بنو القاسم .. الدولة الشيعية الثانية في الأندلس ترفع لواء أهل البيت

3197 2016-04-25

مهّد الفساد المستشري في الدولة الأموية في الأندلس والجور والظلم الذي رافق سياستها إلى إقامة دولة بني حمود الشيعية التي أزالتها وقضت على حكم الأمويين في الأندلس نهائياً، فكان من أبرز الأهداف التي تحققت بإقامة هذه الدولة هدفان هما: أولاً: القضاء التام على الأمويين الذين عاثوا فساداً في البلاد، وتخليص الناس من شرهم، والحد من إراقتهم للدماء، بعد أن حفل تاريخ الإشبيليين والقرطبيين في العهد الأموي بالكثير من الثورات ضد السلطة الأموية الظالمة، لكن تلك الثورات كانت تقمع بشدة وقسوة، وقد وصف المؤرخون بعض تلك الثورات والحروب الداخلية بأنها: (تشيب لهولها الولدان مثل واقعة الربض).

أما الهدف الثاني الذي تحقق في دولة بني حمود، فتجلّى في الدعوة إلى دولة علوية تدعو إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ونشر الفكر الشيعي في تلك البلاد البعيدة، وقد نجح بنوا حمود في تحقيق هذين الهدفين إلى حد بعيد، فقد حفلت الأندلس في عهدهم بمظاهر التشيّع وانتشاره في مالقة عاصمتهم والمدن التي كانت تحت نفوذهم وهي: الجزيرة الخضراء وقرطبة وإشبيلية وغرناطة والمرية وفرمونة ورندة، إضافة إلى مدينتي طنجة وسبتة في المغرب العربي التين كانتا تحت نفوذهم أيضاً، واللتين سبق التشيّع فيهما باقي مدن الأندلس، حيث يرجع فيها إلى عهد أجدادهم الأدارسة الذين نشروا الإسلام فيها، وقد خُطب لهم في كل تلك البلاد، والجدير بالذكر أن التشيع انتشر في كل هذه البلاد رغم أنهم أي بني حمود (لم يغيّروا على الناس مذهبهم)، كما يقول ابن الأثير في (الكامل) وعبد الواحد المراكشي في (المعجب في ملخص أخبار المغرب).

التحول الجذري السياسي

ومن ذلك نتبين الجو الذي ساد تلك البلاد بوصول آل حمود إلى حكم الأندلس وتحقيق آمال الناس فيهم بعد إزالة ظلم بني أمية، ويصف ابن بسّام في الذخيرة سياسة علي بن حمود الملقب بالناصر لدين الله أول ملوك الحموديين بقوله: (أخذ الحكم بقوة، وساس الناس بالعدل، حتى نقلت في ذلك الأخبار العجيبة، ووجد الناس في كنفه الأمن والطمأنينة)، ويقول ابن حيان: (وكان يجلس - علي بن حمود - بنفسه لمظالم الناس وهو مفتوح الباب، مرفوع الحجاب للوارد والصادر، يقيم الحدود مباشرةً بنفسه، لا يحاشي أحداً من أكابر قومه، فانتشر أهل قرطبة في الأرض ذات الطول والعرض، وسلكت السبل، ورخا السعر فـفُتن به أهل قرطبة وأحبوه).

كما نستطيع أن نستشف ذلك الجو الآمن المفعم بالرخاء من قول الشاعر أحمد بن عبد المالك بن شهيد المعروف بـ (ابن شهيد) المتوفي سنة (426هـ) حيث يقول:

عليكم بداري فاهدموها دعائما *** ففي الأرض بناؤون لي ودعائم

إذا هشمت حقي أمية عندها *** فهاتا على ظهر المحجة هاشم

ونلاحظ من مضمون هذين البيتين التفاوت الكبير في طبيعة السياستين الأموية والحمودية، والتحول الجذري التي تحولت إليه الأندلس من ظلم بني أمية إلى عدل بني حمود.

خلط وتصحيح

وهكذا سار باقي ملوك بني حمود بسيرة العدل التي كان يرجوها الناس منهم، فكان حكمهم سجلاً مشرقاً ومشرّفاً في تاريخ الأندلس، وقد حكم من بني حمود (12) ملكاً، ودامت مدة حكمهم (52) سنة بين سنتي (407 - 459هـ)، وهنا أحب أن أنوّه إلى خطأ غير مقصود في تحديد مدة حكم بني حمود وقع في موضوعي السابق (دولة بني حمود امتداد لدولة الأدارسة) فقد ذكرتُ فيه أن مدة حكمهم كانت (47) سنة بين سنتي (407 - 450)، والذنب ليس ذنبي فمثل هذه الأخطاء تقع كثيراً بسبب الكثير من المؤرخين الذين لم يراعوا الدقة والضبط في تحديد التواريخ، فقد تتبعت أكثر من مصدر تاريخي لكي أدوّن بالتحديد مدة حكمهم فوجدت أن المصادر التي بين يدي كلها تشير إلى أن زوال حكمهم كان في (منتصف القرن الخامس)، فخمّنت تحديداً لذلك سنة (450هـ)، وأظن أن أي متتبع سيحدد هذا التاريخ وفق ما جاء في تلك المصادر، ثم وجدت تاريخاً دقيقاً لنهاية هذه الدولة في إعلام الأعلام للسان الدين بن الخطيب وهو (459هـ)، ولكن رغم أن لسان الدين بن الخطيب يتفق مع باقي المصادر في تاريخ بداية قيام هذه الدولة وهو سنة (407هـ) ثم يحدد تاريخ نهايتها وهو سنة (459)، وهذا يعني أن مدة حكم بني حمود هي (52) سنة، إلّا أن ابن الخطيب يعد تلك المدة بـ (58) سنة ولعله أخطأ أيضاً.

كما كان هناك خلطاً وتشابكاً في تواريخ دولتي بني حمود في الأندلس، ولعل سبب ذلك الخلط في التواريخ راجع إلى قيام دولة أخرى لبني حمود مباشرة في الأندلس وتحديداً في صقلية، وهي دولة بني القاسم، وقد ساعد على هذا الخلط تكرر الأسماء بين حكام الدولتين كثيراً، فقد أولع بنوا حمود وبنوا القاسم بأسماء تكررت كثيراً في فروع أسرهم مثل: علي والقاسم ومحمد ويحيى وحمود، وبما أن المؤرخين لم يراعوا الدقة في تلك التواريخ كما لم يراعوا ذكر الاسم كاملاً ونسبته إلى حمود فقد جاء الخلط من هنا، ومهما يكن السبب فقد حكم بنوا حمود جزءً كبيراً من الأندلس لمدة تزيد على نصف قرن.

المؤرخون وإخفاء مظاهر التشيّع

وتجدر هنا الإشارة إلى موضوع في غاية الأهمية في تاريخ دولة بني حمود وبني القاسم الشيعيتين، وهو أنه رغم كل الدلائل والحقائق التاريخية التي رافقت أحداث هاتين الدولتين قد أشارت وبقوة إلى مظاهر التشيع التي انتشرت في عهدهم، وظهور العلماء والأدباء والشعراء الشيعة حتى قال ابن خلدون في موسوعته (العبر): (إن التشيّع الموروث لأولاد إدريس خلد هذه الدولة إلى الأبد في نفوس المغاربة والبربر عامة، فلم تجب دولتهم ولا زال أمرها بل سرعان ما انتقلت إلى الأندلس لتزيل دولة بني أمية وتخلفها)، إلا أن كل من كتب عنهم من المحدثين والمعاصرين حاول جهد الإمكان أن يطمس تلك المظاهر والمعالم من هاتين الدولتين وسنستعرض هذا الأمر في موضوع خاص.

نهاية دولة بني حمود

حفل تاريخ الأندلس بشكل عام في منتصف القرن الخامس الهجري بكثرة الفتن والحروب الداخلية بين دول الطوائف في الأندلس، حتى كانت حروب هذه الدول فيما بينها أعنف وأشد ضراوة من حروبها مع خصومهم الفرنجة والأسبانيين الواقفين لهم بالمرصاد، بل كان بعضهم لا يحجم على التحالف مع هؤلاء ضد أبناء جلدته، وهكذا طغت الأنانية وتغلبت الأحقاد الجاهلية في بني عباد لينقضوا على دولة بني حمود ويكتبوا نهايتها على أيديهم ويقتلوا آخر ملوكهم محمد الأصغر الملقب بـ (المستعلي بالله) بن إدريس بن علي بن حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس الثاني بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وكان بنو عباد قد قتلوا قبلها الملك الثاني في دولة بني حمود يحيى بن علي بن حمود، وقد اتسمت سياستهم بالهمجية والقسوة وشابهت سياسة الأمويين، كما عُرفت أعمالهم بـ (انتهاك المحارم في بني عباد وتحللّهم من القيود الشرعية)، كما يقول ابن بسّام في الذخيرة، ولكن الأمر لم يطل بدول الطوائف حتى خضعت الأندلس لدول بربرية ناشئة كدول المرابطين والموحدين والمرينيين ثم اكتسحها الافرنج، وهكذا عاش جزء كبير من الأندلس إحدى فترات تاريخه من مطلع القرن الخامس الهجري وحتى منتصفه تحت ظل حكم أهل البيت وتحت راية التشيع يتبادل الحكم فيه الأبناء والأخوة وأبناء الأعمام من بني حمود طيلة اثنين وخمسين عاماً، وهم ينشرون العدل والأمان والرخاء.

أين ذهب بنو حمود؟

ويتبادر هنا السؤال: أين ذهب بنو حمود بعد زوال ملكهم في مالقة على يد بني عباد؟، وهل استطاعوا لم شملهم مرة أخرى وإقامة دولة ثانية لهم في الأندلس؟، رغم الضباب الذي كان يسود الجو السياسي في الأندلس، وكثرة الفتن والحروب والانقلابات، ونشوء الدويلات والإمارات، وتعاقب الحكم بينها، ومن ثم انقراضها ونسيانها، إذ لم يكن أحد يأبه لأسرة هذه الدولة أو تلك بعد سقوطها لتعاقب الحكم عليها كثيراً، إلّا أن لبني حمود خاصية وهي انتسابهم إلى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وخاصة في تلك البلاد النائية عن بلاد المسلمين في المشرق، كما أن سياستهم التي اتسمت بالعدل وحسن السيرة قد حببت الناس إليهم، وعكست صورة سياسة أجدادهم، فلا يزال أهل المغرب الذين انتقلوا إلى تلك البلاد بعد زوال الدولة الإدريسية يدينون بالفضل لأجدادهم الأدارسة الذين نشروا الإسلام في بلادهم، وكانت هدايتهم إلى الإسلام على أيديهم، ثم أن بني حمود قد أصبح لهم شهرة في بلاد الأندلس كأسرة علوية حكمت جزءً كبيراً من هذه البلاد لأكثر من نصف قرن على مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهي الأسرة الوحيد من بين الأسر التي حكمت في الأندلس لها هذه الخاصية بكونها من سلالة الرسول ومن بيت علوي شريف، وقد شاءت الأقدار أن ينتقلوا من بلادهم إلى هذه البلاد النائية، وتتقلب بهم الأحوال من حال إلى حال، فمن الطبيعي أن يكونوا محط أنظار الناس وموضع إجلالهم، إذن فلنتتبع أثرهم في المصادر التاريخية بعد عام (459هـ).

ابن جبير الرحالة يلتقي بآل حمود

أول الخيوط التي تدلنا على أحوال أسرة آل حمود في الأندلس بعد سقوط دولتهم الأولى في مالقة نجدها عند الرحالة محمد بن جبير الكناني الأندلسي، الذي كان من حسن حظ التاريخ أن يمر بصقلية في رمضان سنة (580هـ) ويدوّن لنا ما رآه فيها، ويصف أحوال المسلمين بمختلف شرائحهم، ثم يأتي على عنصر المفاجأة في وصفه بقوله: (ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة ـ أطرابنش ـ زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين، وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود المعروف بـ (ابن الحجر)، وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابراً عن كابر، وقررّ لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح، مريد للخير، محب في أهله، كثير الصنائع الأخروية، من افتكاك الأسرى، وبث الصدقات في الغرباء والمنقطعين من الحجاج، إلى مآثر جمة ومناقب كريمة فارتجت هذه المدينة لوصوله).

هذا التعريف بذلك السيد الذي أسماه ابن جبير بـ (أبي القاسم بن حمود) والذي توارث السيادة كابراً عن كابر، وتعديد مآثره وعدله وخيره ومناقبه، يخبرنا أن أسرة آل حمود لا يزال ذلك السلطان الروحي لها نابضاً وحياً في نفوس الأندلسيين، وقد لقي ابن جبير من هذا السيد الكريم حفاوة بالغة وكبيرة، وضيافة كريمة، كما جاء في وصفه في رحلته عن تلك الجزيرة، ولقائه بهذا السيد الكريم حيث يقول: (واستمال نفوسنا بشرف منزعه، وخصوصية شمائله، ورزانة حصاته، وشمول مبرته وتكرمته، وحسن خلقه وخليقته)، ثم يصف ما رآه بعينه من الأفعال الحسنة الجليلة لهذا السيد بقوله: (وكانت له أيام مقامه هنا أفعال جميلة مع فقراء الحجاج وصعاليكهم، أصلحت أحوالهم، ويسرت لهم الكراء والزاد، والله ينفعه بها ويجازيه الجزاء الأوفى عليها بمنه).

ونكتفي بهذا القدر من كلام ابن جبير الذي يعطي صورة كاملة عن شخصية أبي القاسم ولسنا هنا بحاجة للقول إن هذا السيد الذي كناه ابن جبير بأبي القاسم بن حمود هو من سلالة بني حمود، فإن ذلك واضح من خلال نسبه وصفاته وشمائله، ولكن السؤال هو: أن هذا الوصف لابن جبير ولقائه بأبي القاسم كان في عام (580هـ) كما هو مدوّن في رحلته أي بعد (121) سنة من سقوط دولة بني حمود الذي كان عام (459هـ)، كما أشارت إلى ذلك المصادر، فأين ذهب بنوا حمود طوال هذه السنين؟ وإلى أي فرع ينتسب أبو القاسم هذا من فروعهم؟.

دولة أبي القاسم بن حمود

يؤكد الدكتور حسين مؤنس في بحث له عن حول تاريخ الأدارسة عن قيام هذه الدولة ـ بنوا أبي القاسم ـ ويجد جذوراً لهذا البيت الثاني لبني حمود في المصادر الافرنجية حيث يقول: (ولكننا إذا درسنا تاريخ الإسلام في صقلية خلال حقبته الأخيرة عثرنا على شعاع من الضوء ينير لنا جوانب هذه المشكلة بعض الشيء، بل يضع يدنا على حقيقة هامة جديرة بعناية المهتمين بتاريخ الأدارسة، وهي وجود بيت إدريسي علوي فيها كان له سلطان كبير ودور واسع في تاريخها حتى النصف الثاني للقرن الخامس الهجري إلى أواخر القرن السادس).

ومن الملاحظ عند مقارنة هذا القول مع قول الرحالة ابن جبير هو التوافق في القولين حيث يذكر ابن جبير إن السيد أبي القاسم الذي التقاه توارث السيادة كابراً عن كابر، كما يلاحظ من كلام الدكتور مؤنس (من النصف الثاني للقرن الخامس الهجري) أن بني حمود قد أقاموا دولة ثانية بعد زوال دولتهم الأولى مباشرة، ويسترسل الدكتور مؤنس في حديثه عن أخبار هذا البيت فيقول: (ذلك أننا نلاحظ في أخبار غزو النرمان لصقلية وجود بيت من سروات المسلمين وقادتهم، يعرف ببيت حمود كان ينشر سلطانه على أجرجنت وقصريانه، وما حولهما من بلاد وسط الجزيرة خلال الفترة التي تقدمت فيها جيوش رجار الأول لانتزاعها من أيدي المسلمين ابتداء من سنة (435هـ) وما بعدها).

أسرة أبي القاسم في المراجع الأجنبية

ثم يستشهد الدكتور مؤنس على قوله بما جاء في المصادر الأجنبية فينقل قول المؤرخ والمستشرق الإيطالي المتخصص بتاريخ صقلية ميكيلي أماري فيقول: (وذكر أماري أن أولئك الحموديون أدارسة علويون، وأنهم من نفس بيت حمود المغاربة الأندلسيين الذين ينتسب إليهم الشريف الإدريسي، وإن ذكرهم متوارد في النصوص اللاتينية والإيطالية من ذلك الحين إلى أيام فردريك الثاني إمبراطور الدولة التيوتونية المعروف ببارباروسا أي ذي اللحية الحمراء، فهم يسمون بآل شموت أو حمود، وأضاف ماري إن البيت الذي أسس هذه الأسرة لا بد أن يكون قد وفد إلى صقلية بعد زوال أمر البيت الحمودي في الأندلس والمغرب).

أما عن بداية قيام هذه الدولة بنو القاسم وكيفية نشأتها وتكوينها فيقول الدكتور مؤنس: (والحقيقة إن كتابة هذا التاريخ -أي تاريخ بني حمود- والقيام بحقه عسيرة كل العسر فإن المعلومات عن دولة الأدارسة قليلة لا تزيد عن صفحات عند أبي عبيد البكري، وابن الأثير، وابن خلدون، وابن عذارى، وصاحب روض القرطاس، والغويري، وابن حمادة، وهذا النزر اليسير من المعلومات بعد ذلك متناقض متعارض سطحي، يصعب معه الوصول إلى الحقائق والأصول التي يطلبها من يقوم على كتابة التاريخ بحقه، ولا يكتفي بظواهر الأحداث وبسائط الوقائع).

وقفة مع البكري وابن حزم

وبدورنا نستطيع أن نسأل الدكتور مؤنس: أنت دكتور وباحث ومؤرخ عربي لك مكانتك العلمية المعروفة، وفي بحثك هذا تدرس تاريخ بيت عربي مسلم علوي كان له دور كبير في الحياة السياسية والاجتماعية في الأندلس، فلماذا استعنت بدراستك بالمصادر الأجنبية ولم تجد ضالتك في المصادر العربية؟، أنا لا أسأل هنا من منطلق قومي بقدر استفساري عن الحقيقة التي لم تحب أن تبيّنها يا دكتور، فمن المؤكد أنها لم تكن تُخفى عليك، وهي تتجلّى في النتف القليلة التي ذكرها المؤرخون والتي لا تغني من جوع عن بني حمود وهم يتميّزون من الغيظ، حيث تكاد تحس بهذا الحقد بين السطور، ولولا أن التاريخ أملى عليهم أن يسدوا ثغرات السنين بالدول والحكام لكانوا محوا دولتي بني حمود وبني القاسم من تاريخ الأندلس والتاريخ أصلاً!.

فلم يجدوا أشد عليهم ولا أبغض من ذكر دولة ترفع لواء التشيع في ربوع الأندلس، ولا أناس ينتمون لأهل البيت(عليهم السلام)، وحينما يضطرهم التسلسل التاريخي إلى ذكرهم، يحاولون جهد الإمكان التقليل من شأنهم كما نرى في وصف أبو عبيد الله البكري في المسالك والممالك في حوادث سنة (460هـ) ـ والذي نقل قوله الدكتور مؤنس ولم يُعلق عليه أي بعد سقوط مالقة حيث يقول عن بني حمود:

(وفي هذه الظروف لم يعد للباقين من بني إدريس أمل في السلطان، فانزوى من استطاع الانزواء منهم في ناحيته، وفر من فر، فيما عدا ولد من أولاد إدريس بن علي بن حمود كان يعيش خاملاً، بمدينة المرية بالأندلس عندما استدعاه جماعة بني ورتدي إلى مليلة ونواحيها، فعبر البحر إليهم، وظل على سلطانهم بينهم بضع سنوات)!!!

لاحظ قوله (فيما عدا ولد) ولم يقل رجل للتقليل من شأنه ثم لاحظ التناقض الفظيع بين قوله: (كان يعيش خاملاً) وبين قوله: (استدعاه جماعة.. وظل على سلطانهم)، فكيف يستدعي جماعة هم بالتأكيد أهل الحل والعقد في المدينة وإلّا لما كان لهم الإختيار كيف يختارون رجلاً خاملاً ليملّكوه عليهم ويجعلون أمورهم ومقدراتهم بيده؟.

نترك التعليق للقارئ وليقارن بين هذا القول ووصف ابن جبير الذي ذكرناه في أبي القاسم بن حمود ولا ينسى القارئ أن وصف ابن جبير كان بمرأى منه وليس نقلاً.

ولم ينفرد البكري في بغضه لآل البيت ووصفهم بتلك الأوصاف، فهذا ابن حزم الأندلسي يشاركه في هذا البغض حيث يقول في الجمهرة عن بني حمود بعد الاضطرابات الكبرى في الأندلس: (وبقي من بقي منهم شريداً طريداً في غمار العامة) !!!!!.

ولكن ابن حزم ينقض قوله هذا ويخضع للحقيقة مرغماً وأخضعته الحقيقة التاريخية إلى الاعتراف بمكانة آل حمود الجليلة ومنزلتهم الكبيرة ودورهم العظيم في بناء الحضارة الأندلسية والإسلامية، فبعد أن يذكر قوله الأول يأتي على ذكر عدد من بني حمود قال عنهم:

(ممن طلبوا العلم، وظهر أمرهم فيه مثل: محمد قاضي القيروان، ولدينا أبعد من ذلك الشريف الإدريسي وهو واضح النسبة إلى بيت إدريس من فرع الحموديين، ومع أننا لا نعرف من نسبته إلا أباه وجداً واحداً من أجداده، فهو محمد بن محمد بن إدريس، إلا أن نسبه الإدريسي الحمودي لا يمكن إنكاره، فقد كان معروفاً على أيامه، ولم تقتصر شهرته به على بلاد المسلمين، بل عرفه به رجار الثاني صاحب صقلية الذي ألف له الشريف الإدريسي كتاب (نزهة المشتاق)) هذا كلام ابن حزم نفسه !!.

ونحن لا نعتب على البكري وابن حزم فليس هذا بغريب عليهما، ولكننا نعتب على الدكتور مؤنس وهو يتصدى لمثل هذه الدراسة المهمة دون أن يتصدى للرد على هذه الأقوال الزائفة، وللدكتور مؤنس الكثير مثلها فقد نفى التشيّع عن ابن الأبار الشيعي الصريح عندما درس كتابه (الحلة السيراء) فرآه منصفاً، فقال عنه: إنه ليس بشيعي لأن الشيعي في رأي الدكتور ليس منصفاً !!.

كما أنه في كل بحثه عن دولة الأدارسة لم يتحدث عن مظهر واحد من مظاهر التشيع الكثيرة في هاتين الدولتين، والآثار العلمية والفكرية والأدبية للشيعة فيهما، وسنتطرق إلى ذلك في موضوع خاص.

أبو القاسم حاكم صقلية

نعتذر على الإطالة ونعود إلى موضوعنا دولة بني القاسم يذكر ابن الأثير: (إن أجرجنت وقصريانه كانتا منذ سنة (427هـ) في طاعة القائد علي بن نعمة المعروف بـ (ابن الحواس)، وقد قتل ابن الحواس سنة (453هـ) فصارتا إلى أيوب بن تميم بن المعز الزيري، ولم يستطع أيوب وأخوه البقاء في الجزيرة فعادا إلى أفريقية سنة (461هـ)، وبقيت الناحية دون رئيس حتى نسمع بذكر أبي القاسم بن حمود عند استيلاء رجار الأول على قصريانه وأجرجنت بعد ذلك بثماني عشرة سنة).

وأبو القاسم هذا هو ابن علي من أبناء حمود ويلقب بـ (ابن الحجر) ولم تذكر المصادر نسبه كاملاً، وقد وصل صقلية بعد زوال دولة بني حمود في مالقة، وقد تولى الحكم في صقلية في جو سادت فيه الفتن والاضطرابات، وداهمت الأخطار بلاد الأندلس، ففي الوقت الذي كانت الفتن والحروب الداخلية تنهش في البلاد، كانت جيوش النورمان تكتسح البلاد وتتقدم شيئاً فشيئاً، وهو ما جعل ملك صقلية يغادرها مع أخيه كما ذكر ابن الأثير، في ذلك الجو المضطرب حكم أبو القاسم صقلية، فكان عليه أن يواجه تلك الأخطار التي تحدق بمملكته، وقد نجح إلى حد بعيد في درء الأخطار، وكان له الفضل الكبير في عكس الصورة الحقيقية للإسلام في الأندلس، والتي تركت أثرها في نفوس الافرنج.

ومن أهم ما حققته هذه الدولة من إنجازات على الصعيد العلمي هو ولادة أعظم عالم وجغرافي عرفه التاريخ وهو الشريف الإدريسي الذي ينتمي إلى هذه الأسرة، والذي رسم أول خريطة للعالم في التاريخ، وأظن أننا قد سبقنا السؤال بالجواب في سبب قبول أبي القاسم تسنّم العرش في صقلية في ذلك الجو الخطر الذي جعل حاكمها يتركها ويهرب، فبنوا حمود كانوا على جانب كبير من الحكمة والشجاعة لدرء الأخطار، والتصرف بمنهج العلم والدراية، يقول الدكتور مؤنس: (وكانت في الحموديين جرأة على المخاطر يعرفها من يلم بتاريخهم أثناء الفتنة الكبرى في الأندلس)، ورغم أن المصادر لم تذكر شيئا ـ كعادتها ـ عن سياسة أبي القاسم في الحكم، أو أخباره مع باقي الدول، إلّا أننا نجد من خلال المصادر مدى جلالة شخصيته ومهابته التي تجلّت في الاحترام والإجلال الذي كان يُبدى له حتى من قبل خصومه.

عقد الصلح وحقن الدماء

هاجمت جيوش راجار (قطانية) التي كان يحكمها ابن عباد، ودارت بينهما معارك ضارية ورغم كثرة النورمان وعلم ابن عباد أنه لن يصمد أمامهم، إلّا أنه بقي يقاتل ويدفع بالجيش إلى القتال فسقط الكثير من القتلى حتى قُتل، ودخل راجار قطانية عام (484هـ) على أشلاء القتلى، وفي نفس السنة حاصر راجار أجرجنت وقصريانه التي كان يحكمهما أبو القاسم، يقول ابن الأثير: (لم يثبت بين أيديهم ـ أي أمام النورمان ـ غير قصريانة وأجرجنت فحصرهما الفرنج، ولم يبق عندهم شيئاً يأكلونه، فأما أهل أجرجنت فسلموها إلى الفرنج، وبقيت بعدها قصريانه بثلاث سنين، فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا إلى التسليم، فتسلمها الفرنج وملك رجار جميع الجزيرة).

وهكذا فقد اضطر أبو القاسم إلى التسليم وعقد الصلح مع راجار بعد أن وجد أن لا طائل من القتال سوى إراقة الدماء، وإزهاق الأرواح وبلا جدوى، فما تفعل تلك المدينة أمام جيوش النورمان ؟ فكان أبو القاسم يوازن بين النتائج والمعطيات فآثر الصلح على القتال بعد أن استنفد كل وسائل الدفاع، ولم يسلّم المدينة حتى وجد أن لا مناص من ذلك، وإن المدينة ستفنى لو عرّضها للقتال، فوجد أن الحفاظ على أرواح الناس وذراريهم هو الأجدر، فلقيت هذه الشجاعة الممزوجة بالحكمة والشهامة أثراً كبيراً في نفس راجار والنورمان، وقدّر له هذه التضحية والإنسانية، وجعلها في محل اعتبار عنده.

أسوة حسنة وشتان ما بين الخصمين

وزاد من عظم شأن القاسم عند راجار وسمو منزلته أن القاسم شرط عليه أن يبقى هو ومن معه على دينه الإسلام، وضمان حقوق من معه من المسلمين في مقابل تسليم المدينة، فقبل راجار ذلك، فكان لتصرفه هذا أبلغ الأثر في تعظيمه وإجلاله من قبل راجار، عندما رأى تمسّك أبي القاسم بدينه وحرصه على أهل مدينته، فوافق على ذلك، وكافأ القاسم بأن أثبته على حكم أجرجنت وقصريانه بعد أن وجده يتمتع بمؤهلات السيادة.

وبقي أبو القاسم حاكماً على أجرجنت وقصريانه فكان الناس فيها يتمتعون بحريتهم الدينية بفضله، وهكذا كان له أسوة حسنة بجده الإمام الحسن(عليه السلام) عندما عقد الصلح مع معاوية، ولكن شتان ما بين الخصمين، فالفرق الكبير يتجلى بوضوح، فقد كان راجار أشرف بكثير من معاوية وأوفى للعهد منه، في حين نرى معاوية قد نقض جميع بنود العهد مع الإمام الحسن (عليه السلام) وغدر به وقتله، ولم يتعرض راجار إلى هاتين المدينتين بأي سوء، وقد بقي القاسم حاكماً عليهما تحت سلطان النورمان، فكان له دور كبير وفاعل في إدارة شؤونها وعاش الناس تحت ظل حكم القاسم وفضله أحراراً في قصريانه وأجرجنت في دينهم وأنفسهم ودرء عنهم الخطر وجنبهم إراقة الدماء.

حكمة راجار

وتجلّت في هذا التصرف الحكمة من الفريقين، فقد كان راجار يحاول كسب ود المسلمين بعد أن تخلت عنه البابوية التي كانت الصفة الشرعية الوحيدة لديه لانتزاع أجرجنت وقصريانه من المسلمين، في حين كان التيوتون يرون أنهم أحق بهاتين المدينتين منه، لكن أذن البابا لرجار كان كفيلاً بسكوتهم، ثم أدّى اختلاف راجار مع البابا إلى سحب تلك الشرعية وإحداث فجوة بينهما، فاقتضت سياسة النورمان أن يتعاملوا بدبلوماسية أكثر مع المسلمين لكي يقفوا إلى جانبهم، فبقي أبو القاسم ليس سيدا على أجرجنت وقصريانه فقط، بل سيداً من سادات البلاط النرماني مهاباً ومحترماً من قبل راجار.

ولم تكن أسرة أبي القاسم الأسرة العربية المسلمة الوحيدة التي تعيش تحت النفوذ النرماني، فهناك أسرة بني التمنة في صقلية وأسر أخرى كثيرة في المهدية وبونة وقابس وطرابلس، التي كانت تخضع للنفوذ النورماني.

محمد بن أبي القاسم

وتذكر المصادر أن راجار كان ملكاً عادلاً يهتم بأمور الشعب والدولة، وبعد وفاة القاسم تولّى الحكم بعده ابنه محمد بن القاسم بن حمود، وفي عهده برز الشريف الإدريسي كعالم كبير، فاستدعاه راجار الثاني الذي حكم بعد أبيه راجار الأول إلى البلاط، وكان راجار هذا شغوفاً بالعلم محباً للعلماء، ويروي لنا الصفدي في (الوافي بالوفيات) مدى إجلال راجار للإدريسي وتعظيمه وتكريمه حيث يقول:

(إن راجار رتّب له كفاية لا تكون إلّا للملوك، وكان يجيء إليه راكب بغلة، فإذا صار عنده تنحى له عن مجلسه، فيأتي فيجلسان معا)، كما سار بسياسة أبيه وأبدى لبني أبي القاسم احتراماً وإجلالاً فاق أبيه فيهما، أما محمد بن أبي القاسم فقد توسع نفوذه، وكانت له كلمة عليا في البلاط النورماني، وزخر عهده بالعلم والتأليف، وقد صنف له فقيه صقلية محمد بن أبي محمد بن ظفر المعروف بـ (ابن ظفر) كتاب: (سلوان المطاع في عدوان الأتباع)، كما زخر بلاطه بالشعراء.

أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم

وبعد وفاة محمد بن أبي القاسم خلفه في الحكم أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الذي التقاه الرحالة ابن جبير ووصفه ـ كما أسلفنا ـ، وكان كأبيه وجده من عظيم المنزلة وعلو الشأن لدى المسلمين والنصارى معاً، وننقل فقرة من وصف ابن جبير لأبي القاسم دلّت على مدى إجلال النصارى له حيث يقول:

(ومن عظم هذا الرجل الحمودي المذكور في نفوس النصارى، أنهم يزعمون أنه لو تنصر لما بقي في الجزيرة مسلم إلا وفعل فعله اتباعاً له واقتداءً به، تكفل الله بعصمته جميعهم ونجاهم مما هم فيه بفضله).

ولا يخفى لما لهذه الكلمة من دلالات على سمو منزلة أبي القاسم ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن كما يقول المتنبي، فقد ساءت أحوال صقلية بعد وفاة راجار الثاني وتولى ابنه غليالم الذي لم يرث من صفات أبيه وجده أية صفة، فكان ملكاً عنيفاً متهوراً، فتفاقمت الأمور سوءاً بصقلية وبلاد الأندلس جميعاً بين المسلمين والنصارى، وجرت مذابح كبرى.

أما بنوا القاسم فآخر ما ذكرت المصادر عنهم هو وصف ابن جبير الذي ذكرناه وكان في سنة (580هـ) وعلى الاعتماد على هذا المصدر تكون مدة حكم بني القاسم (119) سنة من عام (461هـ) وهي السنة التي تولى فيها أبو القاسم حكم صقلية وحتى آخر عهد لبني حمود في رحلة ابن جبير عام (580هـ)، كان منها (23) سنة حكماً مستقلاً لأبي القاسم الأول قبل دخول راجار صقلية عام (484هـ).


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (تاريخيات)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك