الإنسان وثلاثية الذكاء/ الزمن/ استثمار الفرص

رؤى من أفكار الامام الشيرازي

1757 2016-12-26

الذكاء هبة ربانية تولد مع إطلالة الإنسان على الحياة، أما الزمن فهو الشيء الأقوى في الطبيعة، حيث الجميع كائنات وجمادات تخضه له، وقد قال الإمام علي عليه السلام (وكل قوي للزمان يلين)، وعندما يحجز الإنسان مكانه في رحبة الأرض، خارجا من رحم الأم، تبدأ الثواني بالتتابع وراء بعضها، ويبدأ عمر المولود بالتناقص ابتداءً من لحظة الولادة، وهناك من تتوافر له الظروف والمعرفة، فيغتنم لحظات ودقائق وساعات عمره بصورة جيدة، فينجح في حياته، وهناك من يحدث العكس معه، وتبقى الإرادة الذاتية والتفكير والسلوك العائد للإنسان، المتحكم الأول في النتائج، ومن البديهي أن يتوقف النجاح على ثلاثية الذكاء والزمن والفرص إذا ما تم استثمارها بالوقت المناسب لاسيما أن الفرص (تمر كالسحاب فوق الرؤوس) وما على الكائن البشري سوى استخدامها قبل فوات الأوان.

وقد قيل أن عمر الإنسان لا يُقاس بعدد السنين التي يقضيها في الحياة، إنما بمقدار الإنجازات المتفرّدة التي يحققها في هذا الزمن المحصور بين لحظة الولادة ولحظة الموت، ولكن هناك سبل يمكن لها أن تضاعف من عمر الإنسان ليس من حيث عدد السنين، وإنما في مجال نسب النجاح العالية التي يحققها بمسيرته في العمل والفكر والتميّز، ومن أهم تلك السبل تفرده وذكاؤه في استغلال الفرص المتاحة له، وهناك من يذهب الى أبعد من ذلك، فيقوم بصناعة هذه الفرص بنفسه، أي بذكائه وعقله وقدراته الذاتية.

على أننا ينبغي أن نعترف بحالة إهدار الزمن التي نعاني منها بسبب تعاملنا مع سنيّ العمر بلا ذكاء ولا دقة ولا حتى احترام، نعم ليس ثمة شيء جديد في قولنا أننا لا نحترم الوقت، ولا مغالاة في قولنا أننا نعبأ بالزمن الذي ينساب من بين أصابعنا من دون أن نستغله أو نستثمره الاستثمار الأفضل، فمن الظواهر التي نلاحظها في مجتمعاتنا، أن الإنسان لدينا لا يعير الزمن ما يستحقه من اهتمام، فهو معتاد أن يسرف في تبذيره بأغلى شيء يمكن أن يمتلكه في رحلة الحياة ونعني به الوقت، من المؤسف حقا أن الناس لدينا لا يفهمون بأن الزمن الذي يضيع منهم بلا انتاج هو زمن مهدور أو مقتول أو مُضيَّع بلا سبب، مع أن البشر في هذه الحياة مرهون بالدقائق والساعات التي تمر من عمره، وما عليه سوى استغلالها بأحسن طريقة ممكنة تعود عليه وعلى ذويه ومجتمعه بأفضل وأنسب النتائج.

في هذا المجال نقرأ للإمام الراحل، آية الله العظمي السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيم الموسوم بـ (اقتناص الفرص): (أن الإنسان في هذه الدنيا مرهون بساعات عمره من جهة، ومرهون بالزمن المحيط به من جهة أخرى، فلكل منهما قيمة لا تقدر بشيء؛ لأن الإنسان إنما يقيَّم بعمله).

العمر يُقاس بالإنجاز المتميز

أي أن الكائن البشري يمتلك عمرين، الأول هو العمر الطبيعي المعدود بالسنوات والشهور والأيام التي تمر من عمره، أما العمر الثاني وهو الأهم بحسب أهل الشأن، فهو (عمر الإنجاز)، ويُقصَد به ما ينجزه الإنسان من نتائج ومنجزات متميزة في حياته سواء في العلوم أو التجارة أو الإبداع أو الفكر أو في المهن التي يمتهنها، فالمهم هو ما يحققه الإنسان خلال سنوات عمره، وليس قصر أو طول سنواته في هذه الدنيا، لذلك كل ساعة تمر من عمر الإنسان تُحسَب عليه، حتى لو لم ينجز فيها شيئا ذا بال، لذلك يُنصح بأهمية استغلال الزمن لحظة بلحظة في الإنجاز المتميز.

وهنا يفسر الإمام الشيرازي هذا الأمر بقوله: (لا يحسب المرء أن لحظات عمره إنما تذهب اعتباطاً وبدون حساب، بل إنها تُسجل عليه، ويسجل كل ما يعمل فيها من عمل، خير أو شر، فهي محسوبة عليه وهو محاسب عليها بالنهاية، ولذا ينبغي لـه اغتنامها لحظة لحظة وجزءً جزءً، ولا يحسب أن عمره سيطول، فيؤجل عمله إلى الغد وبعد الغد).

هذا الموضوع يمثل شبه ظاهرة في مجتمعاتنا أو أنه ظاهرة، فالزمن لدينا غير مهم، وكثير من الأيام والشهور والسنوات تسقط من عمر الإنسان لدينا دون أن ينجز فيها شيئا يُذكَر، لذلك لابد من تثقيف الناس في مجتمعاتنا في مراحل العمر الأولى، على أهمية الوقت في حياة الناس، بالتوازي مع الاهتمام بالفرص التي تتاح لهم، وعدم تأجيل اغتنامها لأي سبب كان، لان الفرص لا تأتي دائما، وعندما تمر من فوق الرؤوس قد لا تعود مرة أخرى، ويُقال أن الفرص العظيمة نادرة وقد تمر من دون أن يدركها الإنسان إذا كان من النوع الذي لا يحترم الزمن، على أننا نقصد بتلك الفرص هي التي تصبّ وتتركز في إطار العمل الصالح.

هنا أيضا يشير الإمام الشيرازي الى ذلك بقوله: (لكي يحافظ الإنسان على فرصة عمره يلزم عليه أن يستثمر ساعات العمر، ولحظات الزمن بالعمل الصالح؛ إذ بواسطته سوف يطول عمر الإنسان).

قيمة الزمن وأهمية اللحظة

من المؤسف حقا أن الإنسان لدينا لا يعرف قيمة الزمن وأهمية اللحظة التي تمر من عمره، وربما يتكاسل بعضهم عن فهم الأهمية القصوى لكل لحظة تسقط من سجل أعمارنا، فهناك أناس يشقون ويتعذبون كثيرا في حياتهم، والسبب أنهم لا يتعاملون بالطرق الصحيحة مع الزمن والفرص معا، أي أنهم يهدرون الزمن ولا يتعاملون معه بذكاء، ولا يخطر في بالهم الاستثمار الجيد له، وبهذا لا يتعاملون بصورة صحيحة مع هذه الثلاثية التي تعد من أهم أركان التقدم البشري.

وثمة مشكلة يعاني منها الإنسان في مجتمعاتنا، وهي عدم تقديره لأهمية اللحظات التي تسقط من عمره دون أن يستغلها كما ينبغي، وهو لا يعرف أن هذه اللحظة اذا مرّت، فإنها لن تعود مرة أخرى الى الأبد، فيخسرها من رصيد عمره دون مقابل أو منجز يُشار له بالبنان، ومتى ما أدرك الإنسان هذه الخسارة سوف يكون بإمكانه التعامل بحرص مع لحظات العمر التي تنساب من بين أصابع الإنسان وقد لا يعي ذلك أو لا يتنبّه للأمر، إلا من يتعامل وفق ثلاثية الذكاء/ الزمن/ استثمار الفرص.

كما يؤكد ذلك الإمام الشيرازي فيما يقول: إن (الفُرَص هي عبارة عن أوقات زمانية رائعة، لما تحمل في طيّاتها من خير للإنسان، ولكن على الإنسان أولاً: أن يدرك أن هذه اللحظات هي الفرصة التي لا تعود).

ومن المشكلات التي نعاني منها أيضا العجز والتكاسل عن المبادرة في استثمار الزمن، وقطف الفرصة المتاحة لنا بقليل من الجهد والسعي، كأن البشر لدينا يريد كل شيء له من دون مقابل، وهذا لن يحدث لأن الإنجاز المتميز لا يمكن أن يتم من دون سعي وإقدام.

إذ يقول الإمام الشيرازي: (البعض من الناس عندما تتهيأ لـه الأسباب الجيدة، أو مقدمات النجاح، تراه يعرض عن استثمارها، بل أحياناً تأتي الفرصة جاهزة فيأتيه الخير كله، وما يبقى عليه إلا أن يمد يده نحوه ليأخذه، ومع ذلك يتوانى ويفرّط ويترك الأمر).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (الإمام الشيرازي)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك