نهاية النظرية وفشل النماذج الاقتصادية


في كتاب نهاية النظرية يتحدى الكاتب ريجارد بوكستيبر وبقوة البحوث الاقتصادية والتحليلات التقليدية. هو حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من معهد massachusett للتكنلوجيا (MIT) قبل عدة عقود. الكاتب أمضى الشطر الاكبر من عمله المهني كممارس مالي وليس اكاديميا، هو ناقد متشدد للاتجاه التقليدي في الاقتصاد والذي يؤمن به معهد massachusett.

ان ما يتميز به كتاب "نهاية النظرية"(1) عن النقاد الآخرين هو انه يطرح اتجاها بديلا هاما هو النمذجة على اساس الفرد agent-based modelling. هذا الاتجاه الجديد يؤكد على فكرة "النظر الى العالم وليس الى النموذج".

الكاتب Olivier Blanchard، ذكر في مقال له "ان مقالات الاقتصاد الكلي اليوم تتبع قواعد صارمة" انها ليست كلية فقط. جميع حقول الاقتصاد الرئيسية تميل لإتباع اجراءات تقنية على حساب الواقعية. في القرن الخامس عشر لو كان مصممو الخرائط يتميزون بنفس الصرامة ولا يهتمون بالاشياء الاخرى لكانوا قد استمروا برسم خرائط للعالم تتجاهل اكتشافات كولمبس والمستكشفين اللاحقين ولكانوا اصرّوا على ان "علم الخرائط لايزال جيدا"(2).

القواعد الصارمة للاقتصاد التقليدي تتضمن البحث عن حلول رياضية لمشاكل التفضيل المقيد constrained optimization problems(3)، واختبار السلوك حول نقطة التوازن، والنظر الى العالم الواقعي من خلال عدسة التحليلات الاحصائية لبيانات يُفترض ان تأتي من توزيع مستقر. المؤلف يسعى للتخفيف من هذه القواعد الصارمة. هذا الاتجاه في الإرخاء –النمذجة على اساس الفرد- يحاول دمج جميع خصائص العالم الواقعي حتى وان زادت من تعقيد النموذج.

في الاتجاه التقليدي، يحاول الاقتصادي ان يشتق رياضيا نتيجة هامة مستخدما ابسط نموذج ممكن. فائدة هذا انه يجعل من الأسهل كتابة عرض واضح والحصول على نتيجة مرغوبة. غير ان عيوب هذا الاتجاه هو انه لكي لا يزيد من تعقيدية النموذج، فهو يتخلى عمدا عن عوامل اخرى حاضرة في العالم الواقعي.

في الاتجاه التقليدي، يستخدم الاقتصادي رياضيات استنتاجية للوصول الى تقييم معين باستخدام عدد محدود من العمليات closed-form solution. وفق اتجاه النموذج القائم على الفرد يضع المحلل تمرين محاكاة لنموذج لايعتمد اشكال التقييم المغلق.

في الاتجاه التقليدي يسعى الاقتصادي الى ايجاد حل للتوازن ويفحص السلوك في النقاط المجاورة للتوازن. في النمذجة المعتمدة على الفرد، ينظر المحللون في ديناميكيات تبدأ من مجموعة مختلفة من الظروف الاساسية. هم لا يفترضون التوازن باعتباره الحالة الاكثر احتمالا، بل ولا يفترضون حتى وجود توازن.

في الاتجاه التقليدي يتعامل الاقتصاديون مع الافراد لحل مشاكل التفضيل المقيد. عندما يكتشفون ان صانعي القرارات الواقعية يستخدمون أحكاما عملية heuristics(4) في حل المشكلة، فهم يرفضون تلك الوسائل باعتبارها غير عقلانية، ويستمرون في تبيان ان الوسائل البديهية تقود الى الابتعاد عن الحالة المثالية. وفق النموذج القائم على الفرد، تُعتبر الوسائل البديهية استجابة رشيدة لعالم لا وضوح فيه. المحاكاة تدمج صنع القرارات الواقعية من جانب الفرد لتعمل في سياق من الانظمة الشديدة التعقيد لأي فرد يريد الفهم.

الاقتصاديون التقليديون يلاحظون سلوك العالم الواقعي كما يجسد ذاته ضمنا في البيانات. هم يطبقون تقنيات احصائية تفترض ان ما نلاحظه اليوم يخبرنا بما سنلاحظه غدا. نمذجة الفرد تسمح بحقيقة ان الناس عندما يتفاعلون مع بيئتهم والبيئات الاخرى فان السلوك يتغير بما يجعل بيانات الماضي غير ملائمة. لكي يتجنب المرء الاعتماد على استنتاجات احصائية سريعة الزوال، يجب عليه ان يفحص بشكل مباشر صانعي القرار وعملياتهم الفكرية. يقول الكاتب ان المطلوب هو نمذجة الفرد بدلا من الاقتصاد التقليدي وذلك بسبب الظاهرة الطارئة "emergent phenomena"، وعدم اليقين الراديكالي غير المحسوب (ص12). كل من هذه الخصائص للعالم تجعل من الصعب ايجاد نماذج ثابتة بسيطة وقوية. يكتب الكاتب:

عندما تبرز من نشاطات الافراد ديناميكيات تؤثر في كامل النظام وبشكل غير متوقع وبطريقة لاتجسد التراكم لذلك السلوك، فان النتيجة تُعرف بالنشوء emergence(ص17).

بعض الظواهر الناشئة، مثل اللغة والمعتقدات الثقافية تبرز تدريجيا، بينما ظواهر ناشئة اخرى مثل الاختناق المروري تبرز فجأة. الاقتصاديون لايستطيعون الوثوق بالتحليلات الاحصائية للبيانات بسبب حالة اللاتجانس non-erodicity. في العمليات غير المحسوبة يتم سحب جميع العينات من نفس السكان، ويمكن استخدام عينة كافية لوصف الخصائص الاساسية للعملية، مثل متوسطها الحسابي، وان سحب عينة في اي فترة زمنية ستقوم بنفس الشيء وتعطي نفس النتائج كأي عينة اخرى.

.... الناس ليسوا خارج الحساب، نحن نتحرك خلال العالم على طول ممر منفرد، ونحصل فقط على ذلك الممر. حينما نكون في ذلك المسار، فان تجاربنا وتفاعلاتنا والرؤية التي نمتلكها عن العالم في تلك اللحظة كلها تقرر السياق لأفعالنا. ذلك المسار غير قابل للتكرار، نحن لانختار عشوائيا من التوزيع (ص42).

في الاقتصادات التقليدية يفترض الناس انهم يعرفون الان وفي مستقبل لا محدود، جميع نطاق الامكانات، وارجحية حدوث كل واحدة. الافتراض البديل، بان المستقبل له مظاهر لا يمكن توقعها اليوم، يطلق عليه اسم عدم اليقين الراديكالي. لكننا يمكن ان نسميه ظروف الانسان. يكتب المؤلف بان عدم اليقين الراديكالي "يقود العالم للذهاب في اتجاهات لم نكن نتصورها ابدا... العالم يتغير حتى الان بطرق صادمة"(ص18). الحسابية اللااختزالية يعني بها المؤلف ان الكثير من السلوك الاقتصادي هو شديد التعقيد لدرجة لا يمكن دراسته باستعمال نماذج مبسطة. "العالم لايمكن حله، انما يجب ان يُعاش"(ص18).

هذه السمات تعني،

.... اننا نستطيع التخلي فورا عن فكرة ان العالم الاقتصادي يتأسس على مبادئ عالمية للسلوك الاقتصادي، فيها لايمتلك الافراد تاريخا او تجارب، ويتصرفون بنفس الاسلوب سواء كانوا دخلوا العالم اليوم او بعد عشرة اجيال من الان، سواء كانوا في الارض او على المريخ. المسارات التي يتخذها الناس لم تتقرر سلفا عبر الصيغ الرياضية للمنفعة والاحتمالية، والناس لا يستجيبون بطريقة ميكانيكية، ولا يمكن ايضا وصفهم بنموذج قابل للتطبيق عالميا فيه جميع العلاقات الاساسية ثابتة (ص20).

يسعى الكاتب الى دمج مبدأ الـ reflexivity لجورج سوروس(5) وهو ما يجعل القرارات الاقتصادية تستلزم تفسير البيئة (فعاليات المعرفة) وتغيير البيئة. الناس دائما يتعلمون ويتغيرون. هذا هو مصدر هام لعدم اليقين الراديكالي والذي لم يتجسد في معظم فروع العلوم الطبيعية.

هذه الاختلافات الميثدولوجية يمكن توضيحها بعدد من الحالات المحددة. اولا، انظر في مشكلة تصميم عقود لتعويض العاملين. مالك الشركة يريد الحصول على أعظم عمل انتاجي من العامل بينما يقدم له اقل تعويض. العمال يريدون الحصول على أكبر تعويض مقابل اقل جهد. اذا كان العقد يقدم مجموعة من الحوافز والعلاوات المصممة جيدا فان الشركة ستعمل بكفاءة عالية والعمال ينالون حقوقهم المناسبة. اما اذا كان العقد مصمم اعتباطيا، عندئذ سيستغل العمال النظام، والشركة ستستلم القليل وهذا يعني ان العمال ايضا سوف يستلمون اقل مما لو كان العقد مصمم جيدا.

هناك الكثير من الادب التقليدي حول هذا الموضوع يُعرف بمشكلة الوكيل-الرئيس principal-agent problem (6). معظمه يدور حول مفهوم "عقد الحوافز المنسجم" الذي يعني ان العقد الدائم والمثالي سيحل المشكلة. غير انه من منظور النموذج القائم على الفرد، لايوجد شيء من قبيل عقد حوافز منسجم. بدلا من ذلك، هناك دائرية وعدم يقين راديكالي. لا احد لديه معلومات تامة ليصمم نظام تعويض "كامل". حتى عندما يبدو النظام تاما مرتكزا على الموقف السائد حاليا، فلا احد يعرف كيف سيكتشف العمال طرقا جديدة لاستغلال النظام في المستقبل. لا احد يعرف كيف ستُضعف التغيرات في بيئة الاعمال من فعالية العقد. المالكون والعمال يتعلمون ويتكيفون باستمرار. الاستراتيجيات المثالية هي وهمية، وبدلا من ذلك، يستخدم الافراد وسائل الاستدلال البديهية التي يأملون ان تكون قوية. المالكون يفوضون المدراء مهمة "تقييم الآداء" ويسمحون للمدراء باستخدام هذه العملية لممارسة بعض المرونة في التعويض. شركات العالم الواقعي تراجع خططها التعويضية بانتظام لأن فاعلية الخطة تميل للتآكل مع الزمن. العمال يحاولون مقارنة تعويضاتهم بما لدى زملائهم داخل وخارج الشركة.

يؤكد الكاتب على مزايا النموذج القائم على الفرد، او ما نسميه النظر الى العالم، لفهم الازمة الاقتصادية عام 2008. الكاتب ينظر الى الاحداث التي وقعت في سوق السندات باعتبارها مشابهة لافلاس البنوك. هو يرى ان العديد من المؤسسات المالية الحديثة بما فيها اتفاقيات اعادة الشراء وعقود الشراء الآجل، تتطلب وضع مبالغ صغيرة في اصول قليلة المخاطرة كتأمين على السند. وعندما برزت مخاوف حول خطورة السندات العقارية، فان هذا اثر سلبا على قيمتها التقديرية كضمان.

النظر الى العالم بدلا من النموذج يسهل علينا فهم الاضطراب المالي الذي وقع عام 2008. غير انه لا المؤلف ولا صانعي السياسة ولا الاقتصاديين التقليديين استطاعوا توضيح مقنع للركود العميق الذي أعقب الازمة. أحد الممارسين الماليين دانيال نيفي يرى ان الركود حصل جزئيا بسبب الافراط في التوسع المبكر الذي انعكس على شكل دورات ائئتمانية. هو يرسم مقارنة بين التوسع في العشرينات من القرن الماضي والتوسع الذي سبق ازمة عام 2008(7).

دانيال يقف نفس الموقف حين يتحدث بقسوة ضد تيار الاقتصاديين التقليديين. الاقتصاديون متحررون من قوى السوق التي يدرسونها. هم محميون، ادائهم يُعترف به بناءاً على ما ينشرون في المجلات البحثية التي يقصدها فقط المشاركون لهم في المهنة... الاقتصاديون يعيشون في عالم منعزل لهم فيه لغتهم الخاصة وقواعدهم وعاداتهم وسلّمهم التنظيمي. في بيئتهم الضيقة، البيروقراطية هي التي تقرر الرابحين والخاسرين وليس الاسواق. المدارس تستمر في تعليم النظريات حتى عندما يثبت خطئها ولاشيء يمنعها من الاستمرار في ذلك (Nevins، ص245).

الاقتصاد لا يتعامل مع الكيفية التي يتصرف بها الناس كأفراد، انه يفترض بإمكانه تجميعنا في شخص واحد، انه افتراض مبسط، والعلوم مليئة بمثل هذه الافتراضات المبسطة(ص81، 82).

تلخيص

يناقش الكاتب لماذا الظروف الانسانية وعدم اليقين في عالمنا تجعل النموذج الاقتصادي والنظرية التي خلفه لافائدة منهما في التعامل مع الازمات المالية. هو يؤكد على اتجاه جديد قائم على الفرد ينطلق من حقيقة اننا بشر وليس اناس آليين مبرمجين كما تفترض النماذج الاقتصادية. هناك اربع ظواهر تسبب الكوارث المالية: السلوك الطارئ، وعدم التجانس، وعدم اليقين الجذري، وعدم الاختزالية في الحساب. السلوك الطارئ يحدث عندما تبرز ديناميكيات النظام بشكل غير متوقع من فعاليات الافراد بطريقة لا تشبه التراكم في ذلك السلوك.

اللاتجانس خاصية دائمة للاسواق المالية. اي ان الاسواق تتغير بمرور الزمن ولا تتبع نفس الاحتمالات اليوم كما فعلت في الماضي او ستفعل في المستقبل. اللايقين يكون جذريا عندما لا يمكن التعبير عنه او توقّعه عند تعاملنا مع المجهول.

اخيرا، سلوكنا الاقتصادي معقد جدا وتفاعلاتنا عميقة لدرجة "لا تتوفر معها وسيلة رياضية تقرر الكيفية التي ستتطور بها".كيف سنعيش في بيئة معقدة ودائمة التغيير وحيث لا يمكن للمستقبل ان يكون كالماضي.

.................................
الهوامش
(1) كتاب نهاية النظرية: الازمة المالية، فشل الاقتصاد والقضاء على التفاعل الانساني للكاتب Richard Bookstaber، صدر عن مطبوعات جامعة برنستون عام 2017.
(2) oliver Blanchard"حالة الكلي"، المراجعة السنوية للاقتصاد 1: 209-228، سبتمبر 2009.
(3) وتعني استخدام الطرق الحسابية لحل المشاكل، منها مثلا تقليل التكاليف الكلية المرتكزة على المدخلات التي تكون القيود فيها غير مقنعة. في الشركات والمالية والاقتصاد، تُستخدم هذه الطرق لإيجاد الحد الادنى لدالة الكلفة حينما تتغير التكاليف اعتمادا على التغير بما متوفر وعلى كلفة المدخلات كالمواد الخام والعمل والمصادر الاخرى. وهي تُستعمل ايضا لإيجاد اعلى مردود ممكن اعتمادا على التغير في قيم الموارد المالية المتوفرة والقيود عليها مثل كمية وكلفة رأس المال واقصى او اقل قيمة تسجلها هذه المتغيرات. البرمجة الخطية هي احدى الوسائل المستخدمة في حل هذه المشاكل.
(4) وهي عمليات فكرية فعالة واعية او لا واعية تتجاهل جزء من المعلومات في حل المشكلة وتركز على مظهر واحد من المشكلة المعقدة، وهي بهذا توفر الجهد وتتجنب افتراضات النماذج العقلانية. اكثر من 95% من قرارات الناس تتم باستخدام هذه الطريقة القائمة على الممارسة والحس العام وليس على النظرية.
(5) يشير هذا المبدأ الى العلاقة الدائرية بين السبب والنتيجة، الرؤية المشوهة لدى الناس تؤثر في الموقف المرتبط بتلك الرؤية لأن الافكار الزائفة تقود الى افعال غير ملائمة. فمثلا التعامل مع المدمن على المخدرات كمجرم سيخلق سلوكا اجراميا لديه. المبدأ ينطبق على المواقف التي فيها مشاركون في التفكير، المشاركون في التفكير يؤدون وظيفتين: واحدة لفهم العالم الذي نعيش به وتسمى وظيفة الادراك، والثانية لنغير الموقف لمصلحتنا وتسمى الوظيفة الاستغلالية. كلا الوظيفتين يربطان التفكير بالواقع باتجاهين متعاكسين. في وظيفة الادراك، الواقع يُفترض ان يقرر رؤية المشاركين، واتجاه السببية يكون من العالم الى الذهن، بالمقابل، في وظيفة الاستغلال يكون اتجاه السببية من الذهن الى العالم، اي ان نوايا المشاركين لها تأثير على العالم. عندما كلا الوظيفتين تعملان في وقت واحد فانهما يتداخلان مع بعضهما.
(6) هذه المشكلة تحدث عندما فرد او جهة (agent) تتخذ قرارات لمصلحة شخص او جهة اخرى(principal). الوكيل قد يكون مدير شركة مساهمة او سياسي او سمسار. والرئيس هو المساهمون او الناخبين او الأسواق (البائعين والمشترين). المأزق يحصل عندما يعمل الوكلاء لمصلحتهم الخاصة وليس لمصلحة الرئيس خلافا للاتفاق المبرم بينهما، فيبرز ما يسمى صراع المصالح.
(7) Daniel Nevins, Economics for Independent Thinkers
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
تغيير الرمز

تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (مقالات اقتصادية)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك