (ص) على القيمة الاخلاقية التي يجب ان يتمتع بها صانع الاقتصاد سواء كان على مستوى الفرد او الجمع والنقطة المثيرة التي نلمسها في المنظور الاقتصادي الاسلامي هو بساطته الخالية من التعقيد عكس نظريات لينين وماركس وغيرها تجدها معقدة تحتاج الى فهم كبير داخلة في مضامين فلسفية لا يستطيع الانسان العادي ادراكها الا اصحاب الاختصاص العالي وهنا تكمن المقارنة بين الاثنين بين القيمة الاقتصادية التي ارادها النبي (ص) في حركة الانسان وما بين هذه القيم الاشتراكية والرأسمالية المعقدة التي اثبتت فشلها.

فالاولى اندحرت والثانية القائمة على الربا في طور الاندحار والفشل حتى باتت الحضارة الامريكية المبنية على هذا الاساس مهددة بالانهيار بحسب ما يتنبأ به علماء الاقتصاد فعلى هذا الاساس الرسول محمد (ص) جاء للمجتمعات بمبدأ اقتصادي يستطيع الفرد من خلاله ان يتماسك بشرط تطبيق البعدين الروحي والاخلاقي اللذين ارادهما المنهج الاقتصادي الاسلامي القائم على مصلحة المجموع عكس المنظور الغربي الذي يؤكد مصلحة الفرد على حساب المصلحة العامة.

ومن النماذج الاقتصادية التي عمل بها الرسول حق الصدقات التي اطرت اخلاقيا فمن يعطي بالخفاء افضل من العلنوهناك الجباة والمأمونون على بيت المال وغيرها من الشبكات الاقتصادية واعطاءها للانزه والانسب حتى تكون سيرها سير منهجي وصحي خالية من الخسائر الجانبية.

الاسلام أوجد علاجا للتشرذم

يقول المفكر الاسلامي الاستاذ محمد البخاري ان من بين اسباب الضياع الاقتصادي الذي يشهده العالم الاسلامي هو عدم اعطاء القيادة الاقتصادية الصالحة لصاحبها واعطاء الحق لمن يستحق وفقا لقول الرسول (ص): من ولي على عشرة وكان فيهم من هو خير منه فقد خان الله ورسوله.

وعدم وجود مصداق حقيقي لدعوة الرسول (ص) داخل القيادات الاسلامية التي تدير الاقتصاد في المجتمع الاسلامي فالقيادات الحالية التي تتحكم بالاقتصاد اسلامية الشكل خالية المضمون لا تؤمن بالنظرية الاسلامية فاقدون للقيمة الاخلاقية التي جاء بها الرسول محمد (ص) فنرى البعض متشبث بالقيادة على الرغم من ان ذلك يؤدي الى التنازل للدول العظمى عن كثير من حقوق الشعب الاقتصادي لمصالح وملذات شخصية على حساب بيت مال المسلمين والسبب الثاني يقع على عاتق المجتمع عموما لافتقاده التثقيف الاقتصادي على الرغم من المنهجية الاسلامية في هذ المجال التي اوجبت على المجتمع قيمة تكافلية يجب ان تأخذ دورها تواصليا مع الجميع لتنعكس بشكل ايجابي على المجتمع وتسبب لطف الله سبحانه وتعالى وترفع عنه المشاكل الاقتصادية التي نجد بعضها موجودا فمثلا قانون عدم الامان وهذا له علاقة بالبعد الاقتصادي الذي جاء به الرسول محمد (ص) فقد قال :( وما من قوم فشى فيهم الرشى الا وعمهم الخوف والرعب) اذن فهناك قوانين اخلاقية تحكم جوانب الانحراف الاقتصادي داخل البيت الاسلامي لم نلتفت اليها في صناعة الواقع الاجتماعي وامعنا في مخالفة النبي (ص) فكان من الطبيعي ان يكون التشرذم الاقتصادي موجودا .


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تحقيقات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك