الهِرمينوطيقا Hemeneutic، اسم مصدر، في اللاتينية القديمة، وهي منقولة عن الفعل hemeneuo “ερμηνεύω”، (1) في اليونانية القديمة، والذي لا يزال مستخدما في المعاصرة أيضا، وبمعنى "يفسّر"، وأصله الأسطوري في الثقافة الإغريقية، عن إسم أحد الآلهة الإثني عشر للأولومبس، الذي كان رسولا للآلهة، ويساعد أرواح الناس، لتعبر الى الجانب الآخر(2).

وقد فسرت أو ترجمت إلى (فن التفسير) أو (تفسير المتون والنصوص) وإلى (علم أو فن التأويل) و(نظرية التأويل) و(نظرية التفسير) و(التأويلية) أو غير ذلك.

ولكن لا يخفى الاختلاف الكبير بين (التفسير) و(التأويل) بلحاظ مادة الكلمة، لغةً وعرفاً، وقد تطرق لذلك المفسرون والأصوليون وعلماء فقه اللغة، كما لا يخفى الفرق بين (العلم) و(الفن).

وارتأى البعض ضرورة إبقاء الكلمة كما هي وعدم ترجمتها بل تعريبها فقط إلى (الهِرمينوطيقا)، نظراً لأنها تتميز بالشمولية في دلالتها على كافة الممارسات والعمليات التأويلية من تفسير وشرح، وفهم، وتأويل، وترجمة، وتطبيق، بل إن (الهِرمينوطيقا) أضحت باختلاف مدارسها، تحمل مفاهيم متداخلة، أو متقابلة، متعاكسة، بل ومتناقضة أيضاً، كما سيتضح، إن شاء الله تعالى.

جذور "الهِرمينوطيقا"

ولقد اختلف المؤرخون في أصولها، فقد أرجعها البعض إلى المجهودات التي بذلها الاثينيون في العصر الكلاسيكي، من أجل استخراج معنى الملاحم الهوميرية(3)، التي أصبحت لغتها تتمنع عن الفهم المباشر، وهذا المعنى يتطابق مع (التفسير) وإن كان بحاجة إلى مفسر متخصص.

كما أن البعض الآخر أعادها إلى عشرات القرون، وأنها بدأت في الإسكندرية، ثم استرجعت في عصر النهضة والإصلاح، لكي تزدهر بعد ذلك في عصر الأنوار وعصر الرومانسية.(4)

كما أنها حسب بعض الباحثين: ذات أصول دينية محضة، وقد أملتها الحاجة إلى تأويل الإنجيل، الذي لم يعد فهمه المباشر ممكناً، ولذا نجده يربط الانتشار الواسع الذي عرفته الهِرمينوطيقا بازدهار البروتستانية في عصر النهضة(5)، وهذا المعنى يتطابق مع (التأويل) لكن في واحدة من أغرب صيغه.

والحاصل إنها بدأت في إطار الدراسات اللاهوتية التي تهتم بتأويل الإنجيل بطريقة رمزية وخيالية، تبتعد عن المعنى المعهود للألفاظ وهو المعنى الحرفي المباشر النصّي لها.

كذلك (كان يقصد بها، ذلك الجزء من الدراسات اللاهوتية، المعني بتأويل النصوص الدينية بطريقة خيالية ورمزية، تبعد عن المعنى الحرفي المباشر) (6)، إذن لقد كان الغرض من ابتداع الهِرمينوطيقا بهذا المعنى(7) (كما يراه عدد من الباحثين والمحللين)، هو: الالتفاف على غرابة الإنجيل ـ كما هو بأيدينا الآن ـ واختزانه كماً لا بأس به من ما يناقض العقل أو العلم(8) وذلك عبر تفسير كل نص خرافي، باعتباره غير مقصود منه المعنى الحرفي لدلالاته، بل المراد منه معنى معقول يطابق العقل والعلم، وقد جرى التعبير عنه بتلك العبارة الرمزية(9)، أو باعتبار أن أي تفسير لأي مفسر، يلوي عنق النص، ليفيد معنى يقبله العقل، وإن كان في حد ذاته ذا دلالة خرافية، فهو صحيح ومقبول ومنطقي، نعم ذهب البعض إلى تفسير معاكس، وهو أنّ (الهِرمينوطيقا مصطلح قديم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب ان يتبعها المفسر لفهم النص الديني في الكتاب المقدس).(10)

ومهما كانت البداية الحقيقية لنشوء (الهِرمينوطيقا)، فإنه قد جرى لاحقاً تعميمها لتصبح فناً أو علماً يتناول مختلف النصوص، سواء أكانت نصوصاً دينيةً أم تاريخيةً أم علميةً.

كما جرى تعميم (الهِرمينوطيقا) لتشمل تفسير الرموز والإشارات والعلامات، بل وكل مظهر من المظاهر، مثلاً هذا اللون يرمز إلى ماذا؟ وهذا التمثال يرمز إلى ماذا؟ بل جرى تعميمه ليشمل كل الحوادث والوقائع، فمثلاً: هذه الحركة، أو هذه النهضة، تكشف عن مجموعة من العلل ومن النتائج، وتفسير كل ذك يعد (هِرمينوطيقا).

كما أن الهِرمينوطيقا بعد أن كانت مقتصرة على (الهِرمينوطيقا اللغوية)، جرت إضافة جديدة لها مثل: (الهِرمينوطيقا النفسية) و(الفلسفية) و(التاريخية) وغيرها، وهكذا نجد أن هذه (الكلمة) تميزت بتحولات عديدة، وتطورت شيئاً فشيئاً من دلالة محدودة إلى دلالات أوسع وأشمل.

استخدام مصطلح "الهِرمينوطيقا" وتداوله البحثي

لا يهمنا الآن التحقيق في التطور التاريخي لاستخدامات هذه الكلمة، أو تحديد الصواب من الخطأ في فلسفة تكوين هذا المصطلح؛ إذ إن ما يهمنا هو (محاكمة) بعض المداليل الفلسفية واللغوية، لهذا المصطلح، على بعض تفسيراته، أي تلك التي تمس النصوص الدينية لدى المسلمين ولدى أتباع أهل البيت سلام الله عليهم، ومن هنا فإن التوغل مثلاُ لإثبات صحة أو سقم رأي بعض المحللين، الذي أشرنا إليه من الغرض منها، كان هو الالتفاف على غرابة الإنجيل المحرف وأخطائه، لا يقع في صميم بحثنا ودراستنا؛ إذ ليست دراستنا هذه تاريخية بالأساس.

بل الذي يهمنا هو الفكرة بذاتها و(الإمكان) والقضية اللّوية، أي حتى لو فرض أن البحث التاريخي، لم يوصلنا إلى حقيقة المقصود بالضبط لدى اللاهوتيين أو غيرهم من هذا المصطلح أو كيفية استخدامهم له، فإننا نقول:

أ: لو فرض أن مقصودهم هو كذا، فإن الجواب سيكون كذا وكذا.

ب: ونقول: لو فرض أن شخصاً في مستقبل الأيام قصد هذا المعنى أو ذاك واستخدمه فيه، فإننا سنناقشه بهذا الجواب أو ذاك.

ج: ونقول: إن هذه الفكرة في حد ذاتها، حسب محتملات دلالاتها، هل هي صحيحة أم لا، حتى لو فرضنا أن لم يفسرها أحد بذلك.

إن البحث إذن علمي وفلسفي، ودراسة تحليلية نقدية بالأساس، وليس (أتيمولوجياً)(11)، تم وإن كانت هنالك إضاءات متعددة في هذا الحقل.

عمر "الهِرمينوطيقا" ونشأتها

والمستظهر أن عمر (الهِرمينوطيقا)، إجمالاً(12)، يمتد بامتداد صراع الخير والشر، ويعود إلى بدء الخليقة، حيث واجه إبليس، نبي الله آدم عليه السلام، بتفسير هِرمينوطيقي أو بتأويل لكلام الله تعالى، حيث قال: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)(13).

والظاهر من خدعة إبليس هذه، أنه بزعمه حاول أن يدلس على آدم ما وراء النص، وفلسفة هذا النهي، والقصد الخفي الكامن وراءه، وأن النهي كان كي لا يكونا ملكين أو خالدين، أي أنه أوهمهما أن النهي ليس إلا إرشاداً للمرجوح(14)، كما يحتمل(15) أنه حاول التلبيس عليهما بأن النهي لا يشملكما بل هو خاص بالملائكين وبالخالدين دونهما، والحاصل انه لا نهي إرشادي ولا مولوي موجهاً لهما.

وهناك آيات قرآنية عديدة يمكن أن تستفاد منها الإشارة إلى آراء هِرمينوطيقية لجبهة الباطل على امتداد الزمن، ولنشر إلى بعضها دون التوغل في التفاصيل(16)، فمنها قوله تعالى: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)(17)، و: (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ)(18) و: (إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)(19)، و: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ)(20)، إلى غير ذلك.

وبذلك يظهر أن (المسلم) (21) في غنى عن الهِرمينوطيقا بهذا المعنى، مادام يؤمن بأن القرآن الكريم هو كتاب الله المنزل المحفوظ بحفظ الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(22) ومادام يؤمن أن الرسول: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(23) ومادام يؤمن (المسلم الشيعي بالذات) بأن الأئمة هم ورثة علم النبي صلى الله عليه وآله وامتداده، بل هم والرسول عليهم أفضل الصلاة والسلام، نور واحد وشجرة واحدة، وأنهم معصومون عن الزلل والخطأ والجهل، كعصمتهم عن المعصية ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(24).(25)

وعلى ذلك، فإن كل كلمة صادرة عن الرسول والأئمة سلام الله عليهم، هي عين الحقيقة وذات الواقع، ولا يعقل أن تكون مناقضة للعقل السليم الفطري(26)، أو للعلم المطابق للواقع، فأية حاجة بعدها إلى التمسك بالرمزية والهِرمينوطيقا كسلاح للدفاع عن القرآن الكريم لكن بمنهجية (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ)(27)؟

إن الهِرمينوطيقا التي شكلت الدفاع المنطقي ـ كما يزعمون ـ عن الإنجيل المحرّف، تعد في الوقت نفسه السلاح الخطير السري لمنهجية التحريف المعنوي للقرآن الكريم، و(التفسير الباطني) الذي لا يستند إلى ضوابط إلهية، أو إلى تفسير وتأويل من نزل القرآن في بيوتهم.

وهذا يستبطن فيما يستبطن: أن (الهِرمينوطيقا) ببعض مدارسها قد تستخدم ـ بل قد استخدمت بالفعل ـ لضرب القيم القرآنية وإلغاء الأحكام والقوانين الإلهية، كما وردت في الكتاب والسنة، ولكن بقفاز حريري وبمظهر عصري حداثوي.

وبكلمة: إن (الهِرمينوطيقا الفلسفية) التي تذهب إلى نسبية الحقيقة أو إلى نسبية المعرفة ـ بعدد من معانيها، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى ـ تعد السلاح الأبرز للتملص من القوانين والأحكام والشريعة الإلهية المتجسدة في القرآن الكريم، والرسول العظيم وأهل بيته الكرام سلام الله عليهم أجمعين، بل هي السلاح الخطير لضرب كافة القيم الإنسانية وكافة الأحكام العقلية ـ كما سيتضح في مطاوي الكتاب ـ.

كما أن (الهِرمينوطيقا اللغوية)، حسب عدد من مبادئها، تعتبر الطريق المعبّد للتلاعب بالنصوص على حسب الأهواء والرغبات، بل أنها الطريق الواسع للفوضى المعرفية الشاملة، بل أنها الوجه المعاصر للسوفسطائية بإحدى تجلياته.

* من مقدمة كتاب (نقد الهرمينوطيقا ونسبية الحقيقة والمعرفة)
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/arabic/author/10

.....................................
(1) وقيل إنه مأخوذ من (He)meneutikiko() والتي تعني إزالة الغموض عن الموضوع وتوضيحه.
2 جرى التعريف بمفهوم الهِرمينوطيقا، في الهامش المثبت في ص 6 من الكتاب، حيث أشير هنا الى الجذر اللغوي له حصرا.
3 الأساطير الملحمية، المنسوبة الى الشاعر الإغريقي الأسطوري، "هوميروس".
(4)عبد الكريم شرفي، من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، ص17ـ 18.
(5) المصدر السابق، ص18.
(6) مقال الموضوعية والذاتية للمسيري.
(7) أو تحول الهِرمينوطيقا، في مسيرتها، إلى هذا الإتجاه، كي لا نتوقف طويلاً عند تحليل (اتيمولوجيا) الهِرمينوطيقا، فإنه ليس من صميم البحث.
(8) راجع كتاب (الهدى إلى دين المصطفى (صلى الله عليه وآله)) للإمام البلاغي قدس سره، و: (ماذا في كتب النصارى؟) للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) وغيرها.
(9) يقول هانس غيورغ غادامير: (وهكذا تطور المعنى المعرفي لـHe)meneia و Hemeneu في الهيليلينية المتأخرة ليدل على التفسير العلمي أو المؤول أو المؤول المترجم وذلك بعد أن كان للفظ استعمال قديم ـ حسب غادامير نفسه ـ وهو (فقد اعتبر هرمس Heme رسول الآلهة للبشر وكان يبلغ حرفياً وينجز كاملاً ما وكل بتبليغه، إذن (لا توجد دون شك أية صيغة لفهم التقارب بين فن التأويل والفن التكهني).
عن، هانس غادامير، فلسفة التأويل الأصول، المبادي، الأهداف، ترجمة: محمد شوقي الزين، ص61ـ 62.
(10) إشكاليات القراءة وآليات التأويل: ص13.
11 أتيمولوجيا، وهو علم أصول المفردات اللغوية، وبيان مفاهيمها، من خلال كشف جذورها اللغوية.
(12) وحسب بعض مدارسها.
(13) سورة الأعراف: 20ـ 21.
(14) أي ليس مولوياً ولا إرشادياً للممنوع.
(15) أشار إلى أصل وجود هذين الاحتمالين، تفسير (مجمع البيان) في شرح الآية الشريفة.
(16) ولعلنا نعود لها في دراسة قادمة.
(17) سورة البقرة: 102.
(18) سورة محمد (صلى الله عليه وآله): 25.
(19) سورة الأنعام: 121.
(20) سورة الحج: 53.
(21) وسيظهر من البحوث القادمة أن كل إنسان (حكيم) لهو غني عن الهِرمينوطيقا، بل إن (العقل) هو الحاكم بعدم صحة أسسها وقواعدها ومبانيها.
(22)سورة الحجر: 9.
(23) سورة النجم: 3 ـ 4.
(24) سورة الأحزاب: 33.
(25) راجع (الغدير) و: (العبقات) و:(ليالي بيشاور).
(26) حول معاني العقل، ومقاييس تمييز (العقل) كقوة إلهية كاشفة عن الحقائق، عن (العقل) الواقع تحت أسر الأهواء والشهوات (كم من عقل أسير تحت هوى أمير) أو العقل الذي هو (النكراء) الشبيهة بالعقل، كما في الرواية، يراجع (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية) للمؤلف.
(27) سورة النساء: 46. سورة المائدة: 13.

اضف تعليق